تذهب مجموعة «ليس حباً بل دعابة» (دار النهضة العربية) لمحمود وهبة، نحو التفاصيل الصغيرة التي تكاد تكون مرئية، فتجعلنا نشاهدها أكثر، كأن الشعر دعوة إلى تلك المساحة الهامشية من الأشياء حيث يختلف كل شيء وتبدو الجدية دعابةً. حتى الحب والمسائل الوجودية الأخرى نراها تذوب في مساحة هادئة وبعيدة عن الأنظار. هكذا أيضاً ينادي على الأشياء في بداية مجموعته ربما كي يدعمها لتتأمل معه ما يريد أن يقول، فيدعو أشياء كثيرة إلى مائدته. يقول: «يا أيها الضباب القابع في رئة مدخن/ أيها القلب البحر في سفينة/ أيتها النوارس المعلقة المشنوقة ظلماً وعدواناً».



يسأل في قصيدة أخرى عن نفسه، ليتخيّل أنه عار من كل شيء. كأن القصيدة هي ذلك الطريق إلى هذا العري، وفي كتابتها اكتشاف أعمق عن هذا العري الذي يصفه بقوله: «مثل الذين ماتوا سريعاً ولم يعودوا». فهذا العري ربما هو العزلة التي يريد أن يصل إليها أثناء سيره وكتابته. هكذا يكتشف نفسه في رحلة الكتابة وأنّ «الحقيقة وجه تحت قنطرة». لهذا فهو يحاول أن «يدقق في الأشياء خلسة» كما يقول، كأن الذاكرة صندوق كبير وهو يحاول أن يطل عليها ليرى أشياءه الحميمة، ليذكرها أكثر من مرة في قصائده. يقول: «الذاكرة بئر/ قفص/ تمثال». كي يذهب بعيداً نحوها، سيغرق ربما في هذا البئر العميق.
في محاولة لخوض أسئلة أخرى، تبدو اللعبة جدية أحياناً، لكنّه يحاول أن يعطيها هدوءاً ولغة بعيدة عن المجاز، ليسأل: «ماذا تشعر الفتاة حين ينبت لها ثديان». يقول في النهاية: «كثيراً ما أندم على رجولتي/ على الدم الذي لم ينزل مني ولو لمرة واحدة/ في دورة شهرية». يبدو طرح الأسئلة على الأشياء اليومية جزءاً من مهمة الكتابة. لذلك، يذهب إلى تلك التفاصيل ربما ليكوّن صورة أخرى عنها، فيقول: «يوماً ما/ سأعود طفلاً يرضع ثدي أمه/ أسرق حبة الشكلس من دكان قريب». يعود ويطرح أسئلة أخرى على عالم لا يحركه سوى تلك الأسئلة، فيقول: «هل من عمر لهذا الموت المستلقي على الجدران؟/ هل من نزيف لكل شاردة وواردة».
تبدو أيضاً لعبة الصور واضحة في أكثر من مكان في المجموعة، كأنه يحاول أن يرى صوراً أخرى للأشياء أو يحاور العالم في وجوهه الأخرى، من دون أن يتجاهل حقيقته، فيقول: «العكاز طريق الأعمى/ قنديل الأعمى/ العكاز حياة». هكذا تصبح الكلمات هي القنديل في عالم مظلم ومفتوح على لغات كثيرة، فنحتاج إلى ذلك الضوء لنرى الأشياء ونتحسّسها.
في نهاية الأمر، تبدو الأحزان بهية، أو هكذا تأخذنا معها إلى أماكن أخرى، فنتأمل أنفسنا ونكتشفها من جديد، فيقول: «أحزاننا التي نلوّنها بالكحول/ وبالقليل من الموسيقى/ فتبدو بهية في المساء». تصبح الأشياء التي يكتشفها على طول الطريق أيضاً أكثر نقاوة، فيقول: «كان علينا أن نعد خطواتنا قبل أن نحبّ».
تحضر بيروت بكل يومياتها، كامرأة ومدينة


تحضر بيروت بكل يومياتها، كامرأة ومدينة، فلا تغيب عن أجواء المجموعة التي يناقش الشاعر تفاصيلها مع حياته ومع ما يشاهد فيها من أجواء ليقول عنها: «ترتدي بيروت كل النساء/ ترتدي الأنفاس والأخشاب».
ورغم كل تلك الأجواء المفعمة بالسلاسة، يحضر الخوف كأنه عالم داخل كل شيء، يغلّف الأشياء بحذر، ويحنو على كل شيء. هكذا إذن يراقب كل شيء حوله وهو خائف يرتعد، فيصاب بقوة المشاهد والمراقب، ليقول: «تمشي المدن على رؤوس أصابعها مخافة الموت/ تعود الفتيات أول الليل مخافة السمعة/ تخفي العاهرة صدرها مخافة الأدب/ تترنح الكأس في اليد مخافة السقوط». لكن يحضر هذا السؤال الذي سماه سركون بولص «مدينة أين»، فصار الوصول إليها كأنه مستحيل في عنوان مجموعته «الوصول إلى مدينة أين» فيسأل: «إلى أين». لكنه يتنبه في ما بعد إلى أن السؤال موجع، فيقول: «نصادق الأسئلة رغم أنها موجعة». لكن حتى وهو يفكر بالأشياء البسيطة، تظهر تلك الأسئلة الموجعة مرة أخرى، كأنّ لا مهرب من الأسئلة، فيقول: «لنفكر الآن بأشياء بسيطة/ بالكذب والنميمة وأكل الأظافر». يعود ليسأل الشاعر عن كتابته للقصائد اليومية: «هل تكتب قصيدة كل يوم؟»
في نهاية المجموعة، لا بد من أن يتوقف عند ذاك الخطأ في كل شيء، فيتدارك أنّ هناك خللاً ما في هذا العالم، كأنّ ذلك الخلل ربما يوقفه في زاوية ما، ويجعله يتساءل عن كل شيء، فيقول: «أخطأت في العنوان/ هذه المدينة طازجة/ ثمة خلل في الدماغ/ خطأ في تركيب المواد العضوية/ فعلاً إنها طازجة/ وموضّبة على الرف». لا بد من أنّ تأمل هذا الخلل سيقوده إلى طريق الكتابة لمعرفة الأشياء معرفة أخرى، معرفة بالتجربة. فالمدينة طازجة رغم ذلك الخلل، ويحتفظ كما يقول باللطافة كمؤونة لسنة قادمة كما يقول في قصيدة: «كيلو لطافة مؤونتنا لسنة قادمة». فهل تصبح الأشياء أكثر رقة حين ندرك الخطأ فيها وحين نؤمن بجمالها رغم ذلك الخلل؟
تقودنا الأشياء أحياناً نحو الكتابة لتجعلنا نتساءل عنها أكثر، وهنا يمضي الشاعر نحو تلك الأسئلة حذراً ويجعل اللغة دليله إلى تلك الأفخاخ على الطريق، فالطريق ليست سالكة، إلا أن الأشياء أيضاً تبدو أكثر مرحاً وبعيدة عن جدية الحياة، فربما تكون طريقه إليها دعابة ولعبة رغم أنها في الوقت نفسه تجربة.