لم يهبط «داعش» من السماء، ولم ينزل بنا كالكوارث الطبيعيّة، أو بسحر ساحر. هناك عوامل موضوعيّة وذاتيّة، وتراكمات داخليّة وخارجيّة جعلت الجرثومة الكامنة تتحوّل، والخليّة الخبيثة الرابضة تنمو بسرعة مذهلة، وتمتص على طريقها كل أشكال البؤس والقهر والجهل والكبت والنقمة ومخلفات الاستبداد والديكتاتورية، لتصبح وحشاً فاغراً فاه، يتهدّد ما تبقى للعرب من حضارة.


ذلك المسخ التوراتي الذي يريد أن يبتلعنا اليوم، كان بالأمس خلية مرذولة، يتعايش معها الجسد العربي منذ عصور، قبل أن تتوافر لها المناخات المواتية لتنمو. لكن لنضع جانباً الرافعة الاستعماريّة، الفرنكشتاينيّة، التي لم يكن لـ«داعش» من وجود فاعل لولاها… ولنفكّر قليلاً في مسؤوليّة كل منا، أفراداً وجماعات، عن قيام الآلة الهمجيّة الضخمة التي تكاد تطحننا اليوم. أليست الكارثة وليدة تقاعسنا، وعجزنا، وجهلنا، واستقالتنا، وانتهازيّاتنا، وكسلنا، وتنازلاتنا، وتشوشنا الفكري، وضياعنا الحضاري؟ أليس «داعش» إعلان افلاسنا جميعاً؟
نطرح هذه التساؤلات يوم افتتاح الدورة 58 من «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» الذي طالما ردّدنا أنّه الحصن الأخير في وجه الطاعون التكفيري. نجدد اليوم رهاننا على هذه التظاهرة الكبرى، بغضّ النظر عن موقع هذه المؤسسة أو تلك من الخريطة السياسيّة المحليّة والإقليميّة. إذا كنا حقّاً نعيش لحظة مواجهة حاسمة ومصيريّة مع المسخ، مسخ التطرّف والهمجيّة والتعصّب المذهبي، والذعر الأقّلوي، والعنف الدموي، والنموذج الانحطاطي الأوحد، والوعي الطائفي التيوقراطي للعالم، فنحن جميعاً في خندق واحد يتسع لكل الاختلافات. في هذا السياق ربّما، قرّر معرض الكتاب هذا العام أن يعود بنا إلى الينابيع (أنسي الحاج، أحمد فؤاد نجم، بدر شاكر السيّاب، الشيخ عبد الله العلايلي، وغيرهم من رموز الحداثة والتنوير والهّم القومي). وأن يسلّط الضوء على الجيل الجديد (جيل أحمد محسن وسليم اللوزي والآخرين). وأن يتمسّك بالهم الوحدوي والمشروع العروبي في مواجهة شبح تمزق الأوصال الذي يخيّم على المشرق العربي.
نعم ليست هناك طرق كثيرة لمواجهة «البرابرة»، والقراءة هي أوّلها بلا شك، لأنها تعطي مناعة ضد الغوغائيّة والوعي الغيبي، وتشكّل مشروع مقاومة حقيقية ومترسخة وطويلة الأمد ضد محاولات تفريغ الذات وتخريب الحضارة. ليست هناك طرق عديدة لمواجهة «البرابرة». لنُعد الاعتبار إلى العقل والتنوير والفكر النقدي وتقديس الحريّة والاختلاف. علينا بقراءة محمد أركون ونصر حامد أبو زيد ومحمد عابد الجابري، طه حسين وقاسم أمين وعلي عبد الرازق، الطاهر الحداد وعبد الله القصيمي وحسين مروّة، أحمد بيضون وناصيف نصّار وجورج قرم وصادق جلال العظم. لنقرأ ضدّ تفريغ الرؤوس وقطعها، لنقرأ ضد «داعش».