خطوة سديدة أنجزتها وزارة الثقافة العراقية في «لجنة الشؤون الثقافية» بطباعتها (صيف ٢٠٢١) نسخةً «رسمية» من ديوان الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري (1899– 1997) بمراجعة واعتناء من حسن ناظم، وسعيد عدنان ونادية العزاوي وسعيد الزبيدي. آخر نسخة تبنّتها الدولة للشاعر الذي وجدت أشعاره صدى في قلب كل عراقي وعربي، كانت طبعة وزارة الإعلام العراقية عام ١٩٧٤ في «مطبعة الأديب البغدادية» بمراجعة كبار علماء الأدب واللغة وقتئذٍ كابراهيم السامرائي ومهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر ورشيد بكتاش. 


ولد الجواهري في مدينة النجف من أسرة دينية. كان جدّه الأعلى الشيخ محمد حسن مرجعاً دينياً في عهده، وكتابه المشهور «جواهر الكلام» الذي اقتبست الأسرة لقبها منه من الكتب المعتمدة في الفقه والعقائد الإسلامية. والده كان من رجال الدين أيضاً، ما منح الأسرة قدراً كبيراً من الوجاهة في مجتمع النجف والعراق. لكن جو الشاب الذي سيتوفى أبوه وهو في الـ15، وستقع أسرته أسيرة الفاقة، لن يتأثر في صياغة رؤياه الشعرية بتلك الارتباطات التي كانت تشدّ الأسر الدينية بالارستقراطيات الإقطاعية والتجارية في العراق وإيران.
إذا لم يكن جائزاً تصنيف الجواهري الذي بدأ حياته في الصحافة، ضمن طبقات الشعب المعدمة، فإنّ «أبا فرات» ألقى بثقله إلى جانب الشعب الكادح في نضاله ضد النظام الملكي الممثّل لمصالح الإقطاعيين والبورجوازيين الكبار والمدعوم من قبل الاستعمار  الإنكليزي ثم الأميركي. عاصر الجواهري تصاعد المدّ الوطني في العراق ابتداء من ثورة حزيران (يونيو) ١٩٢٠. قصيدته «الثورة العراقية» تؤرّخ للبداية الفعلية للحركة الوطنية. أول دواوينه «حلبة الأدب» (1923) هو مجموعة معارضات لمشاهير شعراء عصره كأحمد شوقي، وإيليا أبي ماضي وبعض السابقين كلسان الدين بن الخطيب، وابن التعاويذي. ثم أصدر عام 1928 ديواناً صغيراً بعنوان «الشعور والعاطفة» أهداه إلى فيصل الأول. لكن البداية الفعلية تسجّلت في «ديوان الجواهري» عام 1935 في جزء أول، ثم جاءت الأربعينات لتشهد نضج وعيه الأخلاقي والسياسي، فيصدر الجزء الثاني من الديوان (1949) فالثالث (1953) في رحلة طويلة للوعي قد طالت، فأكلت منه أربعين عاماً قبل أن تبلغ نهايتها. فهو كما يقول العلّامة هادي العلوي «يسير مع قافلة تطوّر الحركة الوطنية والثورية في بلادنا، فينشدها أغانيه بالطريقة التي تحددها ظروف المسيرة، دون أن يستطيع لا هو ولا رفاق السفر تجاوز القدر المستطاع تاريخياً من الوعي، حتى إذا دخلت الحركة أوان النضج، كان الجواهري معها: لم يسبق ولم يتخلّف».
عند السفر في دواوين الجواهري، يواجه الباحث معلّقات ذات نفس بطولي، في بطولة على صعيدَين: فردي وجماعي. على الصعيد الأول، الزعماء الثوريون ورجال العلم والأدب، وفي الضفّة المقابلة الشباب والعمّال والمتظاهرون والسجناء السياسيون. وقد أفضى تعلّقه الشديد بالبطولة إلى نوع من شعر المدح كان في أكثر نماذجه أصيلاً وحاراً ضمن قصائده في الإمام الحسين، وأبي العلاء المعرّي، وجمال الدين الأفغاني وجعفر أبي التمن وطه حسين. كما أن العلامة الفارقة هي أن الجواهري رغم مهامه الأولية كمناضل وشاعر، فإنه لم يحوّل دواوينه إلى معرض للعقائد والنظريات كما فعل مجايله جميل صدقي الزهاوي، ولم يتطرّق في نظمه ولا في عمله الصحافي إلى ظواهر أيديولوجية كما فعل مجايله الآخر معروف الرصافي. لقد امتنع الجواهري العلماني عن خوض معارك ضارية في وجه الدين الذي لم يشغل من ديوانه إلا زوايا متفرقة، اللهم إلا في قصيدة «الرجعيون» (1928) التي كتبها رداً على معارضة بعض رجال الدين في النجف لمشروع فتح مدرسة للبنات فيها.
تمازجت في شعر الجواهري عين تأخذ بروعة الجمال في الناس والطبيعة، واستجابة حسّية رهيبة تتسق مع لغته المنحوتة في الصخر، مع نفس رومانسي تتمازج فيه أصداء من البحتري وأبي نواس وشعراء الأندلس، بل الشعراء الإنكليز والفرنسيين. فمن ينسى قصيدة «الشاعر» التي تحوي هذا البيت: «رنّة المعول في الحفرة صوت للمنايا»، الذي كان لا بدّ من أن يرنّ في ذهن السياب حين كتب قصيدته «المعول الحجريّ»: «رنين المعول الحجريّ في المرتجّ من نبضي/ يدمّرُ في خيالي صورة الأرضِ». إلا أن ذات الجواهري الأبية، المصارعة، تذكر قارئه بالمتنبي أكثر من أي شاعر آخر، وهو الذي جعل من أبي الطيب قدوةً له، قامة ولغة وجزالة، كأن يقول في قصيدة «الوتري»: «كذبوا فملء فم الزمان قصائدي/ أبداً تجوب مشارقاً ومغاربا». فنذكر مباشرة قول المتنبي «ما الدهر إلا من رواة قصائدي/ إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا». لم يخرج الجواهري عن «عمود الشعر»، وكان له من التمرس بالكلمة المفردة، والمجانسة والصفاء بين المفردة وأختها، وتفاعل الشاعر معها «فيصبح منها عنصراً مخالطاً كالماء والخمرة كالدم المطابق منقولاً إلى الدم، وكلقاح شجرة محمولاً إلى شجرة أخرى»: إعادة سحر الشعر والاعتبار للشعراء إلى وزارات العالم العربي التي لطالما كرهتهم وكرهوها، خطوة أولى مطلوبة على طريق طويل، في المصالحة الصعبة بين الحاكم والشاعر، في الاعتراض على التراتبية في جمهورية أفلاطون، حيث الشعراء المنبوذون حين تستعصي المدينة على الحاكم بالسيف، يعودون بالكلمة واللحن ليسكنوا رأس المدينة وروحها وقلبها.