بدأ الأمر برواج الكتب الدينية المتزمتة، وتلك المنشورات والفتاوى التي تثمّن مذهباً أو طائفة على حساب مذهب آخر وطائفة أخرى. انتُقد هذا الرواج في معارض الكتب العربية، لكن ذلك لم يمنع استمراره. ترافق ذلك مع تراجع الدراسات الفكرية التنويرية الجادة، وخسارة الثقافة العربية لأسماء فكرية بارزة أيضاً، وبعض تلك الأسماء عانى من الرقابة والمنع والتكفير. وترافق ذلك مع ازدهار السياسة بمعناها المبتذل في ثقافة المجتمعات العربية ووسائل إعلامها ومواقع التواصل الاجتماعي فيها.


وساهمت أحداث «الربيع العربي» في تأجيج التزمت والطائفية بعدما خُطفت الثورات والانتفاضات من جماعات إسلامية متشددة، وتحولت إلى حروب أهلية، وحروب ضد الإرهاب، وحروب متبادلة بين هذه الجماعات ذاتها. عادت أنظمة سابقة بطبعات منقحة كما في مصر وتونس، بينما لا يزال الصراع الدموي مستمراً في سوريا وليبيا واليمن. في المقابل، فإن أغلب البلدان العربية التي لم يزرها «الربيع» لا تزال أنظمتها مستمرة في تغييب الحريات والعدالة الاجتماعية والمواطَنة الفعلية، إلى جانب استمرارها في سياسات القمع الثقافي والديني أيضاً.
الكتاب العربي كان ضمن لائحة الخاسرين الكبار في هذه الصورة المأسوية التي لا تزال مرشّحة لخراب وتخلّف أكثر. لقد ألقت هذه الصورة المضطربة بظلالها السلبية على معارض الكتب العربية في السنوات الأخيرة. عانى الناشرون (اللبنانيون خصوصاً) من خسائر كبيرة بعد إلغاء عدد من المعارض الأساسية كمعرضي دمشق والقاهرة، وازدياد عدد العناوين المحظورة في المعارض الخليجية. ارتفعت الأصوات حول مخاوف جدية على صناعة الكتاب ونوعية العناوين والموضوعات التي يمكن أن تزدهر في ظل ارتفاع حدة الخطاب الديني المتطرف. وها هي هذه المخاوف تتحول إلى واقع كابوسي على يد «داعش»، و«النصرة»، وغيرهما من جماعات الإسلام السياسي المتطرف التي تذبح وتقتل وتحارب من يخالفها في الدين أو المذهب أو الرأي.
الكتاب نفسه بات مسألة هامشية بالنسبة لحاملي السيوف والسواطير، وباتت القراءة ترفاً بالنسبة للمواطن العربي في المناطق الملتهبة مثل سوريا وليبيا واليمن. الخشية التي أبداها الناشرون والمثقفون من نكوص فكري وثقافي صار حقيقة، والخوف من تحول الربيع العربي إلى شتاء قاس صار حقيقة أخرى. لا نريد أن نحلل الأسباب التي أوصلتنا إلى هنا، وهي عديدة، وبعضها لا علاقة مباشرة له بالقراءة والكتابة والنشر طبعاً، ولكن التساؤل عن النشر والكتابة في زمن «داعش» يبدو مشروعاً مع الانحدار الذي وصله العالم العربي، ومع وصول الخطاب الطائفي والديني إلى مستويات غير مسبوقة.

ركّزت «الريس» على نشر
ترجمات عن تاريخ سوريا على
حساب الرواية والشعر


معرض بيروت الذي يأتي في ختام المعارض العربية المبرمجة كل سنة يبدو، مقارنة بغيره من المعارض، مثل متنفس للكتاب والناشر والقارئ. هنا يمكن الوصول إلى كل العناوين من دون رقابة، وهنا تتوفر تسهيلات كثيرة للناشرين والموزعين والقراء. ولكن بيروت التي صدّقت في السنوات الماضية شعار «النأي بالنفس» عن التأثيرات المباشرة للربيع العربي (والسوري خصوصاً)، لم تستطع عملياً تفادي نتائج وارتدادات هذه التأثيرات. الخطر الداعشي بات مسألة حدود داخلية ملحّة في لبنان. خطر (قد) يُنذر بقضم مساحة من الحرية والانفتاح الذي تحظى بها دور النشر وإصداراتها المتنوعة.
أسئلة ومخاوف حملناها إلى عدد من الناشرين عشية افتتاح النسخة الثامنة والخمسين من عميد المعارض العربية التي تتزامن مع هواجس أمنية محلية، وتشهد غياباً كبيراً للناشرين العرب. ماذا عن النشر في زمن داعش؟ وماذا عن دور الكاتب والمثقف في لحظة الانقسامات المذهبية والصراع القاتل للهويات الصغيرة؟
البداية كانت من رياض الريس الذي يقول إن «الكتاب العربي اليوم يصدر في عصر الظلمات، وعليه أن يكون أصدق إنباءً من السيف»، ويرى أن «مهمة الكاتب العربي هي الوقوف في وجه الذبح»، وأنْ «ليس هناك من سلاح لمقاومة عصر الجاهلية الثاني إلا الكتاب». بالنسبة إليه، لا تمكن محاربة هذا العنف البربري والشرير إلا بالفكر المتنور ضد التعصب والقتل الذي تعدنا به النسخة الراهنة من الإسلام السياسي المتمثل بداعش والنصرة. يستعيد الناشر المخضرم حالة معارض الكتاب العربية في السنوات الأخيرة، فيقول: «ما قيل إنه ربيع عربي تكشّف عن صقيع قاحل. ظننا أن الكتاب سيأخذ مداه ويتحرر من القيود والرقابة، ولكن العكس هو ما حدث، كما أن الربيع العربي المزعوم قلّص الجغرافيا العربية التي كان الكتاب العربي يتحرك فيها. سوريا والعراق أُلغيا من خريطة المعارض العربية. معرض القاهرة تأجل مرة وألغي مرة ونُهبت كتبنا هناك. مع الوضع السوري المتفجر، نحتاج إلى أربع محطات توزيع لكي يصل الكتاب اللبناني إلى العراق. وقل الأمر نفسه عن دول الخليج العربي». نسأله عن مواكبة الحدث، وعن التعديلات التي طرأت في برمجة الدار السنوية، فيشير إلى أنه اهتم بالوضع السوري، ونشر ترجمات عديدة عن التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي الحديث في سوريا، وأن ذلك حدث على حساب الرواية والشعر. «وسط هذه الظلامية بادرنا إلى نشر عناوين إسلامية تعيد تصحيح الفكر الإسلامي وتقدمه بعيداً من التعصب والجهل»، يقول الريس، ويشير إلى كتاب «داعش وأخواتها» (محمد علوش) الذي أصدره أخيراً كمحاولة لفهم هذا التنظيم ونشأته وعلاقته بالقاعدة، وهو تكملة لكتب أخرى أصدرها عن أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. ويختتم حديثه عن معرض بيروت الذي لا يزال فضاءً أرحب للكتاب العربي، ويعزو ذلك إلى إرث المدينة الحداثي والمعتدل وإلى النفسية اللبنانية التي تقبل الاختلاف. يتخوف من ظواهر وأفكار متطرفة ظهرت أخيراً في لبنان على خلفية الصراع في سوريا، ولكنها بالنسبة إليه تمثل خطراً محدوداً حتى الآن. في «دار الجمل»، يقول الشاعر والناشر خالد المعالي إن «كل الجهود التي بُذلت في العقود الماضية من أجل تطوير المجتمعات العربية والإسلامية فشلت في تأسيس مجتمع بطبقات ودساتير متطورة وحكومات منتخبة ديمقراطياً. نحن نعيش في مجتمعات اختفت فيها الطبقات. وهذا يسهّل عمل أي مجموعة مثل داعش وغيرها». ما هي خطورة ذلك على الكتاب والنشر؟ يقول إنها مثل الخطورة على أي فكر أوثقافة أو هوية يحاربها هؤلاء، ولكنه يرى أنّ هذا لا يخلو من إيجابيات على المدى البعيد، فالقارئ والمواطن العادي اتضحت له الآن صورة الإسلام السياسي وحقيقة هذه التنظيمات، ويمكن أن يشكل ذلك فرصة للفكر التنويري والمعتدل ليكون الرابح الأساسي في هذه اللحظة المفصلية التي قد تؤدي إلى القضاء على الإسلام السياسي. هل ساهم نشر الكتب الدينية ورواجها في ما يحصل؟ يقول إن النشر عملية تجارية، وأغلب دور النشر العربية قائمة على مفهوم دكان البقالة، وبالتالي تشارك في الترويج لأية بضاعة رائجة، ولا يُتوقع منها أن تلعب دوراً حقيقياً في الترويج لثقافة حديثة ومدنية. أما بخصوص تبنّي عناوين تتناول الحدث الراهن، فيقول إنه كناشر لم يصله مخطوط جيد يمكن نشره عن داعش أو عن صعود الإسلام المتطرف. يشير إلى كتاب جيد لباتريك كوكبيرن «داعش عودة الجهاديين» أصدرته «دار الساقي»، ويقول إن الكاتب اللبناني علي حرب نشر دراسة جيدة لها علاقة بداعش، وأنه رغب في إصدارها ككتيّب، لكن حرب كان أعطى موافقته لجهة أخرى.
وبالنسبة إليه كناشر، فهو مهتم بالموضوعات الصغيرة والكتب الجيدة أكثر من الاهتمام باللهاث وراء عنوان ما لمجرد أن الموضوع دارج وساخن. ولكن هل هناك خوف على الكتاب اليوم؟ يقول: «لا استطيع التعبير مباشرة عن حجم ونوعية هذا الخوف، ولكن يمكنني التعبير عن أصدائه. خذ مثلاً أن تحتل داعش الموصل، وتفرض الجزية على المسيحيين، وتقتل وتطرد الايزيدين في سنجار. وخذ ما حدث من أمور مماثلة في مناطق عديدة من سوريا، ولنتذكر ما حدث لتمثالي المعري وأبي تمام، رغم أن هذا شيء ضئيل إذا ما قورن بمشاهد الذبح والتهجير التي يقوم بها هؤلاء».
بدوره، يتساءل حسن ياغي صاحب «دار التنوير» إن كانت «العلة فينا أم في التدخل الأجنبي، وأين تكمن بذرة العنف المريع هذه حيث ينطلق التعصب الديني مدمراً كل شيء: الثقافة والحياة. وحتى الدين نفسه يتحول من فكرة ارتباط الانسان بما هو أبعد أو ما وراء العالم: الله، إلى تعصب أعمى يدمر الإسنان باسم الله». ويرى «أن داعش ليست وحدها من يمثل هذا الفكر الذي تمثله أنظمة وجماعات أخرى». بالنسبة إليه، داعش هي كل من يعتقد أنه أمسك الحقيقة، وكل ما زاد عدد الممسكين بالحقيقة سيطرت الدوغما، وقلّ عدد الذين يبحثون عن الأفق المفتوح للمعرفة والإبداع، وبالتالي تراجع إنتاج المعرفة وقلّ عدد القراء أيضاً. نسأله عن العناوين الجديدة التي يمكن أن تساهم في مواجهة التطرف، فيقول: «بنظرة سريعة إلى ما يُنتج اليوم نلاحظ قِلّة الجديد، ولا أقصد عدد العناوين أو الكتب الجديدة، فهذه كثيرة، ولكن قليل جداً الذي يحمل أفكاراً جديدة أو يقدّم أدوات للمعرفة التي هي النبذ العملي للتعصّب. بعدما غاب الجيل الذي أثّر في الثقافة العربية منذ أواخر الستينيات من أمثال أركون والجابري ونصر حامد أبو زيد ومنيف وشرابي وإدوارد سعيد، أو تقاعد الأحياء منهم بسبب السن ونضوب الدوافع، لا نرى وجوهاً جديدة لمفكرين يطلقون حيوية جديدة». ويرى أن كل هذا يؤثر في القراءة وينعكس على الإنتاج الثقافي والمعرفي، ولكنه في الوقت نفسه يُبدي تفاؤلاً بالجيل الشاب. «إنهم يطرحون أسئلة أكثر جرأة من أسئلة القرن الماضي»، و«يبحثون عن المتون الأصلية وليس عن تفسيراتها المؤدلجة والضعيفة». يعترف ياغي «بأنهم قلّة» مقارنة بالخطر الذي يتهدد الثقافة العربية اليوم، ولكنهم «يمنحوننا بعض الأمل».
وأخيراً، تتخوف رنا إدريس مديرة «دار الآداب» من التهديدات التي يحملها التطرف على القراءة والنشر والكتاب العربي ونوعية الأفكار التي قد تُفرض على المناطق التي تسيطر عليها هذه الجماعات، وتشير إلى أن «الآداب» ستستمر في «نشر الفكر التنويري الذي يمثل جزءاً من هوية الدار منذ نشأتها. الفكر الذي لا ينسى القضية الفلسطينية، ولا ينسى تثقيف القارئ العربي. نحن نركز على ذلك أكثر في زمن «داعش»، ولدينا عناوين جديدة ضد التزمت الديني والفكر السلفية والتطرف، وهذا يشمل روايات أيضاً وليس الدراسات الفكرية فقط. التطرف موجود، وهناك خطر فعلي على الكتاب التنويري وثقافة الاعتدال، ولكن ذلك لن يُثنينا عن متابعة الخط التقدمي للدار». تتحدث إدريس عن تأثيرات غير مباشرة لداعش والتطرف، ويتمثل ذلك في ارتفاع منسوب الرقابة المعارض العربية. وتشير إلى أن الدار لن تغير برمجة عناوينها لمجرد السعي إلى «سكوب» يتناول داعش والتطرف الديني، وترى أن الموضوع لم يعد داعش فقط، بل سلسلة انهيارات وخراب ينبغي وقفها ومحاربتها. «كنا ننتقد سابقاً رواج الكتب الدينية كظاهرة جانبية»، تقول ابنة الناشر والكاتب الراحل سهيل إدريس، ولكن «الكتاب الإسلامي صار جزءاً أساسياً في بعض المعارض كما حدث في معرض عمّان في الأردن، إذ لوحظت كثافة حضور النساء المنقبّات في أروقة المعرض، وهو مشهد لم نكن نراه في السنوات السابقة». وماذا عن معرض بيروت في هذا التوقيت؟ «هنا فضاؤنا المفضّل»، تسارع إلى الإجابة، وتضيف: «بيروت هي مقياس فشلنا ونجاحنا، وهي معيار ما ننشره أيضاً». تعترف بأن «الربيع العربي انقلب ضدنا»، و«أن الناشر اللبناني تلقى بعض الخسائر بعدما صار الوصول إلى القراء العرب محفوفاً بالمخاطر اللوجستية». تتأسف على خسارة معرض دمشق، وعلى إلغاء سوريا كممر بري لشحن الكتب إلى العديد من المعارض العربية».
نعم هناك صعوبات في ظل ضعف المشاركات العربية، وتناقص الزوار العرب، ولكن بيروت لم تخذلنا حتى في أشد السنوات عنفاً وحروباً. إنها معقلنا الأخير والأقوى في مواجهة أفكار التطرف وداعش اليوم».
بين الخشية والتفاؤل والخطر، لا يزال الكتاب العربي أسير الارتدادات السلبية للربيع العربي الذي صار شتاءً قارساً وطويلاً. لقد تحدث الناشرون عن تفاصيل تتعلق بأهمية التنوير ومحاربة التطرف والتخفيف من الرقابة، ولكن الواقع العربي محكوم اليوم بخراب ودمار يتجاوزان الكتاب والقراءة إلى خسارة الناس لحياتهم نفسها في بعض المناطق، وهو ما يجعل أسئلتنا مشروطة بهاجس القراءة والنشر. أسئلة ينبغي في النهاية أن يترافق طرحها مع الخوف على تمزق النسيج الاجتماعي والثقافي للعالم العربي، وليس فقط مع الخوف على وصول القارئ إلى كتابه المفضّل.