لم أُعرّفْ بكتابٍ مثلما عُرّفتُ بديواني الأول «الحقائب» الذي صدر عام 1975. إنّه البوّابة الكبيرة التي يدخلها من يشاء أن يراني... البوّابة التي أنبأت حروفُها العريضةُ بما سيراه القارئ مدوّناً بحروفٍ وإشاراتٍ صغيرةٍ فيما بعد. ثَمّ زوايا وغرفٌ وباحاتٌ وأشباحٌ وموتى وعشّاقٌ وما يبعث على الألفة، ولكنّ من يدخل بيتي قد لا يتذكّر سوى بوّابته الكبيرة لا لأنها الأجمل ولكن لأنّها، ربما، الأبقى في الذاكرة بحروفها البارزة وملاكَيها الحارسين: الشعر والسفر.


لم أكن أدري أنّ طريق الإياب هي طريق ذهابي أيضاً، فقد لازمتني الحقائب طوال حياتي كأنني المنفيّ الأبديّ الذي سيأتي يومٌ عليه لا يعرف فيه أهي طريق إيابٍ أم ذهابٍ أم هي بين بين؟ وأنّى له أن يعرف وهو كالطير لا مستقرّ له.
عند وصولي إلى باريس، في طريقي إلى ما حسبته مستقرّاً، أودعت حقائبي في محطةٍ ولم أعدْ إليها إلاّ بعد أيام عديدة، وقد شغلتني مباهجُ باريس. فكان ثمنُ ذلك باهظاً حزمةَ نقودٍ وطبقاتٍ من غبارٍ تراكم فوق الحقائب وسط دهشة المسافرين.
كانت الحقائب تتنقّل معي... تتحدّثُ معي وتنصتُ أيضاً، وتُسرعُ مثلي لاهثةً وتختفي خلف ألوف من الأرجل المسرعات ثمّ تظهرُ واقفةً، وقد تهتزّ فوق رفوف القطارات متطلعةً إليّ وأنا أتحدّث إلى سيدة: «سيّدتي.. هل تخافُ الحقائب؟»، وهي لارتباكها مثلي صارتْ مرآةً لي وأنا مرآة لها ولم نتوقّف عن هذياننا وسرد تفاصيلنا إلاّ عند وصولي، وقد جلست بردانةً عند أقداميَ المتعبات... الحقائب.
كانت طريقُ العودة التي ستكون طريقَ ذهابٍ، بعد بضع سنين، هي طريق الحقائب إلى تلك البوابة التي انفتحتْ على مصراعيها لتتزاحم الطرق وتتقاطع الاستراحات. وهي وإنْ كانت قصائد شتى إلاّ أنّ موضوعها كان واحداً هو السفر.. بهجة الطريق وأحزانه ولقاءاته العابرة التي انحفرت في الروح ولم تغادرها قطّ.
لم تخلُ الطريق من مآتم أيضاً: ساحةٌ في باريس، وحشدٌ يملأ الساحة، وجورج مارشيه وهو يخطب غاضباً حزيناً، وصورٌ للشهيدين محجوب والشفيع، وزهورٌ حمراءُ محمولةٌ بالأيدي تطفو كأنها بحيرةٌ عائمةٌ في الهواء، وأنا بينهم حاملاً زهرتي وعائداً بها في المترو الذي اكتظّ ثانية بالزهور والناس، كأنّ الساحة انتقلت إليه، وحين وصلتُ إلى موعدي لم تكن «سيسيل» هناك. لقد انتظرتني طويلاً فجلستُ أنا وزهرتي وحيدَين في المقهى:
«وفي ساحة أوقَفَتْني بباريسَ لم أكُ عاشقْ/ رأيتُ زهوراً هناك/ اشتريت/ ولم أكُ عاشق/ دخلتُ الزحام وحيداً/ ربّتتْ كتفي راحةٌ/ كان محجوبْ/ لم يكن بيننا يا صديقي موعدْ/ حاملاً زهرةً/ ثم /واراهُ عني الزحام/ ثم أبصرته عائداً في الترام/ ماسكاً زهرةً في يديه كطفلٍ/ ويبْسمُ لي/ كنتُ محجوب يا صديقيَ مجهدْ/ وتذكرتْ/ كان بيني وسيسيل موعدْ».
كان ضجيجُ القطارات يملأ محطات «الحقائب» التي لم يتوقف المسافر عند واحدةٍ منها إلاّ ليهرع ثانية إلى محطّةٍ أخرى، مصطدماً ومودّعاً بشراً بلغاتٍ عديدةٍ ووجوهٍ عديدةٍ، ومن بينهم امرأةٌ في ثياب الحداد اتخذت من فخذي وسادة ونامت متعبة وسط ابتسامة المسافرين المواسية للنائم والمستيقظ في عربة القطار، بينما يحدّق بائعٌ لا يدري بتعبها، عبر الزجاج، في جواربها السود المكشوفة.

استُقبل الديوان باحتفاءٍ كبيرٍ فقد كانت تطالعني، وأنا في البصرة، الصحفُ والمجلات بالمتابعات والمقالات


طلب مني الروائيّ إسماعيل فهد إسماعيل أنْ أهيئ له مجموعةً شعريةً ليطبعها في بيروت

ما أعظمَ أخوّةَ البشر! وما أجملَ عناقَهم في المحطّات وممرات القطارات وعرباتها!.. ما أجملهم وما أجمل سذاجتهم الأعمق من كل تأمّل في الحياة وما وراء الحياة !.
ولعلّ الغرابةَ التي صاحبتْ ولادة الكتاب لم تفارقه تأليفاً وطباعةً ونشراً، وهي غرابةٌ لم تتكرّر مع أيّ كتابٍ لاحقٍ. فمثلما كان إيداع الحقائب، مصادفةً، في إحدى محطات باريس هو الشرارة التي انطلقت منها قطاراتُ الشعر، كان للصدفة أيضاً حضورُها في نشرهِ إذْ صدف أن زارني الروائيّ الكبير إسماعيل فهد إسماعيل قادماً من الكويت مارّاً بالبصرة في طريقه إلى بيروت، وطلب مني أنْ أهيئ له مجموعةً شعريةً هي مجموعتي الشعرية الأولى ليطبعها في بيروت. ولتجنّبِ ما يمكن أن يحدث من صعوباتٍ لطبعها ولا سيما أن الحرب الأهلية قائمة آنذاك في لبنان، اقترح عليّ أنْ تُعهد المجموعة إلى خطّاط بارع ليخطّها ويتمّ تصويرُها فيما بعد، فكان ما أراد إذ عهدتها إلى الفنان والشاعر والخطاط هاشم تايه الذي بذل جهداً كبيراً فأتمَّ خطَّها خلال يومين ليعود بها، بعد ذلك، صديقي إسماعيل وهي تتألق بخطّ هاشم وقد تخلّتْ عن ضجيجها الذي حملته بين غلافيها مكتوباً ومكتوماً لا يفصحُ إلاّ لمنْ يفتحُهُ ثانية لتضجّ القطارات الواقفة في محطّاتها.
لقد استقبلت بيروت الديوان باحتفاءٍ كبيرٍ فقد كانت تطالعني، وأنا في البصرة، الصحفُ والمجلات بالمتابعات والمقالات، بين الفينة والأخرى، بعناوينها المثيرة ومن بينها هذا العنوان: «صوت غريب يطلعُ من الحقائب». وهذا لم يحدث لديوان آخر. إنه من بين كتبي التي بلغتْ حتى الآن الأربعين كتاباً أو أكثر، الكتابُ الوحيدُ الذي أعيد طبعُه ثلاثَ مرات.
قال لي مرة قارئ كان يتردّد على المقهى الذي أرتادهُ إنه بكى حين قرأ قصيدة «الغرف»، إثر نشرها في إحدى الجرائد العراقية في مطلع السبعينيّات. يمكن للقارئ أن يبالغ أو يخطئ في التعبير، ولكنّ الأمر يبدو مختلفاً حين يقول إنّهُ بكى. كانت دهشتي كبيرة لأنّ قصيدة «الغرف» ليست بذلك العالم الذي ينفتح للقارئ بيسر. مثلما كانت دهشتي كبيرة حين فاجأني الشاعر الكبير الراحل أمل دنقل، في مهرجان الشقيف، حيث كنّا مدعوّين، وهو يردّد أمامي بصوتٍ مهموسٍ مقاطعَ من قصيدة «الحقائب» التي كانت قد نشرت في مجلة «الآداب». وقبل أيام - يا للمصادفة - أسرّني الشاعر والناقد سعد الدين كليب عبر الفايسبوك بقوله: «في مكتبتي مجموعاتك، الحقائب (وهذه عرفتني بالكاصد شاعراً في مطلع حياتي الأدبية)، و«وردة البيكاجي» وكان لهذه نكهة مختلفة عن الحقائب ولكن لا أخفيك أنّ للحقائب سحرها الخاص بالنسبة إليّ».
أشعر بالامتنان لمثل هذه الآراء، وهذه المحبة، وأحس بحرجٍ في إيرادها هنا، وأمتنع عن إيراد غيرها، وتجعلني أكثر تشدّداً مع نفسي وشعري، مثلما تجعلني أكثر حرصاً على امتداد قصيدتي لترصد ما هو أبعد من أحاسيسي ذاتها.
ثمة قصائد في الديوان كانت شبه غافية، وفجأة استيقظت لتستأنف حياتها بكلّ ما تستدعيه الحياة من طاقةٍ وقدرةٍ على الحركة والامتداد، بل والرشاقة أيضاً، وما يرافق الرشاقة من رغبةٍ من التخلّص من كلّ ما يُعيق حركتها، وهذا ما حدث لقصيدتي «ابن فضل» بخلاف قصائدي الأخرى التي جاءت لتعلنَ عن نفسها منذ اللحظة الأولى. لقد كان لإلقائي قصيدة «ابن فضل» مرات عديدة في مصر أثرٌ في هذا الترشيق الذي تخلصتُ فيه من بعض أبياتها التي بدت أنها معيقةٌ لها في الإنشاد والسرد معاً – وهذا نادر ما يحدثُ في قصائد أخرى -.
تساءل كثيرون حين أنشدتها: أحقّاً إنها كتبت قبل أربعين سنة أو أكثر، ولاسيما أن في ذهنهم «مبارك» حين خاطبتُ ابن فضل النجّار المصري الذي عاش في موسكو عشر سنوات ثم أسقطت عنه الجنسية المصرية في عهد حكومة صدقي باشا لكنه عاد إلى مصر سنة 1936 مجبراً هذه الحكومة على تعديل قانون الجنسية:
«أنت لستَ السجين، وسجّانك الآن يلبسُ أرديةَ السُّجناءْ»
قالوا لي: كأنك تتحدّثُ هنا عن مبارك.
لقد خرجت قصيدة «ابن فضل» من نار التجربة لتصفو كثيراً وتصطفّ ثانية في مكان آخر، في ديوان آخر هو ديوان من «برديات مصر» التي كُتبت قصائدُه في محبة مصر وناسها.
سلاماً لـ «حقائبي» التي حملتُها في أسفاري، ثمّ حملتني فكانت رحيمة بي فيما بعد.