للحروف الأبجدية أسماء يُعتقد على نطاق واسع جداً أنها ابتدعت انطلاقاً من المبدأ الاكروفوني، أي التصويري - الصوتي. وهذا المبدأ يقوم على أنك إذا أردت أن تضع رمزاً لصوت من أصوات اللغة، فعليك أن تبحث عن شيء ملموس يبدأ اسمه بالصوت الذي تريد تمثيله، ثم أن ترسم هذا الشيء كي تصبح صورته رمزاً للصوت المقصود، أي حرفاً. وهكذا، فعندما أراد مَن وضع الأبجدية أن يضع رمزاً لصوت «ع»، بحث عن كلمة تبدأ بحرف العين، فاختار العين البشرية ورسم صورتها، فصار رسم العين هو الحرف «ع». يؤيّد هذا أن اسم حرف «ع» هو «عين»، وهو اسم مأخوذ من العين البشرية. ثم فعل ذلك مع الراء، فاختار رأساً بشرياً ورسمه لكي يصير حرف الراء. بناء على ذلك، فإنه يمكن نظرياً استعادة الأصل التصويري للحروف السامية انطلاقاً من أشكالها وأسمائها. وفي الواقع، حدّد الباحثون الأصل التصويري لجزء كبير من الحروف الأبجدية. فحرف «الألف» يمثّل في الأصل صورة ثور، إذ الثور في عدد من اللغات السامية يدعى «ألف». أما الباء فصورة بيت، والراء صورة رأس، والعين صورة عين بشرية، كما بيّنا أعلاه.

لكنّ هناك عدداً من الحروف استعصى على الباحثين التأكد بيقين من أصلها التصويري، مثل حرف اللام والطاء والتاء وغيرها. وهناك اقتراحات عديدة لأصول هذه الحروف التصويرية، لكنها لا تحظى بالإجماع أو الغالبية. وأنا أودّ أن أقدم اقتراحات محدّدة للأصل التصويري لعدد من هذه الحروف بناء على اللغة العربية، بادئاً بحرف اللام.

الأصل التصويري لحرف الراء
نحرف أن حرف اللام انتهى إلى أن يكون تقريباً مثل حرف اللام الإنكليزية: L مع تنويعات بسيطة. لكن هذا الشكل البسيط نتاج مئات أو ألوف السنوات من التطور. فالشكل القديم أشدّ تعقيداً من هذا الشكل. وعند محاولة البحث عن الشكل الأصلي لحرف ما، يلجأ عادة إلى أسماء الحروف في اللغات العبرية واليونانية والجعزية الحبشية. إذ يفترض أن هذه الأسماء تشير، بشكل ما، إلى هذا الأصل. وحرف اللام بالعبرية يدعى: لامد lamed. أما في اليونانية فهو: لامبدا lambda. والصيغتان قريبتان من بعضهما، ما يوحي أنهما انبثقتا من أصل واحد، رغم أن الصيغة اليونانية تزيد باء على الصيغة العبرية. أما في الجعزية، فاسم هذا الحرف هو: lawe, lawi. وهذه صيغة تختلف بشدة عن الصيغتين العبرية واليونانية. وهو ما قد يشير إلى أنها لم تنبثق من الأصل ذاته.
وبالإجمال، فإن الباحثين يميلون إلى إهمال الصيغة الحبشية باعتبارها صيغة ثانوية، وأنها صيغة ثانوية على وزن اسم حرف الواو: واوي wawi، تشبيهاً واستتباعاً، وأنها لذلك لا تعني شيئاً في اللغة الحبشية. غير أن التسمية بالاستتباع، وعلى الغرار، تقتضي أن يكون الحرفان متتابعَين في الجدول الأبجدي أو قريبين من بعضهما على الأقل. والحال، أن هناك أسماء أحرف تفصل بين الاسمين، وهو ما يشكك في فرضية الاستتباع. على أي حال، فقد ركز الباحثون على الصيغة العبرية (لامد) باعتبارها الصيغة التي تتواصل مع الأصل القديم للاسم، بل باعتبارها هي هذا الأصل، ما يجعلنا نأمل الوصول إلى الأصل التصويري لحرف اللام من خلالها. والجذر (لمد) العبري يشير إلى التعليم (تلمود = تعاليم). كما أن «الملمد» هو المنخاس، بالتالي ربما أشارت «لامد» إلى أداة تدريب للحيوانات طريقة التصرف، أو على مهماز أو منخس. هذا مع أن أقدم أشكال حرف اللام قريب من علامة في الهيروغليفية المصرية يفترض أنها تمثل حبلاً متطوياً في نهايته.
وأنا أختلف مع الفرضيات الأساسية حول الأصل التصويري للحرف، وحول كون الصيغة العبرية هي التي ستقودنا إلى هذا الأصل. فالصيغة الحبشية في ما يبدو لي هي الأقدم، وأنها هي التي بإمكانها أن تقودني إلى الأصل الأقدر التصويري القديم لحرف اللام. كما أن عند وجود معنى للكلمة في الحبشية يشير إلى أنها مستوردة من لغة أخرى. بذا فكلمة «لاوي» يمكن أن تكون قادمة من الجزيرة العربية، ومعناها يمكن أن يحل من خلال اللغة العربية، بناء على ذلك.

حرف اللام والحية المتطوية
ومن أجل فهم هذه الكلمة، يجب بالطبع العودة إلى أقدم أشكال حرف اللام، وليس إلى الشكل الذي انتهينا إليه تاريخياً، كما تمثله الصورة أدناه.


والأشكال الأقدم للحرف تمثل خطاً تتطوى نهايته بشكل حلزوني. وأدناه صور هذا الحرف في عدد من النقوش السينائية التي هي نقوش الأبجدية السامية الأولى في ما يفترض، وعدد من النقوش التي تبعتها زمنياً في فلسطين. وفوق هذه الأحرف صور للعلامة الهيروغليفية التي يعتقد الباحثون أنها الأصل المصري لهذا الحرف، وأنه يمثل حبلاً بنهاية حلزونية.

صور الحروف من هاملتون في «أصل الأبجدية»
وأنا أرى أن أقدم أشكال اللام لا يشير إلى الحبل، بل إلى حية متطوية مترحّية متلوية، أو حية آخذة في التطوي والتلوي، أي حية في نومها وبياتها الشتوي. وخذ نموذجاً لهذا الحرف من نقش «وادي المنايعة» في جنوب النقب في فلسطين إلى الشمال من خليج العقبة. وأظن أن اللام في هذا النقش قد تكون أقدم أشكال حرف اللام على الإطلاق، أو أنها تستعيد أقدم هذه الأشكال.


اللام في نقش وادي المنايعة في فلسطين
النقش غير مؤرخ، لكن استناداً إلى النشاط المنجمي المصري في الوادي، فقد اقترح أن النقش قد يعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. لكن شكل العلامة العين، العليا في الخرطوش الأيمن، وهي تمثل عيناً تشبه عين «واجيت» المصرية الشهيرة، أو «عين حورس» كما تُدعى أحياناً. ورسمها بهذا الشكل ربما يشير إلى زمن أبعد بكثير من القرن 13 ق.م. ويمكن لي أن أقترح القرن الخامس عشر أو السادس عشر قبل الميلاد. كما أن العلامة العليا في الخرطوش على يسارنا، والتي تشبه عينين وأنفاً، فريدة من نوعها، وتوحي بأنها الشكل الأقدم لحرف الصاد أو حرف الفاء.
على أيّ حال، فاللام في النقش هي العلامة اليسرى في المستوى الأدنى في الخرطوش على يسارنا. وأنا أعتقد أن هذه العلامة تمثل حية متطوية. بالتالي، فهي نقيض العلامة التي تمثل حيتَين منسابتين في الخرطوش الأيمن، ويُفترض أن تقرأ نوناً لا ميماً كما اقترح بعضهم، في اعتقادي. واسم الحية في الجعزية هو «نحس» التي تبدأ بحرف النون. بذا فالأصل التصويري للنون هو الحية (نحس في الجعزية، ونحش في العبرية، وحنش في العربية). بذا فلدينا في النقش أعلاه حية متطوية وحية منسابة، الأولى تمثل حرف اللام، والثانية تمثل حرف النون. بذا تكون الحية قد أعطتنا صورة حرفين من حروف الأبجدية السامية.

الأصل العربي لاسم حرف اللام
والحال، أن تطوي الحية في العربية، أي حركة ترحّيها وتكعكها، هو تلويها: «لواء الحية: انطواؤها» (القاموس المحيط). يضيف اللسان: «لِوَى الحية: حِواها، وهو انْطِواؤها؛ عن ثعلب. ولاوَتِ الحَيَّةُ الحَيَّةَ لِواءً: التَوَت عليها» (لسان العرب). وقال شاعر: «ألوى حيازيمي بهن صبـابة/ كما يتلوى الحية المتشرق» (ابن قتيبة الدينوري، المعاني الكبير). والمتشرّق هنا تعني: المتشمس في شمس الشتاء. والفعل المعاكس لفعل التلوي والتطوي هو الانسياب: «وسابَ الأَفْعَى وانْسابَ: إذا خرَج من مَكْمَنِه» (لسان العرب). بذا فالتطوي والتلوي مكوث في المكمن. ومن معنى التطوي والمكوث في الجذر «لوى»، يبدو أن الحية سُمّيت في وقت ما «لاوي» في الجزيرة العربية، فالحية مذكّر عند الغالبية في القواميس العربية أو «لاوية» بالتأنيث. صحيح أن الاسم «لاوي» أو «لاوية» ليس موجوداً مباشرة كاسم للحية في العربية، لكن احتمال أنها سُميت بهذا الاسم في وقت ما ممكن جداً. ولأن صيغة «لاوي» ليس لها معنى في الحبشية بينما هي تملك معنى في العربية، فمن المنطقي أن نحكم أنها مستوردة من العربية القديمة كاسم للحية، ثم كاسم لحرف اللام.
بناء على هذا الاستخلاص، نعود إلى الصيغة العبرية (لامد) واليونانية (لامبدا). ويبدو لي أن من الصعب أن تكون أي من الصيغتين تحريفاً لكلمة العربية «لاوي». لكن من ناحية ثانية، يبدو لي أن الصيغتين مستوردتان من لغة سامية، وأنهما حرِّفتا بعد الاستيراد. ولو أنني حاولت التكهن بالصيغة الأقرب إلى الاسم الأصلي، لرأيت أنها الصيغة اليونانية (لامبدا) لا الصيغة العبرية (لامد). ومن المحتمل أن هذه الصيغة مأخوذة من الجذر «لبد». وهذا يعني أن الميم زائدة في الصيغتين. ولو أبعدنا الميم من الصيغة اليونانية، لصرنا مع «لابدا»، وهذا قريب جداً من «لابده» في العربية. والجذر لبد العربي يعطي معنى التطوي، والتقلص، واللصوق بالأرض: «واللبد: أيضاً الذي لا يسافر ولا يبرح» (الجوهري، الصحاح). يضيف الصاحب: «لبد يلبد لبوداً: لزم الأرض متضائل الشخص... واللبد: اللازم لموضعه لا يفارقه» (الصاحب بن عباد، المحيط في اللغة). ويضيف اللسان: «الأزهري: الملبد: اللاصق بالأرض. ولبد الشيء بالأرض، بالفتح، يلبد لبودا: تلبّد بها، أي لصق» (لسان العرب). واحال، أن اللبود مع تضاؤل الجسم وتقلصه يشبه التطوي. إنه اسم آخر للتطوي. فالحية المتطوية، أي الحية في بياتها الشتوي، تلبد بالأرض، ولا تبرح مكانها. وهذا ضد الانسياب والتموج والخروج من المكمن.
انطلاقاً من هذا، أفترض أنه جرى تحريف الأصل العربي في الصيغة العبرية من «لابد» إلى «لامد». لكن من المحتمل أن الصيغتين العبرية واليونانية أخذتا معاً الاسم عن لهجة فينيقية أُضيفت إليها ميم. وهذا ما يفسر وجود الميم الزائدة في الصيغتين معاً.
بذا فـ «لاوي» و«لابد» كلمتان مختلفتان تعنيان الشيء ذاته. أما الأولى، فهي عربية بشكل شبه مؤكد، في حين أن الثانية قد تكون عربية الأصل أيضاً، لكنها قد تكون أُخذت من لغة سامية أخرى.
* شاعر فلسطيني