إنها الذكرى السابعة لغياب سركون بولص (1944 – 2007)، ولكن هذا ليس مناسبةً لتجديد رثائه. لا يحتاج الشاعر العراقي الذي عاشت تجربته على حدة في خريطة الشعر العربي إلى مناسبة حصرية لكي يكون شعره متداولاً بيننا. لقد كتب سركون بولص قصيدة حية، وبحث لها عن هواء مختلف تتنفس فيه. قصيدةٌ اطلع صاحبها باكراً على الترجمات العالمية الثمينة، وخلط ذلك مع أفضل طموحات الشعر العربي الذي كان رواده قد أنجزوا نقلته الحداثية الأولى، وبات لائقاً به أن يتلقى ضربات الجيل التالي الذي سيكون سركون واحداً من أبرزهم.


كان سركون بولص لا يزال واحداً من «جماعة كركوك»، التي ضمّت أسماءً أخرى، كصلاح فائق وجان دمو وفاضل العزاوي ومؤيد الراوي، وكان ينتقل بين مسقط رأسه في الحبّانية وبين بغداد، حين بدأت لوثة المغادرة والهروب تقضّ مزاجه ومزاج كتابته التي كانت تطرق أبواباً غير مرئية، وتحاول «الوصول إلى مدينة أين»، كما سيعنون باكورته الشعرية الأولى التي سيتأخر في نشرها حتى عام 1985.
إلى بيروت، حيث كان يخفق قلب الحداثة وتُتلى بياناتها الطليعية، ستشدّه مخيّلته، وسيقطع جزءاً من رحلته على الحدود العراقية – السورية مشياً على الأقدام. إلى بيروت سيصل، حيث كانت عدة قصائد وترجمات له قد سبقته إلى الظهور على صفحات مجلة «شعر»، وبات عليه أن يستأنف ذلك من بيروت نفسها التي سرعان ما شجّعته على الذهاب إلى أماكن قصية أخرى. كأن صاحب «حامل الفانوس في ليل الذئاب» عاش ليلبي نداء الشعر. كأنه لم يفعل شيئاً سوى خدمة الشعر وترجمته. إنها حياةٌ كاملة بُذلت من أجل صورة أو استعارة يمكنها أن تهدّئ من رَوْع جملته ريثما تستفيق على جوع جديد لاستعارة أخرى. عاش سركون بولص مُطارِداً الكلمات. إلى بغداد وبيروت وأثينا ولندن وبرلين وسان فرانسيسكو، كانت الكلمة «فانوسه» في كتابة بدأت في أرضٍ أولى لكي تغادر إلى أراضٍ أخرى. «سافِرْ/ حتى يتصاعد الدخان من البوصلة»، كتب في قصيدته «محاولة للوصول إلى بيروت عن طرق البحر». كان ذلك سفراً في «شعرٍ خرجَ من قوة الشعر أولاً ومن قوة الذات الشاعرة»، كما سيكتب عنه عباس بيضون.
بمزاجٍ متمرّد، وقصيدة متوترة وخصبة، كان بإمكان رحلاته أن تكون ترجمة موازية لرحلته داخل الكتابة. أحب سركون بولص أن يكتب شعراً يحبُّه، وكان يعرف أين تُكتب قصائد الآخرين التي يمكن أن يحبها باللغة العربية وبلغات العالم الأخرى. كانت هذه النظرة الثاقبة دليله إلى الكلمات وهي تعثر على ولادات وتأويلات جديدة. كان الشعر نوعاً من «الالتهاب»، كما كتب هو في وصف تجربة صديقه صلائح فائق. لم يفعل سركون بولص في حياته سوى الكتابة. قيل إنه بحث الاستقرار في المدن التي وصلها، وقيل إنه تحدث عن مشاريع كبيرة في الترجمة، ولكن ذلك لا يُصدّق إلا كذريعة يمكن أن تغطّي عزلته وابتعاده وسندباديّته. لقد «باع حياته» كما كتب يوماً، ولم يهتم بصناعة المريدين، ولم يضيّع وقته في ملاحقة ديونه الشعرية لدى شعراء غرفوا منه بلا حساب. كان شعر سركون بولص منفياً مثله. شعرٌ كُتب من أجل الشعر. شعرٌ كان صاحبه ينافس نفسه طوال الوقت. تأخر في نشر دواوينه، ووصلنا شعره بدون انتظام، ولكن ما همّ إن كان اسمه قد وصل قبله. ما همّ إن كان هذا الشعر قد كُتب ضد الزمن والتقادم.
نتذكر سركون بولص لا لأنه غائب، بل لأنه لا يزال حاضراً بيننا.