لا شيء يشفع للذاكرة التي تشيخ، فالحضارات تموت حين ينسى أبناؤها «أرضهم». هذا باختصار «ثيمة» كتاب «يوميات حيفا» (صادر باللغة الإنكليزية) للكاتب الفلسطيني عبد اللطيف كنفاني (دار نلسون- بيروت). يتأتى الكتاب الصغير نسبياً (160 صفحة من القطع الصغير) على شجنٍ ومشاعر بارتباطاتٍ يومية ترفض أن تترك النسيان يتآكلها. إنه تأريخٌ توصيفي لمدينة كاملة، يريد الكاتب أن يخلّدها في أذهان من لم يعرفوها كما شاهدها: المدينة «الحرة» كما كان يعرفها هو يوماً.


يحكي الكتاب حرفياً عن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وقبيل دخول العصابات الصهيونية إلى فلسطين، فهذا ماسح الأحذية أبو عرّاج الواثق من نفسه، الذي لم يصغّره عمله هذا أو يدمغ روحه الفخورة بالألم. كان الجميع يحبونه حيث يتواجد بالقرب من البوابة الشرقية للمدينة. ما لا يعرفه كثيرون عن الرجل أنه بطلٌ من أبطال «المظاهرات» ضد الإنكليز إبان إطلاق وعد بلفور المشؤوم. يومها أطلق الجنود البريطانيون النار على المتظاهرين، كان أبو عرّاج (اللقب كما يبدو أعطي إليه نسبةً للعرج في مشيته) أحد أولئك الأبطال.

أصيب، لكن تلك الإصابة لم تمنعه من المشاركة كل عام في مظاهرات الذكرى (أي وعد بلفور). كان أبو عرّاج يرى عمله «تحدياً» وفناً جميلاً، قائلاً بأن الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن كان ماسح أحذية. لكن أكثر ما كان لافتاً للنظر في الرجل أنّه كان مطلّعاً كثيراً على الأحداث السياسية وبدقةٍ ناهية. كان تلك المعرفة سراً لم يقله لأحد: هو كان يمر يومياً قبيل توجهه إلى عمله أمام مكتبة المدينة. يطالع عناوين الصحف كلّها، يحفظها كي يلقيها على مسمع زبائنه.
هو كتابٌ إذاً موجَّه لرحلةٍ جميلة عبر المدينة الساحلية المبهرة. اللافت أنّ الكاتب لا يستدعي التاريخ لمجرد روايته. إنه يستدعيه محاولاً دحض الكذبة الصهيونية الأشهر التي أرّختها رئيسة وزراء العدو جولدا مائير: شعبٌ بلا أرض، لأرضٍ بلا شعب. فالفلسطينيون كانوا ماهرين في كل شيء، كرة القدم مثلاً؟ كان في حيفا ناديان شهيران: الرياضي الإسلامي، والشباب العرب. كان للفريقين مشجعون متعصبون، ونجوم أيضاً كجبرا زرقا، وميشيل الطويل ومحمد جارودي. برز هؤلاء بشكلٍ كبير، ما دفع بدولٍ أخرى لمنحهم جنسيتها (بعد احتلال فلسطين) لدمجهم في منتخباتها الوطنية كالاتحاد السوفياتي ولبنان وسوريا.

تأريخٌ توصيفي للمدينة بعد الحرب العالمية الثانية

لكن الكرة لم تكن رياضة المدينة الوحيدة، فالملاكمة كذلك. لطالما عشق الحيفاويون رياضات القتال التي استضافوا العديد من بطولاتها كذلك.
ماذا إذاً عن أول سيارةٍ في حيفا؟ إنه عثمان «بيه» الرجل الثري والمعروف الذي مات وهو لا يزال شاباً (توفي في الأربعين)، لكنّه كان مشهوراً، فضلاً عن أنه ترك أثراً كبيراً ليس لأنه امتلك أول سيارةٍ في حيفا وهي من نوع Willys Overland، بل لعلاقاته السياسية القوية، وكرمه الشديد. إنه مشهد والد الكاتب «أبو خليل» يفتح باب القفص للسماح للحمام بالخروج والطيران في سماء حيفا، فهو «الروح الطيبة» التي لم تكن لتنسى أبداً إطعام تلك الحيوانات الرقيقة التي لم تكن تتوانى عن أخذ الطعام من راحتيه مباشرةً. إنها حيفا الجميلة حيث العلاقة مع الجيران اليهود، علاقة محبةٍ وصداقة، فالجار الحاخام أبو هارون، يطلب من الكاتب (وهو لا يزال طفلاً) إطفاء الضوء عليه وعلى زوجته في يوم السبت (حيث يحرّم على اليهود لمس أي شيءٍ تركيبي)، وهو كصديقٍ لابني الحاخام هارون وشوشانا ينفذ ذلك بفرح.
هي مسيرة الذكريات في كتابٍ «تفصيلي» لذاكرةٍ ترفض الصدأ، ليست اللهجة مهمةً، أو الأسلوب ههنا، إنما «السرد» والمعرفة، كي لا تغيب تلك الذكريات، وتصبح الأرض «نسياً منسياً»، مجرد «صراعٍ» غير مفهوم المعالم. تكمن ميزة هذه الكتب في أنّها تتعدى حدود التوصيف والحكاية إلى الإثبات للحق والتمسك بالأرض.