واحدة من الصرخات في وجه السياسات الفلسطينية السائدة تصل في كتاب ظافر الخطيب «الحقيقة الفلسطينية وغياب العقل الفاعل» (دار المصور العربي). حوار واقعي مع الواقع. هكذا أراده مؤلّفه. كلام ضدّ كل ما هو خيالي في الحياة الفلسطينية في المخيمات والمواقع الأخرى، حيث تحلق السلطة والفصائل الفلسطينية بعيداً من أنفها وعلى أنف المواطنين. لا عصارة عند هؤلاء.


هذا ما يوحي به كتاب لا يرغب صاحبه إلا التحرر من أصفاد الجهات. لا جهة وراء ظافر الخطيب. جهته خدمة مواطنيه في لبنان ودول المهجر، حيث يبدون كأصابع طويلة تناضل، كل يوم بيومه ضد كل أنواع الجاذبيات. لا تسلل. كلام صريح في مجموعة من الفصول المتفاصلة، المتواصلة، الصارخة في حنجرة الوجود. لن يهمل الرجل الشغال على خيم الزراعة والمطابخ الشعبية في منطقة صيدا لا الأحماض الوراثية ولا الأرقام السرية للفلسطينيين. من يحاولون تخفيف القضبان حولهم، مقيمين وعابرين التقاطعات ضد الاختفاء. يبدأ من الذات الفلسطينية وينتهي بالسردية الفلسطينية بين الاختفاء والتبلور. بين العنوانين العناوين الكثيرة الأخرى، في فصول برقية. الاستراتيجية الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني والمقدّس والأسئلة التاريخية والمراجعات والتراجعات والاعتلال الذاتي والعوامل الموضوعية للاعتلال هذا وصولاً إلى طرح منهج نقدي جدلي، لن يفوت الكلام على الديمقراطية والأنا الغالبة والبطولات المسيطرة والعلاقة الطردية بين الإشعاعات الإيجابية والشحنات السلبية وغياب المعايير.
لا يفضّل الكاتب السكون. يقفز فوق الجدران دفعة واحدة إلى نقاش المعضلات الفلسطينية وارتداداتها على مدى عشرات السنوات الماضية، بحماسة لا تخفي بعض الحزن وتضرب الأوهام الفلسطينية بالأندية الفلسطينية بالتاريخ والجغرافيا. إلا أن ظلام الفلسطينيين كلام طويل، بحاجة إلى الإضاءات العادية أولاً، ثم إلى نشر الأبواب بحثاً عن وجود الفلسطيني في بيوت الريح في المخيمات. ولأن طموح الخطيب طموح محدق، لا يعود بالكتابة خطوات قدر ما يتقدم بالكتابة خطوات على قدرة الفلسطيني العادي على قراءة ملامحه في فصول كتاب الخطيب، لأنه يهمل اللعب على البراءات الأولى في مصلحة لدغات لا حاجة لها إلى أن تفصح عن ريباتها، ما دامت الأخيرة أجمل علامات الكاتب. من يعرّي الفلسطيني من قواه حين ينجز كتابه على التبرؤ من اللغة العادية في مصلحة لغةٍ تجد في براءة «الآخر» براءة قاتلة. لا يحبذ الخطيب البراءة، هو الكافر بالأعذار والأحوال والمآل، ما أثقل عليه وأحنى ظهره من قوة ما يكفر به على ظهره.
نقاش المعضلات وارتداداتها على مدى السنوات الماضية


بحواره مع «الآلهة» يضحي المؤلف واحداً من القضاة وهو يرافع بلغة ضد دورات الكذب العظيمة. إلا أنه في تحسّسه الواقع الفلسطيني، يتنفس هواءه وحده لا هواء الفلسطينيين العاديين، في لمحات لا تخاطب قدر ما تناظر وتثاقف، بحيث تبدو كأنها تنسج حضورها على الخيال لا على الواقع على شاشة الوجود العملاقة. كل الطرق عند الفلسطيني تنقذ الفلسطينيين. هذه الكائنات المدشّنة حياتها بمضغ ظلالها الممزقة، المتطايرة من حجرات النبض السري للقضية الفلسطينية. كل الطرق طرق إنقاذ. هذا ما يدور في باب ظافر الخطيب. إلا أنّ ما في باله يواجه يقين استحالة الوصول إلى الجمهور، لأن طرح الخطيب لا يصافح الحياة مباشرة، إذ يستبدل المصافحة هذه باستعمال لغة ملتبسة ولو أنها لغة لا تخادع. لغة غير مخادعة، لأنها تصدر من سقف الأيديولوجيا لا من سقف القلب. حكٌّ لظهور النجوم في الأعالي، لا اتباع خطوط البشر أو الناس العاديين، حيث يتظهّر الكتاب منفجراً لا محاوراً، بلغة تقع في حدود الطلاسم المسحورة بالفرار من الظلال الممزقة إلى الوقوف على ساقين سوف تجدان مساحتهما في المعابد السياسية للفلسطينيين، وهم يتظهّرون في الصرخات الموقوتة والسكنى تحت الأرض لا فوقها في الشروط التعجيزية المفروضة عليهم في لبنان. يرى الخطيب في الأمر الأخير غيمة على نافذة، وهو ليس على حق في ذلك لأن الخوف دم لا يسيل. الفلسطيني خائف في بلد يخاف ناسه عليه بعدما رأوه يرتد عن امتداده السابق من البحر إلى الجبل ومن الجبل إلى البحر. قضايا الفلسطينيين اليومية مجهولة في «الحقيقة الفلسطينية» لأنها لا تفيق في أسطورة الكتابة الكواكبية، أي كتابة الكوكب للكوكب. وطالما أن الأمر حوار كواكب، يقف الفلسطيني على الأرض تحت حوار أو صراع الكواكب حيث يموت مئة موتة في النهار الواحد، لأنه يشبه أي شيء، سوى الكواكب المتحاورة، المتصارعة، المتناحرة. كأنه كلام في بطن الحوت على أهميته الفكرية. إلا أن ما يحتاج إليه الفلسطيني العادي المفروشة حياته على الرمال الحارة حتى في الفصول الباردة، كلام لحظة لا كلام يقفز فوق حدود اللحظات، طائراً فوق جلده بحفيف الكتابة على كلمات الكتابة المجنّحة.
معضلة الكتاب، طرحه المجنح، كلماته المجنحة، رمشاته المجنحة، بدون رغبة في تحديد المساحات والمسافات، مساحات يقف عليها الفلسطيني (ابن البلد) لا الفلسطيني الواقف على جزيرته السياسية. هكذا يفقد الكتاب شيئاً ذا قيمة لا تُنسى. قيمة رسم الصورة بالطريق إلى القراءة خلف الفترينات القيادية. سيخرج المشهد العرض من المشهد، لأن الأخير مصنوع من اللهب الآدمي، حين أن العرض الفكري/ المنافخ والمثاقف، يسايف ملوك المجد والشياطين والأنبياء بلغة لا تهتاج إلا باستقرار صاحبها على فكرة أن المحاكمة ستُضيق الدرب على الآخر، بحيث يغدو في حجم شعرة من كشف سيئاته، ليموت بدون قدرة على الانبعاث. تسريب معتقدات جديدة، على فكرة أن العالم عالمان: عالم أعلى وعالم أدنى. من يسكن الأخير هم الجيران في مؤلف الخطيب، حين أن سكان العالم الأول هم الخلان من يقفون على الميزان في كلام الخطيب. صراع بين الخير والشر، بل أكثر. صراع مفتوح لأهورا مزدا الإله الممثّل للقوى الخيّرة والضياء والنظام في لغة متعالية على اليوميات. صراعه ضد أهريمان الإله الممثّل لقوى الشر والظلام والفوضى. صراع بين الآلهة الجليلة. إله يقتحم ممالك نحاس الآلهة القديمة، بهدف تحرير المأسورين بإنارة شعاب الموت المظلمة.
لا يخفق المواطن/ الهدف الدائم في الشرايين. إنه محيد، مسحول بالكلام العالي فوق عتبات الضحايا الحجريين، كما يتصورهم من يقرأ ظافر الخطيب، ما دام حلمه أن يعبر الشوارع لكي يطبع حضوره على النوافذ العالية للحياة الفلسطينية. النوايا مضيئة، لا شك في الأمر. إلا أنها خفايا الأدمغة تعبر فوق هواء الهواء الفلسطيني، لا لكي تحول الأرصفة إلى وسائد، لكي تحول الفلسطيني إلى ندف لحم في الصراع القائم بين النخب الفلسطينية.
لا يداخل الفلسطيني العادي في كلام ظافر الخطيب، لأن لا قدرة له على المداخلة. حياته ليست في الكتاب. ما في مؤلف «الحقيقة الفلسطينية» ستائر مرفوعة على الكوابيس الفلسطينية، طالما أن الكاتب يلوح لدهشة القارئ لا لدموع الفلسطيني المتجمّدة على خدّيه ولا لذكرياته الأشبه بالأمطار القديمة. ثمة أشياء جذابة، غوايات، طرق على أحواض من دخان، لا على الجرائم اليومية المرتكبة بحق الفلسطينيين. متعال لا غامض، يقتات من ضجة الخطى في المجال الفكري لا من صدى الوجع الفلسطيني المباشر. حفر هوة في جدار، لا نافذة. لن يسمع أحد رف مفتاح سجن الفلسطيني، حين يقضم الكتاب واللغة الصرخات وهو يتحول إلى إسفنجة تمتصّها وهي تسمع صراخها من ألم المسافة بين المخاطب والفلسطيني العادي ومن الدوّامة السارحة بين المخاطب ومن اخترعوا حضورهم على سهوب الفلسطيني الأشبه بالزبد.