يا للبؤس! الآن يقول: أعرف الأشياء/ ويسير مغمض العينين، مصموم الأذنين (رامبو)


حين بدا وكأنه يراها للمرة الأولى، أغلقت الباب.
انكفأت خطوات للوراء قبل أن تسارع للطابق الثاني -كمن تذكر شيئاً للتو- وتفتح نوافذه، حتى تلك التي صدئتْ مزاليجها لفرط ما ظلّت موصدة.
ما إن غمر الهواء المكانَ وخفّف من ثقل روائح شوالات الحبوب المتناثرة في الطابق السُفليّ، حتى هدأتْ قليلاً وبدأتْ تمنح انتباهها لأصوات الصبية في الخارج وهم يُحيطون بالعربة: «عبد ربه.. عبد ربه». كان الجسد نصف المعطوب يتمدّد على نقالة، فيما صاحبه يئنّ «الله كريم.. الله كريم»، وهو يُثبّتُ زنّاره، ويلوّح للهرريين من حوله أنّه سيعود قريباً، بينما خادمه يمسح بقماشة مبلّلة على جبينه، وهو يرفع رأسه خِلسة صوب النافذة، قبل أن يُخفضها مذعوراً. وحدها كانتْ تشعر أنّ رحلته هذه المرة في اتجاه واحد.
ومع هذا، لم تجرؤ على إطالة الفرجة عبر فتحات النافذة الخشبية. كانت تخشى أن تصطدم ثانية بتلك النظرة.
«كنتُ في انتظاره دائماً، لكنني لم أعد أفعل. كففتُ عن تطويع كل أفعالي لمجرد جلب انتباهه. هكذا، ودون سابق عزم، فقدتُ الرغبة في أن يراني. لماذا؟ أعرف تماماً لماذا، ولكن ألم أكن أعرف دائماً ومنذ البداية؟ لماذا الآن إذن؟ ألأنه يرحل؟ أم لأنه كان راحلاً عني على الدوام؟ عني أنا تحديداً، دون غيري، ممن لطالما شملهم بعطفه ورعايته وكرمه وابتساماته، في الوقت الذي لم أُعطَ فيه سوى التجهّم واللا مبالاة، كما لو أنّ الرب قد منحه للجميع سواي. لماذا الآن؟ أظنني تعبتُ أكثر مما انتصرتُ لنفسي».
ترفع عينين فارغتين للمرّة الأخيرة. نظرة أشبه بنظرة جندي سكتتْ من حوله فجأة أصوات القنابل والرصاص، ووسط أرض تحترق، خالية إلا من الجثث. بقي هو ينظر لكنه لا يرى، يتأمل الخراب ولا يعيه، يحاول استرجاع ما جرى ولا يقدر. إنه عالق الآن هنا، في هذه اللحظة التي لا يعرف فيها إن كان منتصراً أم مهزوماً. غير مدرك حتى إن كان ميتاً أو على قيد الحياة. هكذا شعرتْ وهي تُلقي نظرة زائغة على موكب الرجل وهو يبتعد.
«جزء من حياتي يذهب هو الآخر. لستُ بعدُ في منطقة التمييز بين ما إذا كان هذا جزءها الأفضل أم الأسوأ، الأهمّ أم الأتفه، الأثمن أم الأبخس، الأكثر سعادة أم الأشدّ إيلاماً. غير أنني لستُ عاجزة عن الحكم على هذه السنوات وحسب، فلو طُلب مني أن أستعير أوصافاً لحياتي، لن أجد، أن أحكم عليها؟ لن أعرف.. أن أُخرج هذه السنوات من كتلة حياتي لأحكم عليها، دون غيرها، يبدو أمراً باعثاً على السخرية، ولكن ربما لأجل الأمل.. الأمل الذي صاحبها، الأمل بحياة جديدة، الأمل بشخص مجهول، الأمل في الحظّ. الأمل نعم، تلك البذرة السامّة التي قادتني في الأصل إلى هنا، وإلا ما الذي أتى بي؟ ما الذي جعلني أندفع بكامل طاقتي آملة في العلوّ، مثل ساق زهرة ترتفع بوجهها إلى السماء، غير عابئة بما يسقط منها، ولا بتلك الأرض التي مهما ارتفعتْ عنها ستظل جذورها مغروسة فيها. أردتُ نزع جلدي، والرجل الغريب كان أقصى دليل على هذه الإرادة. لو أني تشبّعتُ بالتفكّر في هذا الصليب الموشوم على جبيني، الذي رافقني في كل وقت وفوق كل أرض، لفهمتُ أنها رغبة مستحيلة وساذجة. من استطاع يوماً الخروج من جلده؟».
كانت العربة تواصل الابتعاد يُحاذيها الخادم ويطاردها الصبية، حين استرعتها خشخشة الأوراق التي بدأ الهواء يعبث بها.
خطتْ ببطء حتى استقرتْ قبالة الطاولة، الدواة والدفتر وقطعة القماش المتسخة، وكتب الحِرف اليدوية. لمحتْ مرآتها الصغيرة في الزاوية، على حالها الذي تركته، مشطورة من منتصفها إلى أجزاء كثيرة. تجاهلتْها وحسب. سحبتْ الكرسيّ. ترددتْ قليلاً قبل أن تجلس، وقد تسلّل إليها شعور غامض. لقد شعرتْ بالغربة فجأة، كما لو كانت قد وصلت توّاً إلى هذا البيت، كأنّ يداً قذفتْ بها إلى هنا مثلما يُقذف أيُّ شيء آخر، حتى أنها همّت لوهلة إلى التلفّت حولها، كأنما لتكتشف المكان الغريب، والذي بالعودة إلى الحقيقة كانت تحفظ أركانه وجدرانه وسلاله الدائرية الملوّنة الكثيرة عن ظهر قلب. فجأة تذكّرتْ أمها، بعد رحيل أبيها بسنوات قليلة، في تلك الليلة الشتوية المظلمة، عندما استيقظتْ على صوت نشيج في قلب الليل، وكأنها ليلة الرحيل الأولى. كانت تعرف سبب بكائها ولكن كمحاولة لتعزيتها حدثتها أنها على الأقل بين أهلها ولكن ماذا عنه، لا بدّ أنه غريب أينما حلّ. لن تنسى كيف ضمّت الأمّ قبضتها وضربتْ على صدرها بقوة، لا تلائم الصوت المبحوح وهو بالكاد يخرج: «الغربة هنا.. هنا في القلب».
كان الهواء ما زال يعبث بالورق، فيما هي ساهمة في جلستها تلك. بدتْ عزلاء تماماً في مواجهة أغراضه.
«إنها المرة الأولى التي أقابل فيها كل هذا الحشد وحدي. اعتدتُ طويلاً أن أراقبه من بعيد، جالساً على هذا الكرسيّ، الذي أجلس عليه الآن، مولياً ظهره لي، يغمس قلمه في الدواة بيد، فيما تجوس الأخرى في الرأس الحليق. لطالما عرفتُ من ركني ذاك، متى يفرغ الحبر، كنتُ حتى أدخل في رهان مع نفسي: «الآن.. نعم الآن سيغمس القلم»، وكنتُ أربح في كل مرة، إلى حدٍّ أحببت معه أن ألعب هذه اللعبة، فأتخيل أنني من يمنحه الأمر في كل مرة: اغمس القلم الآن. وقد كان يفعل. أليس من البلاهة لو قلتُ إنني كنت أبتهج بذلك الربح الصغير؟ ولكنّ الغريب ليس في هذا، الغريب أن أقول الآن إنّ تلك البهجة التافهة، المفرغة من كل معنى سوى توهّمي، دفعتني لما هو أبعد، جعلتني أطمح لربح رهان أعلى: الآن سيراني.
لكنني لم أربح هذه قطّ.
قضيتُ الأيام أجرجر أثقال الهزيمة، حتى أشغلتني عن رؤية كل ما سواها، ورحت أستميت لأنتصر، ولو لمرة واحدة، مرة واحدة كانت ستكفيني».
علتْ خشخشة الورق. وضعتْ يدها عليه فسكن. أمسكتْ بالقلم الخشبي وتفحصّته. مرّرتْ إصبعها على مقدمته المدبّبة التي سطّرتْ كلّ تلك الكلمات، لكنها في الأثناء كانتْ قد لكزتْ الدواة فاندلق حبرها على الطاولة الخشبية العتيقة. راقبتْ الحبر وهو يتبع الشقوق ويتفرّع ببطء في كل اتجاه.
لا تعرف لمَ شعرتْ أنّ كل شيء، وعلى خلاف ما يبدو، قد بدأ للتوّ.

سأمضي بعيداً، بعيداً جداً، كمثل بوهيميّ/ عبر الطبيعة- سعيداً كما لو مع امرأة (رامبو)

أصابتْ الحبشية فيما ذهبتْ إليه. ومع هذا فقد فاتها الكثير مما سيبين في حينه، فقد كانت قافلة آرتور رامبو في هذه الآونة تتجاوز سور جُغَل عبر بوابة النصر، وتتحضّر لتذرع الصحراء الدنكالية الممتدة نحو ميناء زيلع، حيث تربض سفينة بانتظار الإبحار صوب مرسيليا. ستة عشر هرريّ يحملون النقّالة المغطّاة بستارة من الجلد المدهون، تتبعهم الجِمال وهي تثير غباراً كثيفًا يُظلّل الموكب ويمنحه جلالاً مهيباً.
ألا تبدو هذه هي الجنازة الحقيقية للرجل، عوض تلك التي ستجري في شارلفيل بعد ستة أشهر من هذا المسير، حين تحتمي سيدتان من المطر بمظلة واسعة، وتتبعان في سكينة، عربة الموتى السوداء الفاخرة نحو مقابر العائلة؟
ماذا إذن عن إغراء حضور جنازته؟ ألا يبدو هذا الخاطر ملائماً لمن قضى العمر لا يُشبه إلا نفسه؟ أم لأنه كذلك، كان يجب أن يُفوّتها، ثم يُخرج لسانه هازئاً في وجهها؟
لكنْ من كان سيقنع رامبو بالإنصات لهذه اللحظة الخاشعة، بدل الانشغال بحثّ الحمّالين المنهكين على تسريع خطاهم، وتهديدهم بحسم تالرات من أجورهم كلّما جنحوا للراحة قليلًا؟
أيُّ أمل هذا الذي يسكن رجلًا يرى جسده يتداعى، دون أن يمنعه ذلك من النظر إلى أيام بعيدة وهي تفي بأمنيات لا تنتهي؟ ألم يخطر بباله، ولو لبرهة، أنّ المشوار الطويل يُشارف على خاتمته، ويُنذر بالانتهاء؟
لكنْ من كان سيقنعه بفكرة النهاية أصلاً، وهو الذي اعتاد السير بلا هوادة حتى لو اضطّره ذلك للمراوحة في مكانه؟ والكلام هنا ليس ضرباً من المجاز، فكثيراً ما شوهد وهو يدور ساهماً بين جدارين حتى إذا اهتدى إلى فكرته تباطأ وقرّ دون أن تتوقف قدماه عن الحركة. هل انتبه الرجل في غمرة هذا المسير، إلى نبوءته القديمة وهي توشك أن تتحقّق، حين كان يهرب من البرد في بلاده، لأنّه إذا ما عاد إلى فرنسا في الشتاء، فسيموت لا محالة؟ هل خذلته ذاكرته، أم الأمل، أم عناده في وجه حياة عصيّة ما فتئتْ تُدير له ظهرها كلما أوغل يطلبها؟ أم تراه انتبه لكل ذلك، لكنّها الحيلة القديمة نفسها، فمتى ما كان ممكنًا أن تبدو الخسارة أقلّ فداحة، فليكن.
حين وصلتْ القافلة إلى أطراف أشجار كومبولشا، توقّف جامي عن مرافقتها. كانت تلك إشارة أخرى فائتة. بدا أنّ رامبو يتساقط بمضيّ الوقت، القدم المتعفّنة، المدينة التي لعنها قبل أن يقع في غرامها، ثم يعاود لعنها من جديد، والآن خادمه المقرّب، والذي ستأتي حكايته لاحقاً، حين أخذ يُلوّح بأسى حتى غاب سيده في المدى، ليعود باكياً إلى هرر.
وفي هرر، كانت الحبشية على حالها، على الكرسيّ نفسه، تتفحّص قلم رامبو بمقدمته المدبّبة وترقب الحبر وقد بدأ يقطر على الأرض، ليحشد مسيراً آخر هناك. خفتتْ أصوات الصبية في الخارج بعد أن تفرّقوا بين ملاحقة العربة، والانشغال بملهيات أخرى. لكنّ الضجيج انتقل إلى رأسها وأعادها لعشرة أعوام خلتْ.
«ضج السوق بورود قافلة تحمل أوروبيّ جديد. من مكاني رأيتُ عشرات الماشية يسوسها رعاة مسلحون ببنادق سان إيتيني المنتشرة في هرر، ودروع من جلد فرس النهر، والرجل، مثار اللغط والغمغمات التي بعثتْ نوعًا من التشويش علا الجوّ فجعله مستنفراً، على حصانه مرتدياً قطعتين من الكتان الأبيض، يُطالع وجوه الأهالي، وهو يشدّ بيديه على زنّاره، ويكاد يلتصق بمترجمه من الذعر، خصوصا كلما مرّ بجواره أحد أفراد الحامية.
الغريب في الأمر ربما هو أنّ هذا المشهد لم يعطني شيئاً على الإطلاق. رؤيته للمرة الأولى لم تبعث فيّ شيئاً. على خلاف ما أسمع في حكايات أخرى عن بصيرة المشاعر، وحين تنطق النظرة الأولى في القلب بما سيأتي على إثرها. ذلك لم يحدث معي. المنظر بأكمله أثار بداخلي الضحك ليس أكثر. لا أعرف هل يعني الضحك شيئاً؟ لكنني بعد أشهر، في بيته، أعدتُ تمثيل المشهد متقمِّصة فزعه وتلفّته يمنة ويسرة في ذعر، ما جعله هو الآخر يغرق في الضحك. صوّرتُ له كيف بالغ في الخوف من الهرريين الذين لم يتبقَ لديهم آنذاك سوى قليل فضول، بعدما سبقه إليهم ثمانية أوروبيين، وفكّوا لحام مدينتهم المقدسة. عندما جرّبتُ تكرار الأمر، حين بدا لي بمثابة الذريعة والمفتاح لجلب اهتمامه، بدأ ضحكه يصبح أقلّ، حتى بات رويداً يكتفي بالتبسّم، قبل التوقف عن الالتفات لي، فكففتُ بدوري عن حكايتي تلك تماماً». لو أراد رامبو أن يستعيد قصة فزعه، لما توقّف كثيراً عند لحظة دخوله هرر، على أهميتها، إلا حين طالع الوجوه المختلفة لجنود الحامية. عدا ذلك فقد لازمه التوجّس طوال عبوره للصحراء الدنكالية، وهو لا يعرف من أين قد يأتيه الخطر، من القبائل الموالية لإيطاليا، أم من تلك التي تمدّها فرنسا بالسلاح نكاية في الإيطاليين، أم من المتعاطفين دينيّاً مع الأتراك وهم يشهدون انحسار وجودهم الإفريقي، أم من البريطانيين الذي يختبئون خلف الإيطاليين ليوقفوا الزحف الفرنسي، طمعاً في مزاحمتهم على الخيرات. لم يكن ليأمن قبيلة، وهو يرى كيف يمكن لفوهة بندقية أن تغيّر وجهتها بين الصباح والعشية. أمّا وقد عبر سور هرر وبلغ سوقها، فقد انقضى جلّ خوفه.
كان موكب رامبو قد مرّ من أمام الحبشية فبانتْ ملامح الرجل أكثر، شعر قصير أشيب، ووجه متيبّس كالمومياء، وعين قلقة لا تكاد تثبت على حال. هاج جمل لفرط ما آذاه الصبية، وكاد ينال من أحدهم بقائمته الخلفية، فنثر التراب الأحمر على بضاعتها المغسولة توّاً، فيما نجتْ بضاعة جارتها التي تفطّنتْ أبكر وغطّتها بالقماش. قامتْ الحبشية تلعن الجمل، وهي تنوي قذفه بحجر، غير أنّ احتشاد الناس في المكان أعاق مهمتها. رجعتْ ساخطة تُعيد تثبيت حجابها، وتفكّ ألْحيَة الموز عن حِزم القات، وتغمس الأعواد المورقة في إناء الماء بالتناوب، قبل أن تُجفّفها بهزّها في الهواء، وتُعيد ربطها ورصّها على سجّادة من الخيش. التفتتْ فإذا الجارة كلثوم تُقاوم كتم ضحكة شامتة، قبل أن تنفجر حين بدا أنّ الحبشية انتبهتْ. حملتْ إناء الماء المتسخ، وتظاهرتْ برغبتها في سكبه على بضاعة جارتها، قبل أن تتوقّف بعد توسّلات كثيرة.
لا تكسب الكثير لوفرة المبذول من القات في السوق، ولأنّ زبونها، بدءاً من إمام الجامع الكبير وحتى لصّ البيض من أقنان الدجاج، بالغ التعنّت في إرضاء مزاجه، فلا يقبل تيبّساً في الأعواد، ولا ميلاً عن اخضرار الأوراق. ومع هذا هي راضية بعملها، بل ومُحبّة له. فلا شيء يُرمى أو يبيت. ما زهد فيه الناس، تدّخره لليالي هرر الطويلة. كل ذلك كان قبل أن تسرق من المدينة ليلها، وتشارك رامبو بيته.
«كانت لرامبو موهبة عجيبة في التآلف مع الناس وإشعارهم بالارتياح في حضرته كما لو كان يعرفهم منذ زمن بعيد أو أنه واحد منهم. لا يمكن نسيان أول يوم وقف فيه أمام بضاعتي، عما قاله لي، وكيف خرجتْ كلماته، بأيّ صوت وأيّ طريقة. لا يمكن نسيان نظراته التي غالباً لا تقول شيئاً، لكنها تمنح الطمأنينة، طمأنينة الشيء المألوف، كما لو أنّ عينه قد وقعتْ مسبقاً على كل شيء في هذه الحياة، كل شيء وكل أحد. لا أنسى ذلك لأنّه أبان لي كيف أنّ الأمل مهما كان صاحبه متفائلاً أو أخرق، لا يكون منبّتاً أبداً. لا يأتي من اللاشيء، هنالك دوماً ما يؤسس له. هنالك من يأخذ البذرة بين إصبعيه ويدسّها في أرضك، بعلمك أو دون علمك، ليس مهمّاً، المهمّ هو ما أشعر به الآن إزاء تلك اللحظة.
كنتُ غضّة وصغيرة، أو أنا هكذا دائماً. وحيدة وبوسع الآمال أن تقودني نحو الخطأ. كان من الطبيعي أن أنجرف مع أول إشارة لطف، وأيّ علامة استحسان. عندما قرر رامبو أن يقرّبني منه، خلتُ أنه اختارني لأكون قريبة منه. لماذا أنا إذن؟ غير أنّ الحقيقة المفزعة التي تبدو لي الآن، كانت أنّ الأمر حصل بالصدفة. تُعلّمك الحياة بعد وقت، أن تُعفي الأمور من تحميلها ما لم تحمله في الحقيقة، أن تكون أنت لا يعني أنّ أحداً اختارك لسبب، قد يكون الأمر أنه كان عليه أن يختار فقط، وبالصدفة كنت أنت، تماماً كما لو كان يمكن أن يكون غيرك. وكان لا بد للوافد الجديد من امرأة تؤنس وحدته ما أمكن، وهذا كل شيء.
من أين لفتاة هاربة من مصير نساء السهل المعروف والمحتوم أن تدرك ذلك في حينه؟ كيف لواحد أن يتخيّل كيف ننقذ صبانا وجمالنا وشغف أجسادنا هناك؟ كيف ننقذ أرواحنا من الذبول وقلوبنا من الانطفاء، بل كيف نُنقذ بطوننا من الجوع، وكرامتنا من الانتهاك قبل ذلك؟ كيف يمكن للواحدة أن تتقي مصير أمها أو أختها والأخريات ولا تتحول إلى بهيمة معصوبة تدور حول ساقية، متخيلة أنها تمضي قُدماً، والحقيقة أنها لا تراوح الدائرة التي رُبطت إليها بوثاق مشدود لا فكاك منه؟ بالهروب فقط، وأنا هربتُ لأحلامي، ولا ألوم نفسي، ولكن ألوم ألفة رامبو الزائدة أول الأمر. ألوم لُطفه حتى القليل منه. وألومه لأنه من حمل البذرة، وهو من جاء بها إلى أرضي، كيف لرجل مثله ألا يحسب عواقب ذلك؟ لكني أعود لأقول ولماذا سيفكر رجل مثله فيما ستشعر به بائعة قات وسط عشرات غيرها؟ لعلّه منحني ألفته، عن غير قصد، مثلما تآلف مع الهرريين جميعاً».
لم يساعد بدء توافد الأوروبيين على هرر في إزالة الجفوة تماماً. لم يكونوا على يقين من قدرتهم على اجتياز السور دون ضرر، ولم تمنحهم المدينة ضمانة معلنة، فاحتفظ كل فريق بما يُكنّه من توجّس، الأهالي من جهة، ومن نجح في عبور السور من جهة ثانية. لم تكن المدينة قد نسيتْ تماماً كيف كان محرّماً على غير المسلمين دخولها، قبل أن يذهب الاضطرار بتلك القداسة إلا من نفوس أهلها. وحتى هذا، لم يدم إلى الأبد.
هذا الاضطرار لم يكن إلا بسبب مينيلك الثاني، ملك شوا، حين ضيّق الخناق على المدينة بغية إخضاعها لسلطته المتنامية، وأخذ يضع العثرات في طُرق القوافل الوافدة إليها، حتى بدأتْ هرر تجوع وتمضي نحو هلاك محتوم، لولا لجوء أمرائها المتأخرين إلى حيلة، حين تغاضوا عن دخول قوافل تضمّ أوروبيين يتظاهرون بإسلامهم، وهم يعلمون أنّ الملك الحبشي لن يتعرّض لرعايا من يمدّونه بالسلاح.
كان الهرريون ابتداء قد تعرّضوا لخديعة من أوروبيّ مهووس بعبور الحدود المحرّمة، حين تخفّى في زيّ تاجر عربي أسوة بما فعل في مكة، فدخل مدينتهم أخيراً، بعد محاولات كثيرة فاشلة. لكنّهم هذه المرة أشاعوا نجاح المحاولات الجديدة، فتجاسر البقية على التجربة. ولما وصل الدور على تاسع الأوروبيين، كانتْ الأمور قد اتضحتْ تماماً، ولم تعد المدينة حصناً مقفلاً تماماً. لكنّه، أي رامبو، لم يلتزم بحدوده كأوروبيّ، فمنذ اتخاذه الطابق الثاني من فرع شركة باردي منزلاً له، وجعل الطابق الأرضي مخزناً لشوالات الحبوب، حتى اعتزل أقرانه الوافدين، وانخرط بين الأهالي، تخلّى عن مترجمه، وأخذ يلتقط الأمهرية من الشوارع كلمة كلمة، كما يفعل الحمَام مع الحَبّ المنثور، ويُضيفها إلى ما عنده، ثم يطوف بقاموسه المتنامي على الباعة والصبية والشحّاذين، يُمازح ويلاعب ويلاطف. لكنه سرعان ما ينكفئ متجهّماً، إذا ما سمع نباح كلب في الجوار، أو أفسد الصغار راحته، فيخرج يطاردهم بالحجارة.
جرّب أكل أمعاء الخراف النيئة، بعد غمسها في الفلفل الأحمر المهروس مع الثوم، كما يفعل الهرريون. وهزّ أكتافه بحبور وهو يقفز، ليجاري الراقصين على أنغام الكرّار في دوائر متداخلة، وزاحم المناكب في حلقات الذِكر أيام المولد النبويّ، وجرّب مضغ القات بتلذّذ. حينذاك كان لقاؤه الأول بالحبشية.
«كان يمشي بشكل خفيف، برأس مائلة تنظر إلى السماء، كمن يدندن أغنية وعلى فمه ابتسامة رضى صغيرة. كان يفكّر على الأرجح، غير أنه وبينما كان مارّاً بي توقف فجأة. عدّل من زنّار كان يحيط بوسطه، محاولاً التيّقن من ثباته، دون أن ينقطع عن الغناء. راح يطالع الأوراق الخضراء بفضول، ثم يرفع بصره لي. ظلّ وقتاً يراوح بيني وبينها حتى خرجتْ من بين شفاهي ابتسامة، عندها مدّ يده وتناول حزمة وقربها من أنفه. وحين تبدّى له جهله بها، توجه إليّ يسأل بالأمهرية عن اسمها. أخبرته عن اسم النبتة المقدسة، فأخذ يعيده ويتدرب على نطقه: «قات.. قات».
أراد معرفة إن كانت تطبخ أم تؤكل نيئة. أعيته اللغة، فاستعاض بيديه. ضحكتُ رغماً عني بينما أحاول عبثاً إفهامه نطقاً وإشارة أنها لا تؤكل من الأساس. كان يكرّر الكلمات خلفي بتركيز يفقده الإمساك بالمعنى. ولما يئستُ أشرتُ لتكوّر فم كلثوم الجالسة حذوي، ومن يجاورها والثالث والرابع.
أخذ يلتهم الأوراق متعجّلاً ملء فمه مأخوذاً بالرائحة العطرية، استمهلته.. فبدأ يمضغ على مهل ما أنتقيه له، فيما الناس من حولنا في ازدياد. لكنّ محاولاته في تكوير فمه ذهبتْ سدى وسط ضحكات الباعة ومن تجمّع بفضول.
ينتابني الضحك من جديد، كأنه حصل البارحة. كأنّ الأيام لم تمضِ وأنّ نهاية ذلك الضحك الكثير الذي ضحكته يومها ليس بكاءً. كانت أمي تحذرني من الضحك الكثير. كانت إذا رأتني أضحك باستغراق تنهرني، ثم ترفع رأسها إلى السماء وتتذلّل إلى الرب أن يقينا شرّ هذا الضحك. لهذا ننشأ نخاف الضحك، نتوقع الحزن بعده، وعندما نحزن نقبل ذلك صاغرين لأنه جزاؤنا، فقد ضحكنا يوماً ما بغير حذر أو حساب. نضحك ونطلب من الرب المغفرة، ويومها أنا ضحكتُ كثيراً، والربّ لم يغفر لي فيما يبدو.
عوض أن يمتصّ ماء الورقة المتفتّتة وحده، كان رامبو يبتلعها على غير إرادته في كل مرة. جرّبتْ كلثوم أن تُعينه، فوقعتْ عينه على سنّها الذهبي الذي يتقدّم فكّها البارز، قبل أن يختار أن يتجاهلها. وما إن كنتُ أنطق حتى يستجيب لي. لكنّ ذلك لم ينفعه، فغادر حانقاً يحمل حزمته. كان ذلك لقائي الأول به. الذكريات تدور حولي كالأفاعي. عندما تتألم من أحد، يصعب عليك بعد ذلك التمييز بين ذكرياتك الجميلة عنه وذكرياتك السيئة. لا أعرف إن كان الجميع قد جرّب ذلك، تلتحم الذكريات عندئذ وتتكور، تتكثّف في منطقة واحدة لتصبح مبعثًا للهمّ فقط، بحلوها ومرّها. السعادة فيها تؤلمك والحزن يؤلمك. كيفما يكون الماضي، الجرح يلطّخ الذكريات بدمائه فلا يعود للسعادة فيها أثر.
يومها نسيتُ أن أنبّهه إلى ما ينتظره في الغد، وهو ما تحقّق، فقد جاء يشتكي من تقرّح في جانب من لثّته، وسط ضحكات شماتة مكتومة من كلثوم التي لم تنس تجاهله لها. لكنّ آلام فمه لم تمنعه من شراء حزمة أخرى، وقضاء النهار يتردّد عليّ، يسألني ويختبر قدرته على تكوير فمه، حتى نجح أخيراً، ففرح كمن أصاب مبلغاً عظيماً. لن أنسى وجهه في تلك اللحظة، كما لن أنسى ذات الوجه في لحظات أخرى، عندما تتبدل الملامح في رمشة عين وتحلّ محلها ملامح أخرى.. لن أنسى".
غدا رامبو كثير التكرار على الحبشية، يغادر مخزنه ضحى، يعبر الأزقة نزولاً صوب الجامع الكبير الذي يتوسّط المدينة، يهرع إليه المساكين المتناثرون على العتبات الحجرية التي تُطوّق الجامع. يتوقّف باسماً ويمنحهم. لكنّه مرات يضيق بهم ويسرّع خطواته، بل ويلعن من لا يكفّ منهم عن ملاحقته. يواصل سيره نزولاً حتى يصل السوق فيتوقّف يتملّى بإعجاب في السلال الدائرية الملوّنة، ويقاوم كي لا يشتري منها مجدداً، وقد امتلأ البيت بها. يعبر سوق الماشية وقد غطّى أنفه، ومنه إلى سوق الجلود، فالأواني، قبل أن يتوقّف قليلًا عند عجوز تبيع القهوة، ولا يكاد يمرّ بها سواه لفرط ما تستغرق وقتًا في كل حركة، غسل الحبوب، وتحميصها، ثم طحنها وإيداعها الإناء الفخاري الذي يتوسّط حفرة جمر نصف مشتعل. كلّ هذا ورامبو يجلس جوراها بصبر من لا مشاغل عنده، قبل أن تمدّ له بيدها المهتزة نافرة العروق فنجاناً يندلق بعضه قبل أن يتناوله، دون أن يُثير ذلك حنَق الرجل.
حين ينتهي من قهوته، ويختم أحاديث ودودة مع العجوز، يمنحها أضعاف أجرتها، فتترك كل شيء وتتجه للقبلة، ترفع يدها عالياً وتتوسّل أن تصفو حياة عبد ربه. كان يستمتع برؤية ذلك في البداية قبل أن يألفه فغدا يتركها في منتصف دعائها، غير آبه بمصير الدعوات. يدلف إلى سوق القات حيث الحبشية وصاحبتها تناكفان هذا وتشتمان ذاك. يجلس قبالتهما ليسأل عن بضاعة اليوم وهو يقلّب بيديه بضاعة الحبشية وحدها، ويتلذّذ برائحتها العطرية. تُبادر كلثوم للرد فتعود خائبة. فعلتْ هذا مرتين، فلما تيقّنتْ من سلوك الرجل أخذتْ تتعمّد تجاهله.
مع الوقت لم تعد الحبشية تنتقي له، صار متزمّتاً في اختيار حزمته، يمدّ يده لينتزع من الأسفل، حيث تُرصّ الحِزم الأجود أولاً. يمضغ على مهل كل ورقة وكأنها الأخيرة، ويُتبعها بالعود الرطب، ولا يغفل المناوبة بين فكّيه يوماً ويوم، بحيث لا يتقرّح جانب إلا وقد شُفي الآخر. لكنه وسط ذلك كلّه، حين سألها مرة عن اسمها، رأتْ في عينيه شيئاً يتجاوز أحاديث القات، فشعرتْ باضطراب في معدتها. التفتتْ إلى كلثوم، فوجدتها تُشيح ببصرها إلى الاتجاه الآخر، وهي تضع يدها على فمها تُخفي بسمة مرتبكة.
«ألماز».
أجابتْ وتشاغلتْ بتثبيت حجابها، ورشّ الحِزم بالماء، وهي ترمقه بنصف عين يهزّ رأسه وهو ينطق اسمها بما يُشبه الإعجاب، قبل أن يميل برقبته
يتبع شابّاً ممشوقاً ومجدول الشعر، بدا وكأنه يعرفه.
تسترجع ألماز كل ذلك باضطراب، فما كان مبعث بهجتها غدا نصلاً يوغل في الخاصرة كلما استدعته الذاكرة.
لا تعرف بالضبط متى بدأت الأشياء في التداعي. حين تستعيد أيامها معه يبدو الأمر وكأنه حدث دفعة واحدة، دون أن يترك لها فرصة لفعل شيء، التوقّف مثلًا، أو الهرب أو الاستغاثة في منتصف الطريق حتى.
ما لا تعلمه ألماز، ولعلها تعلم، أنّ كل شيء سار بالبطء اللازم لتفهم ما يجري على أحسن صورة، غير أنّها اختارتْ ألا تفعل. هل الأمل الكاذب هو ما ضللها؟ وماذا إذا كان خلاف ذلك؟ أي أنّ تغافلها عن الحال لم يكن بداعي الأمل، أي المستقبل، بقدر ما كان بداعي السابقة، أي الماضي. فما دامتْ قد جرتْ أمور جيدة، فلا مانع إذن أن تجري من جديد.
لكنّها، أي ألماز، امتلكتْ جسارة المضيّ، رغم الخسارات، حتى النهاية. هذا وحده أتاح لها أن ترى الكثير من الأشياء بوضوح، لكن بعد أن غدتْ خلفها، وفقد الأمر قيمته.
* فصلان من رواية «رامبو الحبشي» صدرت حديثاً عن منشورات «تكوين»
في الكويت.