نعرف أن بني النجار في المدينة كانوا أخوال جد الرسول عبد المطلب، أو أخوال والده عبد الله بن عبد المطلب في رواية أخرى. لهذا، بركت ناقة الرسول حين هاجر إلى يثرب عند بيت مالك بن النجار، فصار الرسول ضيفه. وبنو النجار من قبيلة الخزرج. وكان أغلب وفد يثرب الذي عاهد الرسول على حمايته في بيعة العقبة من الخزرج. أي عملياً من أخوال الرسول. بذا، فمعرفة عقائد بني النجار في الجاهلية أمر حاسم لفهم بدايات الإسلام ذاته.

أما جد بني النجار، فهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. وكان لقب تيم هذا هو «النجار». وهذا اللّقب حاسم في فهم ديانة بني النجار في الجاهلية، وحاسم في فهم البيئة التي كونت علاقة الرسول وعائلته في يثرب. بالتالي، ففهم هذا اللّقب مهم جداً لفهم بدايات الإسلام عموماً.
وهناك اختلاف في سبب حصول تيم الله على لقبه. لكن هذا السبب مرتبط بقدّوم في ما يبدو. إذ قيل أن تيماً دعي بالنجار: «لأنه اختتن بالقدّوم، أو ضرب وجه رجل بقدّوم فنجره، فقيل له النجار» (ابن حجر، فتح الباري في شرح صحيح البخاري). ويبدو لي أن حكاية ضربه لرجل في وجهه جاءت لتحويل الرواية الغريبة عن ختن تيم لنفسه بقدوم النجار إلى رواية أكثر عقلانية. فرجل يختن نفسه بالقدوم سيبدو رجلاً غريباً طائشاً. لكنني ميّال إلى الأخذ بهذه الرواية، وإلى رؤيتها كرواية أصلية وأصيلة، ذات طابع ديني كاشف كما سنرى.
ورواية ختان تيم لنفسه بالقدوم تعطينا المعلومات التالية:
1- أنّ الرجل كان على علاقة ما بالنجارة، أو بشكلٍ أدق على علاقة بقدّوم نجارة.
2- أنّه مارس الختان.
3- وأنه ختن نفسه بنفسه، ولم يختنه أحد.
وكل هذه المعلومات تُشير إلى ارتباط ما بالنبي إبراهيم، وبالديانة الإبراهيمية. فإبراهيم كان أول من اختتن من البشر، وهو حسب حديث نبوي اختتن بقدّوم، وقد ختن نفسه بنفسه.
إذن، فقد فعل النجار ما فعله إبراهيم ذاته: ختن نفسه بالقدّوم. بالتالي، يمكن القول إنه كان بفعلته يقلّد إبراهيم، أو يتبع تقليداً يشبه تقليد إبراهيم.
وأغرب شيء بالنسبة لي هو أن المصادر العربية كلها تعرف أن إبراهيم ختن نفسه بالقدوم وأن النجار ختن نفسه بالقدوم أيضا، لكنها لا تربط بين الأمرين والشخصين. أي لا ترى في فعل تيم الله فعلاً دينياً يربطه بإبراهيم. ولست أدري لمَ امتنعوا عن الإشارة إليه. ومن الواضح أن هناك أمراً دينياً كان يمنعهم من ذلك. فالقول به قد يعني أن تيم الله كان إبراهيمياً قبل الرسول، أو أنه كان إبراهيم عربياً يثربياً في الجاهلية، وقبل الإسلام.
وليست كلمة (القدّوم) المربكة هي التي منعتنهم من ذلك في رأيي. أي ليس الطيش الذي قد يُفهم منها هو الذي أبعدهم عن الربط بين الشخصين. فقد فهم أن إبراهيم الخليل ختن نفسه بقدوم نجارة عند بعضهم، كما هو الحال مع تيم الله، ولم يبدُ إبراهيم من خلال ذلك طائشاً.
وقد قدّم اقتراحان حول القدّوم في حديث إبراهيم:
1- أن القدوم هو قدوم النجار، أي أنه طراز من بلطة للقطع.
2- أنّ الأمر يتعلق بموضع يُدعى القدوم، وأن هذا الموضع بالشام. بل إن بعضهم أشار إلى قرية (كفر قدّوم) قرب نابلس بفلسطين.
أما عند التعرّض لنجار يثرب، فلم يجرِ ذكر موضع يدعى (القدوم)، إذ افترض أنه ختن نفسه بقدوم النجار، أو أنه نجر رجلاً في وجهه بالقدّوم، أي ضربه وقطعه بالقدوم. وقد استبعدت أنا فكرة نجر رجل بالقدوم لأن قصة إبراهيم الشبيهة تؤيد هذا الاستبعاد. فهي تبدو محاولة لتخفيف مسألة ختن النفس بالبلطة.
ويمكن القول أن مركز تقليد إبراهيم هو الختان، والختان بالقدوم بشكل محدد، عند عرب الجاهلية. والمصادر الإسلامية تؤكد على ذلك بشدة: «يذكرون أن العرب لم تتمسك في الجاهلية بشيء من دين إبراهيم غير الختان وحج البيت. لهذا فكل من اختتن وحج البيت قيل له حنيف» (جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام).
لكنه لم يجر التركيز على (القدوم) لأن لا هذه المصادر ولا غيرها فهمت أمر القدوم جيداً. والحق أن القدوم موضع وأداة في الوقت ذاته. أما القدوم كموضع، فعلى علاقة بشمال السماء، وببنات نعش على وجع الخصوص. لهذا تأخذ بنات نعش شكل قدوم النجار.


لذا، فإبراهيم كنبي ختن في الواقع في بنات نعش في شمال السماء. ولأنه نبي البدء، فلم يختن أحد قبله. لقد كان أول من اختتن. ويبدو أن الختان على علاقة بطقس فتح فم الميت في الديانة المصرية. وهو طقس يقلد فتح حورس لفم أبيه أوزيريس. ويجري فتح الفم هذا بأداة تشبه قدوم النجار.

أداة فتح الفم المصرية وتحتها صورة بنات نعش

وأدناه صورة لطقس فتح الفم للملك الشهير توت عنخ آمون، تظهر بوضوح أداة فتح الفم التي تشبه القدوم.

أداة فتح الفم المصرية وتحتها صورة بنات نعش

وفي بعض الأحيان يصور القدوم على شكل حية، لأن بنات نعش كانت تتبدّى للقدماء كحية في ما يبدو، أو لأن الإله التي تمثله يتبدّى كحية.


بناءً عليه، يبدو أن الختان مرتبط بطقس فتح الفم الديني، أو أن الختان وطقس فتح الفم تقليدان مترابطان. لهذا وصف النبي موسى نفسه أنه (أغلف الشفتين)، أي لا يستطيع الكلام، أو لا يستطيع الإبانة. ومن أجل ذلك أرسل الله معه أخاه هارون رسولاً لكي ينطق باسمه، ويفك عقدة لسانه. ويبدو أن فتح فم الملك الميت، أو الإله الميت، يقتضي وجود رسول، وأن يختن هذا الرسول في ذكره. ففتح فم الملك - الإله هو عملياً تحديد رسول ينطق باسمه. ولكي يقبل الملك - الإله برسول ينطق باسمه يجب أن يكون هناك عهد بينهما. وهذا العهد يتم عبر ختان الرسول، أي عبر قطع جزء من ذكره، بالآلة نفسها التي يفتح فيها فم الملك - الإله، التي هي القدوم. ولهذا ختن إبراهيم، الذي كان خليلاً لله، أي صاحبه، بالقدوم. كما أن تيما اليثربي ختن أيضاً بالقدوم، أي بأداة فتح طقس الفم.
بذا يكون النجار طرازاً من إبراهيم الخليل. أو أنه كان تابعاً لعقيدة تشبه عقيدة إبراهيم الخليل. لكن المفسرين القدماء لم يجرأوا على الربط بينه وبين إبراهيم.
أما نحن فنستطيع أن نربط بينهما ونقول أن تيم الله كان يعتنق ديانة تشبه إبراهيم قبل الإسلام بزمن طويل، أو أنه كان طرازاً من إبراهيم. بذا فديانة إبراهيم لم تأت إلى يثرب مع الإسلام، بل كانت هناك قبل الإسلام، وقبل هجرة الرسول. بل إن إبراهيمية الإسلام ربما تكون قد أخذت من يثرب، أي من أخوال رسول من بني النجار في يثرب.
وهذا الاستخلاص يفتح باباً جديداً لفهم بدايات الإسلام، ويضع الأساس لفهم السبب الذي جعل المدينة تقبل بدعوة الرسول التي رفضتها مكة.
* شاعر فلسطيني