جوزيف عيساوي


ألغامُ الرصيف

«إلى رياض المعلوف»

ـ 1 ـ
ألغام صغيرة ومتوسطة
تعترضُ خطوتي
على الرصيف.
منها الأشقر والبنّيُ
ومنها الأسود.
ما لم يحجبها ورقُ الشجر
أعبرُ بلا عناء بينها.
في لحظة شرودٍ
قد أدوسُ أحدَها.
يسيل تحت قدمي
بسلاسة سيجار من
الشوكولا
أو قطعة Eclaire فاقدة الروح
طُهيتْ في اليوم السابق.

بلا دويّ ينفجر:
قدمي سليمةٌ على حالها.
إني بصراحة لا أعرف
الجرم الحقيقيّ للّغمِ
وزارعِه
حتى يرتسمَ العبوس
على وجهي
ويطلقَ فمي اللعناتِ
على الكلاب
وأصحابها.

ـ 2 ـ
يصدف أن تحاذي كلباً
يتنزّه مع أحدهم.
تبتسم له أو تحيد.
أيّاً كان الموقف
يقفز الغريب من أجلك.
تربّت باليد على ظهره.
يعطيك إحدى قائمتيه.
يعطيك كلتيهما لو استطاع
لتكون مصافحة ورثناها عن
أسلاف بعيدين
البشرُ لم يفعلوا سوى
إضافةِ كلماتٍ إليها:
تشرّفنا،
Enchanté
أو
Nice to meet you
في حوادث غرامِ النظرةِ
الأولى تلك
لو تمادينا، غير آبهين
لآداب اللقاء الأوّل
وطبقيّةِ الأنواع الحيّة،
لحصدنا من زارع اللغم نفسه
عناقاً لا يمنحه سوى
أمهاتٍ سميناتٍ،
بعضِ قدامى الأصدقاء
وبالتأكيد أمهر العشيقات.

تلميعُ النافذة

بينما ينظَّف بجريدة
يعوي زجاجُ نافذتنا:
أيتوسّل أو يلعن؟
أينادي أمه أو إله الكلاب؟
قد يكون الصوتُ
استشعارَ النافذةِ
نبضَ اليدِ
أو توقاً إلى لحظةِ عناق.
قد يكون حشرجاتِ قنبلةٍ ورقيةٍ
جُعلتْ بين قبضةٍ وزجاجٍ،
وتأبى بسبب المنظر
أن تنفجر.
لعله ارتعاشُ لقاءِ
المادةِ الصلبة
بسائل «إيزِي» الملمِّع.
أو، وهذا على سبيل
إنهاء القصيدة،
ممازحةُ قوانين الفيزياء
للربّ:
نكونُ أو لا تكون.

حكايا الزانية

بطنكِ
حيث يغفو حبيبُك،
أو يلهو بخفّةِ
بهلوانٍ
دُبُّ القميص.

بطنُكِ
لو اقتربتِ
لملّستُه فانوساً سحرياً
وسمعتُ من السرّة
صهيل أمّكِ
تلدك سلطانةً
باكيةً
كبُرتْ لتنذرَني
الآن:
- وهبتكَ نِعَمي
ونِعَمَ اسميَ
القدّيس،
وهبتكَ مملكتي
الساقطةَ
من رحى الرحم،
شوكةَ النهدِ
وقسماتيَ المخاتلة.
وهبتكَ الوعدَ
ألا أكونَ امرأتك.
أن أفضح عضوَك
سكراناً يتدلى
على مَرجي.
أن أنسجَ الحكايا
الزانيةَ
عن أمّكَ
وألعن إلهكَ
فتقذف.
ثم بساعدِك،
من الوراء،
وكيس جلاد
على وجهي،
تشدّ خناقي
تشدني
حتى أشمّها
رائحة موتٍ
تُرعشني.

قلفة الإيمان

«إلى جثة الغريب»
منسيّاً في البرّاد
أعواماً
لو خسّة أكلوك.
لم يتعرّف وجهَك
أحد.
في المستشفى الحكوميّ
نتانةُ الرائحة منك
لا تدلّ عليك.
ولا ملامحُك الغائرة.

قلفتُك العاصيةُ
حالت دونك ومقابر
المسلمين.
وحَرَمَكَ الاكتظاظُ
ثرى المسيحيين.

لا يهمّ أيها الصامد
بشحمه ولحمه
أن تنغِّصَ مواجهةَ
الحيّ للميت.
أن يشكوك حارس البرّاد
إلى قانونٍ مغَفَّلٍ
لا يحمي المستغفلين
مِثلك.

لو ملكتُ جبّانةً
لاستقبلتك على سرير
الأديم:
بروفا تريحني
أيها الغريب.
ولو وجدتُ كنزَ الغابة
لدسستُكَ بين متصوّفةٍ
وملحدين
في بلادٍ تفحص الإيمانَ
بقلْفة.

يوسف حبشي الأشقر

كنتُ في التاسعة عشرة.
جالستُه حول البركة.
دخنةُ الغليون منحتْ كلماتهِ
غموضَ مقدّسِ مرِح.

كنتُ متحمّساً ضدّ الله
ومألوماً لذبحه:
- ابني الذي لم يؤمن
لا يتألم مثلَك.
على الدرج الطويل،
مغادراً،
حمّلني «الظلّ والصدى» (1)
عشرةُ أعوامٍ مرّتْ
حبرُ الأهداء
استحال
يدَه المودّعة.

زهاء عشرة أعوام أخرى
ها أنا أقصد البيت
«بيت شباب» (2)
من دونه جلسنا في
الطبقة العليا.
«هنا كتب والدي
«المظلّة والملِك وهاجس
الموت» (3)،
متنقلاً بين الغرُف
العارية
تحت مظلّة كحليّة».

في مرضه
لم يشأ أن يُربطَ
إلى آلة غسل
الأعضاء.

يوسفُ الطفلُ
مُذ قُطِعَ حَبْلُ
خلاصِهَ
وحده الجثمانُ
خلاصُه.

(1) و(3) روايتان للأشقر
(2) بيت شباب: بلدة الكاتب.
من مجموعة شعرية ستصدر قريباً بعنوان: «ميتٌ سكرانُ يطلب المزيد».