قال الفيلسوف الرواقي سينيكا: «سأراقب نفسي دوماً، وسأضع كل يوم من حياتي قيد التقييم. هذا هو ما يجعلنا أشراراً، أن لا ننظر إلى الخلف، ولا نفكر سوى فيما نقدم عليه». لقد كان العنوان الأصلي لهذا الكتاب «يوميات الحرب الغريبة»، مُرْفَقاً بعنوان فرعي هو «رسائل للكاستور» (هكذا كان سارتر يلقّب سيمون دو بوفوار) ولآخرين. وهو بالفعل يوميات بما أنّ الكاتب عمد على مدار سنة وسبعة أشهر على الكتابة كل يوم، مشيراً إلى اليوم والتاريخ والشهر، وهو أيضاً رسائل لما تخللت هذه الأيام من رسائل بين جان بول سارتر ومختلف معارفه، غير أن عنونته في نهاية المطاف بـ «الدفاتر» له دلالة أوسع وأشمل من اليوميات ومن الرسائل منسجمة مع طبيعة هذه الكتابات الخارجة عن التصنيف، ناهيك بأنّها تتخذ في بعض وجوهها صيغة الثرثرة اليومية التي تضرب عرض الحائط بكل ما هو كتابة رسمية، إضافة إلى ما جاءت عليه في وجوه أخرى، مستعيرة أشكال التواصل الكلامي في مقامات مختلفة مثل التحقيقات أو الخطابات السياسية أو المقالات الصحافية أو البطاقات البريدية والتداعيات الحرة التي وإن جاءت في شكل مادة حلمية، ففي مواضع أخرى اتصفت بالاعترافية الحارة والجريئة إلى غير ذلك من أصناف الخطاب. ‏ينسف سارتر كل شيء ويأخذ القارئ حيث لن يصدق أي شيء ولا حتى ذاته. وأول ما يلفت الانتباه في كل هذا التخريب الممنهج أنه يقطع مع كل أشكال الكتابة المألوفة، فلا تأتي كتابته على نمط واحد. حتى إنّ جملته طائشة دائماً، ‏وبينما يكون في عمق تحليل مفهوم «في-الذات» وعلاقته بـ «الذات»، ينتقل للحديث عن نوع الطعام الذي هو بصدد تناوله عند العشاء. يورد في ما بعد حديثاً دار مع قناصين، يقتبس في ما بعد تصريحاً لرئيس حكومة فرنسا. يستعيد جولة له مع دو بوفوار ليتحاور مع مذكرات أندريه جيد ثم يقول «ها هنا كذا». ويوغل في نقد معجمه اللغوي، حتى إنّه لا يتأخر عن ذكر ما يعيبه عليه الآخرون لجهة استعماله المفرط لعبارة «ها هنا». ومن المؤكّد أنه لم يكن في نية سارتر أن يكتب كتاباً وفق الأساليب الأدبية والبلاغة البيانية التي دأب الكتّاب على اعتمادها في مؤلفاتهم، فانضبطوا لصارم قواعدها. بل عمد ــ وكما قال رولان بارت بعدها بسنوات ــ في «يوميات الحداد»، إلى تجنب الأدبية حين قال: «هذه اليوميات أبعد ما تكون عن الأدب». والظاهر أنّ هذا الكتاب هو أبعد عن أن يكون أدباً بالمفهوم المتعارف عليه، بل هو «قليل الأدب في الكثير من المواضع»، ليس من وجهة النظر السلوكية، بل حتى إنسانياً. أصل هذا الكتاب هو خمسة عشر دفتراً كتبها جان بول سارتر خلال فترة تجنيده في بداية الحرب العالمية الثانية بين أيلول (سبتمبر) 1939 وآذار (مارس) 1940والتي ضاع أغلبها وبقي منها فقط ستة دفاتر قامت ابنة سارتر بالتبني الجزائرية، آرليت القائم سارتر، بتحقيقها وتوضيبها ونشرها على الصيغة التي هي بين يدينا الآن


تقول الكاستور إني أعتقد نفسي خالداً. نعم، فربما ذلك صحيح بعض الشيء. لا أفكر في أنني سوف أموت. ولكنّ، هناك شيئاً آخر: لقد وضبت كتاباتي ليس بوصفها إنتاجات منعزلة عن بعضها، بل على أساس أن تكون منتظمة ضمن مؤلف واحد. وهذا المؤلف الواحد ترتبط نهايته بنهاية حياة الشخص. والأفضل، توقّياً من الشيخوخة، أن أفكر دائماً في الأساسي في ما أكتبه إلى أن أبلغ الستين من عمري. تبقى هذه الصبيانية العبثية، ولكن العميقة، أنني لا أرى نفسي أموت قبل أن أبلغ السبعين من عمري. وما ينتج عن كل هذا شبيه بكمٍّ فارغ يفصل نهاية حياتي عن موتي. وبشكل آخر، يمكنني أن أقول إن حياتي لها نهاية أفضل قبل أن أموت. نفس الشيء بالنسبة لبدايتها الجيدة بعد ولادتي (في جزء منها طبعاً لأنني لا أمتلك الكثير من ذكريات طفولتي).

■ ■ ■

أتفرَّس في حاضري من وجهة نظر الموت. فهو ينتزع معناه حتى من إدراكي، حتى من أفكاري، من رغباتي الطارئة، فكل هذا هو في الحقيقة انتظار. أكثر تمثُّلاتي المؤقتة أنني كنت. كل حاضر يُعوِّل على المعبر المؤدي للماضي ليجد عزاءه. يُجرّده الموت من حق أن يصبح ماضياً. ينتزع منه الموت حق أن يكون ماضياً. فيرقُّ إذا ويصبح شفافاً. وغير مُحدَّد. تنقصه القدرة على الربط بين العناصر. كتبت لي الكاستور تقول إن لديها انطباعاً أن المكان الوحيد الذي يمكن أن يسعها هو اللامكان. انطباع مماثل من وجهة نظر الموت. يصبح الحاضر اللامكان اللازمان، يعيشه أي شخص كان. شعرت بكل هذا، اليوم، في شكل انفعال عبثي.
■ ■ ■

لا يمكن أن نمسك بالموت تماماً إلا بالنظر إليه من خلال الحياة، في كل لحظة من هذه الحياة كما في التجمعات الحيوية والعاطفية، وليس فقط في اللحظة التي يظهر فيها كحدث زمني. فهم رائع لهايدغر. لكن الموت ليس إمكانيتي: إنها صنع العدم، القادم من خارج كل إمكانياتي. بما في ذلك تلك التي كنت عليها.
■ ■ ■

اكتشفت في داخلي طبقة من الصور المُطمئنة والشاعرية، التي تنزلق من حين لآخر في أفقي. هي صور ما بعد الحرب الأخيرة. هي فترة كانت دائماً عزيزة عليَّ ولكن أصبحتُ الآن أحبها أكثر لأنها تصلح أن تكون رمزاً لما بعد حرب أخرى لن أستطيع ولن أريد أن أفكر فيها.
■ ■ ■

هذا الصباح. كانت المدرسة ملتهبة. رأينا الجنود مصطفين بانتظام خلف قطعهم العسكرية. كل قطعة حولها جنودها مثل لعبة. نصف القذائف لم ينفجر. فرقة النذالة. يصلنا الضجيج يصمُّ الآذان. وهو ما يصيب بول بالإسهال. صار الصعود إلى الجبهة وسواساً عند القناصة، فهذا الركود اليومي وعدم معرفتهم لوقت رحيلهم أصبح يمثل لهم تهديداً قائم الذات وثقيلاً عليهم؛ غير أن الضباط أبلغوهم قائلين: «لو تصرفتم مثل أولئك الذين يتمتعون بحظوة، سوف نرسل خلفكم الفريتز [الألمان]».
■ ■ ■

هذه التدوينات التي لا تتحدث إلا عني، ليس فيها إطلاقاً ما هو حميمي ولا أعتبرها كذلك. كل ما يحدث لي، كل ما أفكر فيه، أنوي أن تشاركني فيه الكاستور، ما أن يحدث لي شيء ما، أرويه. كل ما أشعر به، أحلله للآخر، في الوقت الذي أحس به، وأفكر أن استعمله هنا وهناك. لو لم أكتب هذه اليوميات ولو لم تكن هناك مراقبة عسكرية، لكتبت جزءاً كبيراً من يومياتي في رسائلي إلى أصدقائي وسوف أنسى الباقي فوراً. لا أعرف شخصاً آخر غيري قارئاً. إن كنت أفكر أغلب الوقت، فذلك بفكرة الانتصار على شخصية مميزة، وإن أعملت العقل فذلك بالطريقة البلاغية لأقُنع أو أدحض. ليس هناك إلا مشاعري والطعم الخاص لجسدي اللذين بقيا حميميين لي، ذلك أنهما لا مُتحفظين لا يمكن التواصل معهما. لا يبدو لي أن هذا الدفتر سوف يقع تحت طائلة النقد الذي من العادة تتعرض له اليوميات، علماً أن بعض الكتاب يلعبون على الثنائية حميمية وإشهار خاص، خاص إلى أبعد حدّ لكن ليتم تسليمه لضوء النهار من بعد. مهما كان مصير هذه التدوينات، ومهما كان إن نُشرت ذات يوم أم لا، لقد كتبتها بذهن شعبي - وبالأساس كي أريها للكاستور. فضلاً عن ذلك، يجب أن أعترف أنها لا تقدم لي أي مساعدة. على أفكاري أن تكون حين أبدأ الكتابة، غير أنني أعتقد أنني ومنذ خمس عشرة سنة وأنا أفكر تمكنت من ترتيب نفسي دون مساعدة دفتر. أفكر وأعبّر في داخلي، أحفظ أفكاري بدون أن أدونها. بشكل ما، إن كل ما أشير إليه هنا قد فكرت فيه أغلب الوقت وقمت بصياغته مسبقاً في رأسي. بل هنا يظهر مأزق آخر في اليوميات: هل يجب أن نكتب ونحن نفكر أم نفكر أولاً ثم نكتب ما فكرنا فيه. أن نفكر ونحن نكتب بما يعني تدقيق وتحرير موضوع والقلم في اليد: نخشى وقتها أن نجبر أنفسنا، ونصبح غير جادين. أن نكتب ما نفكر فيه: لم تعد وقتها إذاً يوميات، لقد فقدت ما لا أعرفه مما هو عضوي في الحميمية. في الحقيقة لا أرى إلا فائدتين لهذه الدفاتر: أن تصلح للحظة – عرض تاريخ الأفكار جنب الأفكار.
■ ■ ■

تمثل الحرب أولاً جزءاً من ذكريات طفولتي. ومن هنا فهي تبدو كما لو أنها مرتبطة بالعائلة. لقد عشتها في عائلتي ومن خلالها. لقد بدت لي أولاً شبيهة بحدث عائلي. رغم أني لم أعشها مباشرة، مثل كثيرين: فلا أحد من عائلتي ذهب للجبهة. كان زوج أمي مريضاً جداً ولم يكن لدينا أصدقاء كثيرون ذهبوا إلى الحرب لأن حلقة علاقاتنا كانت متكونة بالأساس من أساتذة جامعيين في عمر جدي. بعدها، غادرت إلى الريف عند نهاية 1916، لم أعش الحرب في باريس، الإنذارات، القصف عن طريق طوب [طائرة حربية كان أول استعمال لها في 1912] والبيرتا الثقيلة [مدفعية ثقيلة من نوع ألماني]. أخيراً، بعيداً عن أن الحرب حرمتني من أبي وأسلمتني لنفسي مثل آخرين كثيرين، فبالعكس لقد منحتني أباً، بما أن أمي تزوجت مجدداً في مارس 1915. لقد عرفت مثل هؤلاء الأيتام من نوع كلافو، الذي كان يركض خلف أمه في الشارع لأنها تطبخ له أكلاً لا يعجبه. كم كنت أغبطهم على حريتهم التي لم أكن استمتع بها. هل كان هناك تطابق بين «صدق» الحرب و«صدق» زوج أمي؟ أم أنها بدت لي مجرد تجهُّم لجو ذلك الوقت، كما لو أنها فروق مُفخَّمة، جليدية وخاصة مُزعجة – مزعجة بشكل مرعب – حطت بثقلها على الأشياء.
■ ■ ■

حين وصلت إلى لاروشيل، عانيت من اضطراب في مفاهيمي الأخلاقية. انتقلت في البداية من تحت سلطة جدي إلى سلطة زوج أمي ولم يكن بين الرجلين أي نقاط تلاق على المستوى الأخلاقي. بعد ذلك صارت لي صلات بالغة الأهمية مع أترابي. وإلى حد هنا، كانت علاقاتي مع رفاقي تتم تحت الحماية الساهرة لعائلتي. وأي رفاق: وقحون، شرسون، داعرون، منشغلون بالجنس قبل أي شيء. أتذكر أنني ذات يوم أخذت دفتر استجواب مدام بيكار وملأناه بوقاحات وتفكهات. فلم يعد الأمر متعلقاً بالثأر للقتلى. تبنيت وقاحة رفاقي كي يقدرونني وفي نفس الوقت تبنيت العواطف النبيلة لعائلتي. شيئاً فشيئاً، بدأت ابتعد عن «حالة الحرب» التي كان جدي يريد أن يجسدها فيَّ. هذا التطابق بين الحرب وجدّي كاف ليجعلها كئيبة مضجرة ومكدرة. لم أعد اهتم بها على الإطلاق. لم أعد أقرأ الجرائد وكان في داخلي ثقة عمياء أننا سننتصر. لا أذكر أبداً أنني تحدثت مع رفاقي حول الحرب. لم تفاجئني الهدنة ولم تخلف بداخلي أي بهجة. كانت مجرد حدث مر في لامبالاة تامة. وشغلت ذهني المسألة الجنسية أكثر فأكثر.
■ ■ ■

في 1919، شغلتني حالات تبكيت الضمير أكثر من السلم. كان لا بد أن نتحمل لسنوات طوال خطباً رسمية حول أمجادنا القتلى والواجبات التي علينا القيام بها أصبحت أمراً مبتذلاً تافهاً. كلنا يعرف بتقزز تلك العواطف التي تحمسنا كي نكون شركاء في لحظة ما ومثال على ذلك، أنا في 1914-1915. وكما هو الشأن في كل وقت، كان أساتذتنا مكلفين بهذه المواعظ، يتحالفون علينا من جهة التعظيم الرسمي للأخلاق اللاتينية الإغريقية ومن جهة نصائح الفضيلة التي يربينا عليها أهالينا. بداية من 1920، لم نعد نحلم بالحرب إلا كشيء ميت ومنتهٍ كما كنت أراها دائماً أستطيع أن أقول، دون مبالغة، أنها لم تكن حدثاً تاريخياً وماضياً بل كانت أسطورة جماعية ولازمنية، مصحوبة بخدوش دينية. وفي المحصلة هي خلاصة أخلاق الناس الكبار.
■ ■ ■

في سنة 1923 كنت مسكوناً برعب مقدس. كنت في أول أداء الواجب العسكري ورفضت أن أوقِّع ولا أعرف أي تجل اشتراكي، في جزء منه لأن الاشتراكية كانت تبدو لي منظمة، وفي جزء آخر من خلال ميل لا واع لأفكار زوج أمي. في مواجهة الحرب، كنت إنسان المشاعر، أكرهها لأنها سلطة الفضيلة. هكذا هو الوسط العاطفي الذي تطورت فيه أفكاري حول الحرب. أفكار تلقيتها كلها من الخارج. مفهومة وأتحمل تبعاتها دون أدنى شك لكنني تلقيتها. في سنة 1924 صرت ضد الحرب. بتأثير من الرفاق.
■ ■ ■

لقد أدَّيْت واجبي العسكري بكل السلبية التي كنت قادراً عليها. لهذا السبب كانت تلك الفترة من أتعس فترات حياتي. غير أن هذا أوصلني إلى التعامل مع الحرب من وجهة نظر أخلاقية: فضيلة مُزيفة، إذلال حقيقي للإنسان، بل هي في واقعها تدمير رهيب. ومن هنا، بدأت أرتاب من موقفي الشخصي في مواجهة حرب ما وخلال الحرب. ليس أكثر من ردِّ فعلي ضد حرب ممكنة، علماً أني لم أفكر إطلاقاً في التخلي عن موقعي في الجبهة.
■ ■ ■

إلى حد الآن تبدو لي الحرب نقائض لكل ما أحبه، لكل ما أسميه شعراً. ثم، اكتشفت بشكل خفي شعراً في الحرب. في البدء وبينما أنزلتنا سيارة قديمة وصغيرة في حقول زيتون ليلاً بدلف في إيتيا، كان عندي إحساس أنها سيارة مُصادرة ونحن ضباط بصدد القيام بمهمة، لم أستطع معرفة أسباب هذا الإحساس لكنني أمسكت من خلاله بالروابط الجديدة بين مشهد ممزق، محروم من معناه الهادئ والتأملي، وهذه الشاحنات المملوءة بجنود سوف يقومون بتدميره. شكل من الارتباط في الموت والجثامين.

(*) منتخبات من كتاب بالعنوان نفسه، يصدر قريباً عن منشورات «صفحة 7» السعودية.