نُظر إلى أبي العلاء المعري، بشكل عام، على أنه متمرد عقيدة، وليس متمرداً شعرياً. جرى التركيز على شكّه ولاـــ أدريته الدينية. أما شعرياً، فقد اعتُبر ضمن التيار الرئيسي للشعر العربي، إذا استثنينا حكم فئة من المحافظين، الذي اعتبروا أبا العلاء، إضافة إلى المتنبي، خارج الشعر، كما نرى من هذين المقتطفين عند ابن خلدون: «الشعر له أساليب تخصّه، لا تكون للمنثور. وكذا أساليب المنثور لا تكون للشعر. فما كان من الكلام منظوماً وليس على تلك الأساليب، فلا يسمى شعراً. وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شيء». يضيف: «ولهذا كان شيوخنا رحمهم الله يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة، شاعر شرق الأندلس، لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد، كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج على الأساليب العربية كما مرّ، فكان شعرهما كلاماً منظوماً نازلاً عن طبقة الشعر».


والحق أن لرأي هذه الفئة المحافظة ما يبرره. فالمعري رغم تمسكه بالشكل التقليدي للقصيدة، فإنه لم «ينسج على الأساليب العربية» بالفعل. على العكس، يمكن القول إنه هدم هذه الأساليب من أساسها. لكن لأن هناك من اختصر الأساليب الشعرية العربية بطريقة النظم، أي بشكل القصيدة المكوَّنة من أبيات مقسومة إلى شطرين ينتهي الأخير منهما بقافية وروي، فقد ضُم أبو العلاء عموماً إلى التيار الرئيسي في الشعر العربي، وتجوهل خروجه عن الأساليب الشعرية العربية.
وما زال تقليد اختصار الأساليب الشعرية بالشكل، بالقفص الخارجي، قائماً حتى الآن. فالقصيدة عندنا الآن ثلاثة أنواع: قصيدة عمودية، قصيدة تفعيلة، وقصيدة نثر، ولكل نوع معسكره الحربي الخاص. عليه، فالقصيدة ذات الشطرين تسمى الآن «عمودية»، أي أنها تسير مع «عمود الشعر العربي» كما هو مفترض، مع أن عمود الشعر يشمل في الأساس أغراض القصيدة من نسيب وتشبيب، وارتحال في الصحراء، ومدح وفخر، وما إلى ذلك. كل هذا هو «عمود الشعر»، لا التقطيع إلى شطرين متساويين.
وفي الأصل، فإنه من تقطيع القصيدة إلى شطرين أخذت القصيدة اسمها. ذلك أن التقصيد هو التقطيع: «القَصِيدُ من الشِّعْر: ما تمَّ شطر أَبياته، وفي التهذيب: شطر أبنيته» (لسان العرب). لذا لا يوصف شعر الرجز والهزج بالقصيد: «ابن بُزُرج: َقصَدَ الشاعرُ وأَرْملَ وأَهْزَجَ وأَرْجَزَ من القصيد والرمَل والهَزَج والرَّجَزِ». بالتالي، فالقصيد هو طراز محدد من الكتابة الشعرية لا غير. أما عند الأخفش، فالقصيد هو القول على عدد من البحور التامة: «قال الأَخفش: القصيد من الشعر هو الطويل والبسيط التامّ والكامل التامّ والمديد التامّ والوافر التامّ والرجز التامّ والخفيف التامّ، وهو كل ما تغنّى به الركبان، قال: ولم نسمعهم يتغنون بالخفيف» (لسان العرب). وهكذا، فقطعة رجز للعجاج لم تكن تسمى قصيدة، لأن مصطلح قصيدة لا يتحدث عن الشعر بل عن الشكل، عن القالب فقط. وهذا يبطل حجة الذين يجادلون أنه لا تجوز تسمية ما يُكتب نثراً على أنه قصيدة. فشعر التفعيلة أيضاً خارج إطار «القصيدة» بالمعنى الأصلي للقصيدة. كما أن الموشح يقع خارجها أيضاً، وهكذا. فالقصيدة عند العرب قالب محدد يُحشر فيه الشعر، أياً كانت درجة الارتباط بين الشكل والمضمون.
نُظر إليه، بشكل عام، على أنه متمرّد عقيدة، وليس متمرداً شعرياً


أبو العلاء تمسك بشكل القصيد، أي بشكل الشعر العربي الأساسي. أكثر من ذلك، لقد ضاعف من قيود هذا الشكل. فقد ألزم القصيدة في ديوان «لزوم ما لا يلزم» بقيود شكلية لم تكن ملزمة لها. لقد رغب لها أن تكون قفصاً محكماً ومتقناً. هذا يعني أنه لم ير في الشكل عائقاً أمام ما يريد من الشعر. بل لعله رأى في تشديد القيود الشكلية سلّماً للوصول إلى الشعر. أي بدا له وكأنّ الطائر لن يغني حقاً إلا إذا كان داخل قفص مكتمل ومحكم. القفص هو الحرية إذن من وجهة نظر أبي العلاء في ممارسته العملية. لقد كان يحكم قفصه كي يحكم شعره. القفص ليس قيداً، بل حرية. فهدف الشاعر أن «يأسر الأرض والسماء داخل قفص الشكل»، كما قال لوتشي الشاعر الصيني القديم مرة. أما القفص الرخيّ، فهو الذي ينتج شعراً رخيّاً عنده، في ما يبدو لي.
بذا يمكن القول إن الثورة الشعرية التي أحدثها أبو العلاء المعري قبل أكثر من 800 سنة تسير عكس الثورة الشعرية التي بدأت حوالى منتصف القرن العشرين، وظلت متواصلة حتى الآن. الثورة الحديثة كسرت الشكل القديم، وخفّفت من عبء القيود علها تصل إلى الشعر. أما ثورة أبي العلاء، فلم تكسر عنق الصنم القديم، بل عبدته، وقدمت له الأضحيات. مع ذلك، فلم تكن ثورته أقل جذرية من أي ثورة أتت بعده. بل لعلها كانت الثورة الأعمق والأكثر جذرية مقارنة بما قبله وما بعده.
لكن يبدو أن المحافظة على الشكل، بل وتقويته وتصعيده، هي ما جعلت الآخرين يحتملون ثورته ويغتفرونها له. التأكيد الصارم للشكل كان محاولة لتمرير الثورة الجذرية، بحيث يبدو وكأنّ الأمر لا يتعلق بثورة، بل بتغيير أو إصلاح طفيف. ولو أن أبا العلاء حطّم الشكل مع تحطيم الأسس والأنسجة، لما كان أحد احتمل ثورته.
ويجب القول إن أبا العلاء كان يعي ثورته الشعرية. أي أنه لم يكن يثور بفطرته من دون فهم عواقب هذه الثورة وحدودها. وقد عبّر عن هذا الوعي نثراً بوضوح، وإن باختصار وتكثيف. فقد أعلن في تصريح له أنه رفض الشعر. وقد فهم من هذا القول أنه يرفض الشعر كله: «وقد كنت قلت في كلامٍ قديم إني رفضت الشعر رفض السَّقْبِ غرْسَه والرأل تريكته». والمعنى: أنني رفضت الشعر رفض ولد الناقة لقناع مشيمته بعد ولادته، وفرخ النعامة لقشرة بيضته التي غادرها. لكنه أوضح أن ما قصده إنما رفض أساليب الشعراء في عصره وطرقهم لا الشعر ذاته:
«والغرض [من قولي ذاك هو رفض] ما استجيز فيه الكذب، واستعين على نظامه بالشبهات. فأما الكائن عظة للسامع وإيقاظاً للمتوسّن، وأمراً بالتحرر من الدنيا الخادعة». يضيف: «وقد وجدنا الشعراء توصلوا إلى تحسين الكلام بالكذب، وهو من القبائح، وزيّنوا ما نظموه بالغزل وصفة النساء ونعوت الخيل والإبل وأوصاف الخمر، وتسببوا إلى الجزالة بذكر الحرب، واحتلبوا أخلاف الفكَر، وهم أهل مقام وخفض في معنى ما يدعون أنهم يعانون من حثّ الركائب وقطع المفاوز ومراس الشقاء».
وهكذا يتضح بجلاء أن أبا العلاء يرفض الأساليب التي يلجأ إليها الشعراء للدخول إلى الأغراض الشعرية كما رسخت في التقليد الشعري حتى عهده. فالكذب هنا ليس خُلُقاً فقط، بل طريقة محددة في الكتابة. طريقة تبحث عن تهييج الشعر بأغراض محددة. وهو يرفض هذه الأغراض رفضاً مطلقاً. فلا غزل عنده بعد، ولا وصف للنساء، ولا نعت للخيل، ولا حرب، ولا عبور صحارٍ قاسية صعبة. فكل هذا حيل من أجل الوصول إلى الشعر. كل هذا كذب. وهو ليس كذباً أخلاقياً، بل كذب فني كذلك. وهو لا يريد هذه الحيل الكاذبة. إذ هو قادر على الوصول إلى الشعر من دونها.
لكن عليَّ أن أقول إنّ أبا العلاء كان يخلط بشكل ما بين التحرر الفني الشعري وبين التحرر من الجشع والمطامع الدنيوية. ذلك أن الشعر في تلك الفترة كان يمزج بينهما. فقد ارتبط التمسك بـ «عمود الشعر» عند الشعراء بالتكسب وبالمطامع الدنيوية بشكل لا فكاك له. لذا فقد اختلطت في ذهنه ثورته الفنية بثورته الزهدية الشخصية، وبدا له أن ما يفعله إنما هو نوع من «التحرر من الدنيا الخادعة». لكنه كان يفعل ما هو أعمق من ذلك بكثير حين تخلى عن أساليب الشعر.
على أيّ حال، فقد برّ أبو العلاء بوعده، وابتعد عن تكلفات الشعراء وأغراضهم. فليس في اللزوميات أغراض شعرية. ليس فيها غزل ولا نسيب ولا مدح ولا هجاء ولا فخر ولا حرب ولا وصف نياق ولا رحلة في الصحاري، ولا غير ذلك من أغراض الشعر والشعراء. وهكذا أطاح أبو العلاء بضربة واحدة فقط بأعراض الشعر العربي كلها. هناك فقط غرض واحد: ورطة الإنسان في الكون والحياة، ومحاولة تدجين الموت، وتأليفه. والإطاحة بأغراض الشعر تعني الإطاحة بعمود الشعر العربي من أساسه. من أجل هذا وضعه شيوخ ابن خلدون خارج إطار الشعر العربي: «كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج على الأساليب العربية كما مرّ، فكان شعرهما كلاماً منظوماً نازلاً عن طبقة الشعر».
وهكذا فقد قبلوا بنظمه ولم يقبلوا بجوهر شعره. لقد أدركوا لعبته. فنظمه سليم، بل مضاعف في سلامته، لكن جوهر شعره خارجي وغير مقبول، وهو يطيح بأسس الشعر العربي كلّها.
* شاعر فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا