الصحف تهرم أيضاً. الصحف تهرم بسرعة كبيرة. بالأمس القريب كنّا الجريدة الشابة المجددة التي تطمح إلى كسر القواعد المتهالكة، والقوالب اليابسة، وتتجرأ وتبتكر وتنتقد، لا تراعي زميلاً، ولا تمالئ زعيماً، ولا تخشى رجل أعمال، ولا تستبعد خصماً فكريّاً أو سياسيّاً… شرّعت «الأخبار» صفحاتها للمسكوت عنه، للإبداعات الممنوعة والمهملة والمصادرة والمحاصرة.


لم تخش مقاربة التابوهات على أنواعها، رفعت عالياً راية الحريّة في موازاة راية المقاومة، واستقطبت اصواتاً وحساسيّات تطمح الى كتابة مغايرة، وابداعات راهنة، وحساسيّات بصريّة في الرسم والتصوير، وطاقات صاخبة في الموسيقى والأغنية الجديدة والتجهيز والفيديو والسينما والمسرح، ونظرات حادة إلى المجتمع وعاداته وتقاليده القديمة، وأساليب أدبيّة ونقديّة تقطع مع اللغة الميتة، وتحتضن الذاتي والحميم والمغاير… واكبنا التجارب المميّزة الآتية من الهامش، ساهمنا في إعطائها شرعيّتها ـــ وهذا واجبنا ـــ فخرجت إلى دائرة الاعتراف والتكريس.
لكن الوقت يمرّ بسرعة، والواقع اللبناني والعربي يزدحمان بكل أشكال الفخاخ، والعواقب، والمنزلقات الخطرة. ماذا حلّ بنا؟ هل هي العادة؟ الكسل؟ الشك؟ الملل؟ التعب؟ اليأس؟ الاحساس بلاجدوى الابحار عكس التيار؟ نلتفت اليوم خلفنا كأنّ دهراً يفصلنا عن الأمس القريب. بعد ثماني سنوات ونيّف، وعدد من الأزمات والامتحانات والأخطاء، والأوهام المتساقطة والثورات المجهضة، نشق طريقنا في قلب واقع شائك ومعقّد، نتخبّط في الوحول نحاول التخلّص من الطحالب العالقة في الأطراف والأفكار، نغوص في الرمال المتحرّكة، نمسح أطنان الغبار عن الأثاث الذي بات قديماً، نبحث عن «ذهب الوقت» وسط أكداس الكلمات الميتة والشعارات العقيمة. نبحث عن أنفسنا في النهاية، كما كنّا زمن البدايات، نبحث عن قرّاء آمنوا بالمشروع، وانتموا اليه، وواكبوه…
يمكن كتابة صفحات عن هويّة «الأخبار» وعقدها التأسيسي. يمكن الكتابة أكثر أيضاً عمّا تحقق من هذه الاهداف، وعن إنجازات تحتذى اليوم في السرّ أو في العلن، وتنسخ بغض النظر عن النتيجة. لكن الخيار الشجاع، المشرّع على آفاق التجاوز، الواعد بالخصوبة، هو أن التوقف عند الذي لم يُنجر بعد في هذه الرحلة الصعبة والشيّقة، أو نُسي على أحد الرفوف، أو فُقد من جملة الاضرار الجانبيّة، أو تم التخلّي عنه في لحظة ما، تحت ضغط المصاعب وبقوّة العادة، أو قايضناه بشيء من الراحة والسهولة والطمأنينة.
نعم، الصحف تهرم بسرعة، في زمن الجيل الرابع لوسائل التواصل من جهة، وزمن الدواعش والاصوليّات من جهة أخرى. زمن الطفيليات والحروب القاتلة وغير المتكافئة ماليّاً وأخلاقيّاً، بين قوى التغيير والرجعيّات المتنكّرة بأزياء التقدّم وشعاراته والقادرة على شراء «الثوار» و«الخوارج». لكن لا خيار سوى التقدّم، برأس المال الأساسي الذي قامت عليه «الأخبار». فالصحف تهرم، إلا حين تنتبه إلى هذا القدر الاغريقي وتتصدّى له.
تلك هي فكرة ملحق «كلمات»: استعادة شباب «الأخبار»، ونفَسها المغاير، وأصواتها المشاكسة كما في الأيّام الأولى. ومنح النص فضاءه الخاص، وإعطاء الأدب العربي والعالمي مكانة الصدارة، من زوايا معالجة مختلفة، واحتضان المساهمات الابداعيّة للمرّة الأولى والترجمات الادبيّة والنقديّة، والدخول الى المختبرات السريّة للكتابة التي هي مقامرة على المستحيل. الرهان المتجدد لهذا الملحق، مزيد من الاتقان والعفويّة والصدق، كي يتعرّف القارئ إلى نفسه في مرآتنا.
هذا لا يعني بالضرورة أننا سننجح. فالطحالب الصديقة تحيط بنا من كل حدب وصوب. لكنّنا سنحاول. معكم. من أجل فكرة راودتنا منذ اليوم الأوّل: ثقافة التجاوز والكشف والحياة.
(كلمات)