اهتم عصام كمال خليفة في مؤلفاته بقضايا تاريخية أبرزها تاريخ لبنان خلال الحقبة العثمانية، فأصدر ثلاثة مؤلفات هي: «لبنان في أرشيف اسطنبول»، و«الضرائب العثمانية في القرن السادس عشر»، و«ناحية جبل كسروان والجردين من خلال الإحصاء العثماني (1550 م) الضرائب».
في كتابه الجديد «أوامر ومراسيم الأمير بشير أحمد أبي اللمع في قائمقامية النصارى (1855 _ 1856)» (دار صادر ــ 2014)، يقدم المؤرخ اللبناني عملاً متميزاً، عبر تحقيق مخطوطة تحمل عنوان «مجموعة أوامر ومراسيم من حاكم لبنان الأمير بشير أحمد أبي اللمع» تعود إلى الفترة الممتدة بين 13 شوال سنة 1272 هـ (1855 م) و6 ربيع الأول سنة 1273 هـ (1856 م). آثر المؤلف إبقاء التواريخ والأشهر الهجرية المعتمدة حينها، فيما حاول قدر الإمكان التعريف بأبرز الأسماء والأماكن والمصطلحات الواردة فيها. يضعنا صاحب «أبحاث في تاريخ لبنان المعاصر» في الخلفية التاريخية للمخطوطة.

ينطلق من مدخل عام للسلطنة في منتصف القرن التاسع عشر الذي عرف تحوّلات كبرى داخل الدولة العثمانية عموماً، وفي الولايات والمقاطعات العربية خصوصاً. ينتقل بعدها إلى تحديد السياق التاريخي الذي أدى إلى ظهور نظام القائمقاميّتين بعد فتن عام 1841، متوقّفاً عند الأمير بشير أحمد أبي اللمع والظروف السياسية الداخلية المرافقة لتعيينه إثر وفاة الأمير حيدر أبي اللمع في 11 أيار 1854. المخطوطة التي يبلغ عدد صفحاتها 313 صفحة، كُتب في نهايتها: «لقد تمّ نقله في 28 آب 1934 شكري صوصه». يشير المحقق إلى أنه لم يستطع التعريف بناسخها، فليس هناك كاتب واحد لها باعتبار أنها تمثل محضراً لمداولات وقرارات مجلس قائمقامية النصارى.
قد يجد القارئ صعوبة في فهم المخطوطة بسبب ضعف لغتها وركاكتها، وخصوصاً حين تختلط العامية المحكية بالفصحى. هذا ما دفع خليفة إلى بذل جهد مضاعف للتعريف ببعض التعابير التي كانت شائعة في ذلك العصر، ولا سيما المصطلحات الاقتصادية.
تكمن أهمية المخطوطة في احتوائها على معطيات تاريخية سياسية واجتماعية واقتصادية. معطيات تشتمل على مسائل الضرائب في مختلف قرى قمائمقامية النصارى، والدعاوى والشكاوى العادية والجنائية، والأوامر للعساكر ضد التعديات، وحوّالة الميري (مال الضرائب). كما تتضمن رسائل كثيرة توضح علاقة الإكليروس المسيحي، ومشايخ الدروز المساهِمة في معالجة الأمور المطروحة.

بذل جهداً مضاعفاً للتعريف ببعض التعابير الشائعة حينها

يحدّد خليفة جوانب المخطوطة التي تفيد الباحثين؛ وتوضح آلية السلطة في هذا المفصل التاريخي من تطور المجتمع اللبناني، وتبين وضعية العائلات التي كانت من المقاطعجيين الملتزمين جمع الضرائب، منها آل أبو ضاهر في منطقة الزاوية، وآل الخازن في كسروان وأعالي منطقة جبيل، وآل حمادة في جبّة المنيطرة والهرمل، وآل شهاب في مناطق الساحل. تظهر دراسة كمية الأوامر والمراسيم والشكاوى، أن مسألة جمع الضرائب للخزينة كانت القضية المركزية عند القائمقام الحاكم، ومن خلفه السلطات العثمانية. ولعل الجانب المخفي فيها يكمن في المعطيات الغنية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، حيث تتضح قضايا الثأر والعصبية العائلية إلى جانب الاقتتال الذي كان سمة منتشرة في بلدات كثيرة ضمن القائمقامية، إضافة إلى تأثير الإكليروس على السلطة السياسية والمشاكل الأخلاقية.
تبدأ المخطوطة بأمر للأمير بشير عساف (يوم الاثنين 13 شوال سنة 1272 هـ) وتنتهي بأمر لنجم مرهج بلوكباشي (رئيس فرقة الفرسان) كُتب في (6 ربيع أول سنة 1273). الصفة الغالبة على الأوامر والمراسيم، هي ارتباطها بجمع الضرائب للدولة العثمانية، ومن ضمنها ما يسمى «مال النفوس». ضريبة فرضت على النصارى في القرن التاسع عشر بما يوازي ضريبة الجزية، وعرفت أيضاً بمال الأعناق أو التكاليف الأميرية على النفوس. ومن الأوامر اللافتة، مطالبة النافذين الذين هم على صلة إدارية بجهاز القائمقام، برصد تحركات ديبلوماسيين أجانب. تضمن الأمر الأميري الصادر يوم 19 شوال 1972، الطلب من الشيخ سعد أبي صعب مراقبة تحرك شرشل بك في كفر لحد، أحد مشاهير وزراء الصدارة في بريطانيا الذي لعب دورياً ديبلوماسياً في سوريا ولبنان منتصف القرن التاسع عشر.
تكشف المخطوطة عن جوانب اجتماعية متعلّقة بأدوار اضطلعت بها النساء كرفع الدعاوى أمام القضاء بسبب خلاف حول الإرث، إلى جانب قرارات عن عاملات في الكرخانات لم يلتزمن في العمل رغم الاتفاق (كوانتراتو) بينهن وبين مدير الكرخانة. معلومات الكتاب أرفقت بمجموعة من الملاحق منها صورة لصفحتين من المخطوطة الأولى والأخيرة، والوثيقة الرسمية لنظام حكومة جبل لبنان سنة 1853، وجدول مقارن بين أيام التقويمين الميلادي والهجري (1855_ 1856)، وخريطة القرى والبلدات الواردة فيها. كذلك، نرى شجرة عائلات آل شهاب وآل حبيش وآل الدحداح وآل الخازن، التي كانت إدارة القائمقامية تنفذ أوامرها وتجمع الضرائب من خلالها. لقد ساعدت المداخل التمهيدية على فهم السياق العام للمخطوطة. كان من الأهمية بمكان إعطاء حيز أكبر للشروحات، ولا سيما تلك المتعلقة بالنفوذ الأمني والسياسي والاقتصادي للعائلات النافذة.