ترجمة سعدي يوسف


أغنيةُ شانغ – غان/ حكايةُ حُبٍّ فَتِيٍّ

أوائلُ غَسَنٍ على جبيني
أنا ألعبُ، أقطفُ زهوراً قربَ الباب.
أنتَ تجيءُ، دائراً حول البئر
على صهوةِ حصانٍ خشبٍ، ناثراً برقوقاً أخضرَ.
نحن في قرية شانغ- غان،
طفلانِ بلا رِيبةٍ أو كُرْهٍ.

■ ■ ■


في الرابعةَ عشرةَ، أكونُ زوجتَك.
ولأنني خجلى، أغضُّ البصرَ أنَ ألقاكَ،
وأحني رأسي، فأنظر إلى الحائط المعتم.
ولو أنكَ نادَيتَني ألفَ مرّةٍ
فلن أرفعَ بَصَري إليك.

■ ■ ■


في الخامسةَ عشرةَ، لم يعُدْ حاجباي ينعقدان.
ومن ثقتي بحبِّكَ، أريدُ أن أكون معك
حتى الرميم أو الرماد...
لا أظنُّ أنّ عليّ أن أرقى المَرْقَبَ لأراك.

■ ■ ■


في السادسة عشرة، ترحلُ، أنت، بعيداً
عبرَ المضائق الخطرةِ، كو- تانغ،
السيول خطيرةٌ وصعبةٌ، وعصيّةٌ على العبور في شهر أيّار.
قرودُ الشِقّ تنعبُ صارخةً.
■ ■ ■

آنَ غادرتَ بوّابتَنا جررْتَ قدمَيكَ.
والآنَ، في كل أثرٍ من خُطاك القديمةِ
ينمو طُحلُبٌ، عميقٌ، ثخينٌ...
ليس بمقدوري أن أكنسَه.
الريحُ تهبُّ مبكِّرةً، والأوراقُ تَسَّاقَطُ.

■ ■ ■


إنه الخريف.
وعبر البستان الغربيّ تندفعُ الفَراشاتُ الصُّفرُ أزواجاً
أنا أنهارُ لرؤيتهِنّ...
لونُ وجهي يغيضُ.
لَكأنّ شبابي يمضي...

■ ■ ■


ولو أنكَ عُدتَ في أحد هذه الأيامِ
عبرَ المضائقِ الثلاثةِ ليانغ - زِي - جيانغ
فابعَثْ رسالةً، ولسوف آتي لألقاك.
مهما بَعُدَ المكان.


مجونٌ على الجبل

كي نغسل أرواحَنا، ونُطهِّرَها، من أحزان العُمرِ
أفرَغْنا مائةَ إبريقِ خمرٍ.
كانت ليلةً رائعةً...
كرهْنا فيها أن نرقدَ تحت ضوءِ القمرِ الساطعِ
لكنّ السُّكْرَ غلَبَنا، أخيراً
فانطرحْنا على الجبل الأجرد
الأرضُ مُفترَشُنا
والسماءُ العظيمةُ ملتَحَفُنا.


تبرئةٌ

لو لم تحبب السماءُ الخمرَ
لَما طلَعَ نجمُ خمرٍ في السماء؛
ولو أن الأرضَ لم تُحبب الخمرَ
لَما انبجَسَ نبعُ خمرٍ فيها...
وما دامت السماءُ والأرضُ تحبّانِ الخمرَ
فلِمَ يخجلُ الشاربون؟
بلَغَني أن الخمرَ الصافيةَ لها فضيلةُ العاقلِ
بل يقالُ إن الأحمقَ والحكيم
هما في الحكمةِ سواءٌ...
العاقلُ والحكيمُ كانا من الشاربين
إذاً، لِمَ نبحثُ عن النبلاءِ بين الآلهةِ والشياطين؟
ثلاثُ كؤوسٍ تفتحُ بوّابةَ النعيم.
خُذْ إبريقَ خمرٍ تملكْ الكونَ.
ها هي ذي نعمةُ الخمرِ التي لن يعرفَها الصاحي.


عن تو - فو

التقيتُ تو - فو على قمّةِ جبلٍ
في شهر آب
آن الشمسُ حادّةٌ.
كان وجهُه حزيناً تحت قبّعةِ القشّ العريضةِ.
لقد باعدَتْ بيننا السنونُ
وأضحى، هو، عليلاً
مرهَقاً.
فكّرتُ آنذاكَ:
مسكينٌ تو- فو العجوز
لا بُدَّ أنه يعاني من الشِعرِ ثانيةً.


وحيداً، أنظرُ إلى القمر

الطيورُ، كلُّها، طارتْ، ومضتْ؛
وغيمةٌ وحيدةٌ، تطفو، متريِّثةً.
اثنانِ لا يسأمانِ النظرَ إلى بعضِهما:
الجبل
وأنا.


وحيداً، أشربُ تحت ضوء القمر

أنا، بين الزهور
وحيدٌ مع زِقِّ خمري...
أشربُ مع نفسي، ثم أرفعُ كأسي
وأسألُ القمرَ أن يشربَ معي...
صورتُهُ، وصورتي، في كأسِ الخمرِ
نحن الثلاثة فقط؛
ثم أتنهّدُ، لأن القمر لا يستطيعُ أن يشربَ
وظِلِّي يمضي، خاوياً، معي، بلا نأمةٍ أو كلمة
ولأنني بلا أصدقاء هنا
فلا بُدَّ لي من رفقةِ هذينِ؛
ففي أوانِ السعادةِ
عليَّ أن أكونَ سعيداً بما حولي؛
أجلسُ وأُغَنّي
كما لو أن القمر يصاحبُني في الغناء.
فإن رقصتُ راقَصَني ظِلّي؛
ولأنني لم أثمَلْ بَعدُ
فأنا مبتهجٌ لانعقادِ صداقةٍ بين ظلي والقمر.
لكنْ، حين أسْكَرُ في ما بَعد
يفترقُ الجميعُ...
لكن هؤلاء أصدقاءُ صَدوقون
مُنَزَّهون...
وآمُلُ في أن نلتقي، يوماً ، نحن الثلاثة
في عُمْقِ المجرّة.


بين الزهورِ إبريقُ خمرٍ

بين الزهورِ إبريقُ خمرٍ
أنا أسكبُ، وحيداً، بلا رفيقٍ.
وهكذا، أرفعُ كأسي، وأدعو القمر
ثم ألتفِتُ إلى ظِلّي، لنكون ثلاثةً
ظِلّي يكتفي بمتابعةٍ لحركاتِ جسَدي.
والقمرُ، جاءَ بالظلِّ، ليؤنسَني قليلاً
فعلى المرَحِ أن يلتحقَ بالربيع.
أشرَعُ في أغنيةٍ، فيترنّحُ القمرُ
أقفُ
وأرقصُ
والظِلُّ يتحرّكُ ضخماً.
ما دمتُ صاحياً، فلنتمتّعْ معاً.
ولْيذهبْ كلٌّ إلى سبيلِهِ بعدَ أن أسكرَ...
لنكنْ مستعدِّين، أبداً، لأسفارٍ بلا آلام.
ولْنُقْسِمْ:
لَنلتَقِيَنَّ، ثانيةً، في عُمْقِ المجرّة.

* الغَسَنُ: قَصّةُ شَعرِ الناصية على الجبين.
* * لي بو (701- 762 م)، يعتبَر حتى اليوم شاعر الصين الأثير. كان مغامراً في الحياة والسياسة، ومات مسموماً شأنه شأن امرئ القيس. عاش في عهد أسرة التانغ المتسامح، والصينيون يرون فيه موزارت الشِعر، ويحفظون أشعاره عن ظهر قلب. وقد كان للشاعر الصينيّ تأثيرٌ في عدد من شعراء أوروبا المُحْدَثين، وبينهم إزرا باوند.