يُسمّى حرف الراء في العبرية «ريش» reš، وفي الحبشية الجعزية «رئيس» re’es وفي العربية «راء». وهناك ما يشبه الإجماع تقريباً على أنّ الأصل التصويري (الأكروفوني) له هو الرأس البشري. بذا فهو من الحروف التي يكشف اسمها عن أصلها التصويري ببساطة ووضوح عند الغالبية الساحقة.

لكنّ المشكلة تكمن في الاسم اليوناني للحرف: «رهو» rho. وهي صيغة غريبة ومبهمة. ولا يُعرف معنى هذا الاسم، ولا من أين أتى. لكن من الواضح أنها ليست لها علاقة بالرأس البشري. أي أنها ليست تحريفاً لكلمة «ريش، رئيس، راس». وفي اعتقادي، فإنه من دون حلّ لغز الاسم اليوناني لحرف الراء، فإننا لن نتوصل إلى فهم أصيل لقصة اسم هذا الحرف وتاريخها. بذا فسوف يكون تركيز هذه المادة على الاسم اليوناني خاصة، أي على الشاذ أساساً.
وفي البدء، لا من تقديم ملاحظة أساسية على الأشكال الأقدم لحرف الراء. وهي ملاحظة قد تكون مدخلنا لحل اللغز. هذه الملاحظة تشير إلى انقسام هذه الأشكال إلى قسمين:
الأول: تكون العين فيه ظاهرة في الوجه، أو أنها تكون أحياناً على شكل نقطة تمثل العين، أو البؤبؤ ربما. وفي هذا القسم، يكون شكل الرأس فيه واضحاً بشكل كبير، كما في الصورتين أدناه لنقش لوح تل بلاطة من فلسطين (إلى اليمين) من القرن السابع عشر أو السادس عشر ق. م، ونقش خنجر لكيش من فلسطين أيضاً ويعود للقرن السادس عشر ق.م.

إلى اليمين: نقش تل بلاطة، وإلى اليسار نقش خنجر لكيش.


الثاني: لا تكون فيه عين، ولا يكون شكل الرأس البشري المفترض فيه واضحاً تماماً، كما في الصورة أدناه للحرف في عدد من النقوش السينائية.

حرف الراء في عدد من النقوش السينائية من هاملتون


واعتقادي أن هذا الاختلاف حاسم في محاولتنا للتعرف إلى الأصل التصويري لهذا الحرف، وعلى فهم أسمائه المختلفة. فمن الصعب مثلاً اعتبار الأشكال الأربعة في الصورة أدناه تمثيلاً لرأس بشري.



كذلك من الصعب قبول فكرة أنّ الراءات الثلاث في نقش وادي الهول أدناه من القرن التاسع عشر ق.م في مصر تمثيل للرأس البشري في غياب العين أو البؤبؤ.

بناءً عليه، أقدم هذين الفرضين:

راءات نقش وادي الهول بلا أعين


أولاً: أنّ الأشكال التي تكون فيها عين هي تمثيل للرأس البشري فعلاً، في حين أن التي ليس فيها عين، ولا تميل إلى أن تشبه الرأس البشري كثيراً، هي تمثيل تميل إلى شيء يسمى «رهو» احتفظت لنا اليونانية باسمه.
الثاني: أن هذه الكلمة استعارتها اليونانية من لغة أخرى. دليل ذلك أن كلمة «رهو» لا تعني شيئاً في اللغة اليونانية.

الرهو
لا توجد، حسب علمي، جدالات كافية بشأن أصل كلمة «رهو». ويمكن القول بأنّ الكلمة تجوهلت لأنها غامضة وصعبة. لذا أود أن أقترح أنها على علاقة بالجزيرة العربية. وإذا استطعنا إثبات ذلك، فإنه سيسهل لنا فتح الطريق نحو حل مسألة العلاقة بين الأبجدية اليونانية، وأبجديات الجزيرة العربية، وعلى الأخص الأبجدية الجنوبية في اليمن. فقد لاحظ باحثون كثيرون تشابهاً جدياً بين الأبجدية اليمنية وبين الأبجدية اليونانية. هذا التشابه أدى إلى فرضية تقول بأن الأبجدية اليمنية مشتقة من الأبجدية اليونانية، ومستعارة منها. وهذه فرضية غريبة في نظري. وهي مشتقة من فرضية أخرى تتبعها الغالبية، وتقول إن الأبجديات السامية الشمالية (الفينيقية والآرامية) أقدم من الأبجديات الجنوبية، أي أبجديات الجزيرة العربية، وإن الأخيرة بالتالي مشتقة منها.
ولو نجحنا في إثبات أن الاسم «رهو» rho قادم من الجزيرة العربية، فإن هذا سيشكّل ضربة قوية لهذه الفرضية، إذ كيف تكون الأبجدية اليمنية مستعارة من اليونانية في حين أن بعض أسماء الحروف اليونانية مستعارة من الجزيرة العربية؟ فوق ذلك، فإن إثبات الأصل العربي للاسم «رهو» سيدفع إلى فرضية أخرى معاكسة تقول إن الأبجدية اليونانية هي التي اشتُقت من الأبجدية اليمنية لا العكس، أي أنّ الأمور ستنقلب على عقب.
أما فرضيتي، فتقول إنّ «رهو» اليونانية هي الصيغة المذكر لكلمة «الرهوة»، في العربية. والرهوة هي الرابية الصغيرة حسب القواميس العربية: «الرهوة: الرابية تضرب إلى اللين وطولها في السماء ذراعان أو ثلاث، ولا يكون إلا في سهول الأرض وجلدها ما كان طيناً ولا تكون في الجبال، والجمع رهاء». يضيف المصدر ذاته: «الرهوة: شبه تل صغير يكون في متون الأرض وعلى رؤوس الجبال، وهي مواقع الصقور والعقبان» (الزبيدي، تاج العروس). ويزيد الصاحب: «تل صغير في متن من الأرض أو على جبل» (الصاحب بن عباد، المحيط في اللغة).
إذن، فالرهوة تلة صغيرة، ارتفاعها عدة أذرع، تكون في أرض مستوية غالبة، أو في رؤوس الجبال أحياناً في ما يبدو. ولم يعد اسم هذا التضريس مستعملاً الآن. لكن يبدو أنه هو ذاته الذي صار يسمى «الموائد الصخرية» في هذه الأيام. وتتكون الموائد الصخرية من صخرة شبه مستديرة من الأعلى، ولها عنق رفيع نحتته الرياح وعوامل التعرية الأخرى وحتّته. وهي بذلك تشبه فطراً ضخماً في شكلها. وهي شائعة الوجود في الجزيرة العربية. وإليك أدناه نماذج منها.

مائدة شرث شرق العلا


مائدة جبل تذرع شمال حرة عويرض


مائدة أم رقيبة شرق مركز أبو راكة


ولدينا نموذج من الرهوات التي تكون في بعض الأحيان في قمة جبل. وهو مصداق لما نقله الزبيدي: «الرهوة شبه تل صغير يكون في متون الأرض وعلى رؤوس الجبال». لكن وجودها في قمم الجبال نادر في ما يبدو كما نقل الزبيدي عن مصدر آخر: «ولا تكون في الجبال».

مائدة جبال كبد جنوب شرق محافظة تيماء


وأخيرا خذ هذا النموذج من الجوف اليمني.



ونظرة واحدة إلى صور حرف الراء التي بلا أعين تكفي لكي يقتنع المرء بالشبه الكبير بينها وبين الموائد الصخرية.
فهناك قمة تشبه الرأس، لكن من دون تفاصيل محددة لهذا الرأس مرفوعة على عنق نحيل. والعنق الطويل نسبياً حاسم هنا. لذا سميت واحدة من الموائد التي عرضناها باسم «أم رقيبة»، أي ذات الرقبة. عليه، فلا يتعلق الأمر بتلة كما تقول القواميس العربية، بل تتعلق بصخرة كبيرة نحتتها الطبيعة بحيث تبدو مثل الفطر.
انطلاقاً من هذا، يمكن الحكم بأنه كانت لدينا صورتان أصليتان لحرف الراء: واحدة تمثل رأساً بشرياً، وثانية تمثل رهوة، أو رهواً بالتذكير. أما أيّ مِن هاتين الصورتين هي الأقدم، فلا يمكن الحديث بجزم. لكن بما أن نقش وادي الهول هو أقدم نقوش الأبجدية التي عثرنا عليها حتى الآن- وهو يعود إلى فترة تقع ما بين القرن التاسع عشر والعشرين قبل الميلاد- وبما أن حرف الراء فيه أقرب إلى الرهو منه إلى الرأس البشري، فإنه يمكن افتراض أن الرهو هو الاسم الأقدم لحرف الراء.

راء وادي الهول


وإذا صح هذا، يكون الاسم اليوناني «رهو» المستعار من لغات الجزيرة العربية هو الاسم الأقدم من أسماء حرف الراء كلها. أي أنه أقدم من الاسم العبري والحبشي. كما نستطيع أن نفترض أنه كان اسم حرف الراء وقتما كتب نقش وادي الهول. وانطلاقاً من هذا، يمكن افتراض أنه جرى لاحقاً اتخاذ صورة أخرى لتمثيل حرف الراء هي الرأس البشري كبديل عن الرهو المرتبط بالبيئة الصحراوية الجبلية. وهذا نابع في ما نفترض من أن الاسم «رهو» صار في ما يبدو غير مفهوم بالنسبة للناس التي لا تعيش في مناطق صحراوية. وفهم أسماء الحروف، وربطها بأشكالها المحددة، كانا في البدء مسألة أساسية حاسمة في الكتابة الأبجدية. وإن صح هذا، فإن وجود أعين في صورة الحرف يشير إلى أننا مع صورة متأخرة كثيراً عن بدايات الأبجدية. وهكذا صرنا مع صورة لحرف الراء تمثل الرأس البشري، واسم يعكس هذه الصورة. لكن اليونانية عاندت ولم تغير، واحتفظت لنا بالاسم الأقدم للحرف، والمستعار من الجزيرة العربية. وهي بذلك فتحت لنا الباب لحل مسألة العلاقة بين الأبجدية العربية الجنوبية وبين الأبجدية اليونانية.

* شاعر وباحث فلسطيني