تتذكّر يا جسي (1989) «أغنية سليمان» لتوني موريسون، كواحدة من اللحظات الحاسمة التي دفعتها إلى الكتابة. بعد قراءة ذلك العمل بسنوات، أبصرت باكورتها «العودة إلى الوطن» (2016) النور، كما لو أنّها زيارة أخرى أسدتها إلى غانا بعد رحلتها إليها سنة 2009، والتي ألهمت روايتها. جابت جسي تلك الطرقات والمحيطات مراراً، منذ أن انتقلت مع عائلتها باكراً من بلادها إلى أميركا، حيث لا تزال تعيش الآن. وإذا كانت النصوص تتوالد إلى ما لا نهاية، فإن الجغرافيا نفسها لا تكفّ عن بعث الصدمات الأولى.


بالنسبة إلى الروائية الغانية الأميركية، فإن تلك الصدمة تقبع على سواحل أفريقيا الغربية، من حيث أبحرت السفن الأولى المكتظّة بالعبيد، وحيث وقفت بنفسها قبل سنوات أمام سجن قصر كيب كوست في بلادها. محطّات تاريخية ثقيلة حملتها معها الكاتبة الشابة في الرواية التي صدرت ترجمتها العربية بعنوان «عودة الروح» (دار كلمات للنشر – ترجمة أحمد حسن المعيني). هنا، تبني ملحمة عائلية وهوياتية وعرقية طوال قرنين، تعود فيها إلى سواحل غانا القرن الثامن عشر، ومنها إلى أميركا، ومنها إلى غانا مجدّداً. الرواية التي لفتت النقاد منذ البداية، منحت صاحبتها الشابّة مجموعة من الجوائز منها «جائزة pen/ همينغواي لأفضل باكورة روائية»، مقدّمة صوتاً أدبياً معاصراً استثنائياً. برشاقة سردية، تجاوزت جسي السنوات الطويلة الشاقّة. شجرة العائلة الطويلة التي تطالعنا في الصفحة الأولى من الرواية، هي أكثر من جذور تتحدّر منها مع الأختين إفيا وإسي ومصيريهما المنفصلين. إنها ميراث محتّم من البحث عن الهُوية العائلية والوطنية، على ضوء الاستعمار، والعبودية، لتصلها بحركة الحقوق المدنية في أميركا الستينيات، والعرقية المعاصرة. مع هذا الطموح الروائي الهائل بسرد قصّة آلاف الأرواح، لم تخفت القصص والمعاناة الفردية في الرواية. إذ حافظت جسي بحرص على وقع تلك الصدمة الاستعمارية الأولى، حين تضعها في عينَي الطفلة إفيا وهي تحدّق بحذر بالجسد الممتلئ وبالوجه الأحمر لأوّل رجل أبيض تراه.
شجرة العائلة لا تزال حاضرة في رواية جسي الجديدة Transcendent Kingdom التي صدرت أخيراً في بريطانيا (بنغوين بوكس)، بعدما كانت قد نُشرت في أميركا. غير أن الفارق يكمن في العائلة نفسها، التي تقلّصت من أربعة أفراد إلى اثنين هما طالبة علم الأعصاب غيفتي، ووالدتها المصابة بالاكتئاب. توفي الأخ نانا بجرعة زائدة من الهيرويين بعدما أدمن جسده مضادات الألم، فيما استسلم الأب أخيراً إلى رغبته الملحّة بالعودة إلى غانا. لا شكّ في أن توصيف الرواية الجديدة على أنها «رواية عن معنى أن تكون أسودَ في أميركا القرن الحادي والعشرين» سيكون مختزلاً، ومن شأنه أن يتغاضى عن الكثير من الملامح السردية والفنية لهذا العمل. للمفارقة، فإن هذا التوصيف الجاهز، تواجهه جسي على لسان بطلتها غيفتي التي تتوجّس من أن تُلقّب بالعالمة الأفريقية، فيما تطمح فقط بلقب العالمة. سردياً، تراوح أحداث الرواية الثانية بين الماضي الحاضر. إنها ذاكرة قريبة لأفراد عائلة أفريقية مهاجرة تعيش في ألباما في وسط مسيحي. تضع جسي سبلاً كثيرة أمام بطلتها من أجل إخماد الألم واحتوائه، ألم الخسارة والهجرة الأولى والموت والاكتئاب الذي تقترحه أميركا كاحتمال آخر بوجه أبطالها، لتتقفّى الرواية بذلك السعي المتواصل للتعامل مع الخسارة والفقد أكان عن طريق العلم أو الإيمان.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا