1- قُبلة مستعادة

أنا في الواقع
رجلٌ يدفع أمامه عربةَ جوز
وفي الأسطورة الرجلُ الذي يصنع الصّاعقة.
يتقارع الليلُ والنهارُ في بيتي كأسيهما
ويقرضان ساعاتي،
وأنا أحلم بقدم رطبةٍ وخلخال
بقُبلةٍ مستعادة
بيوم طويل في الجبل
بحقيبة منسيةٍ في مقصورة قطار
بضوءٍ رفّ في نافذة قديمة
بوجه مرَقَ من درب طفولتي
بيدٍ سحبت يدي إلى شبابها ثُمّ إلى النّسيان.

محمد المليحي ــ بدون عنوان (أصباغ نباتية على خشب، 1979)


2- تختنق الكلمات في فمي
بقلادةٍ من نحاس
وجينزٍ مُمزّقٍ عند الرّكبتين
أجلسُ على الرصيف
قُبالةَ كنيسةٍ قديمة
أغمض عينيّ وأغني
أغني وحيدا
ويرتدّ صوتي في الخراب.
أعزف إلى أن تتجرّحَ أصابعي
وتختنقَ الكلمات في فمي.
إلى أن تفزعَ طيورٌ في هدأتها
وتدنو مني الكلابُ والهررة
وترنو إليّ كما لو أنّنا أشقّاء.
إلى أن يرتجفَ الحبّ القديمُ
في قميصي
ويبتلّ معطفي بالدّموع.
حينها سألملمُ حنيني
أحضن القيثار بحرارةِ أب
ثمّ أختفي بين الدّروب.

3- يُسمّونها حياة
كأنها رسالة قصيرةٌ
تركها عاشقٌ متعجّلٌ بين دفّتيْ كتاب
كأنها غيمة عبرَت ليلَ القريةِ
ولا أحد رآها.
كأنها ارتعاشةُ ضوءٍ في فنار
كأنها تلويحةُ جنديّ يموت
لرفاقه الهاربين.
كأنها ضربةُ فأسٍ بيد حطّاب
كأنها صفعةٌ على خدّ طفل
كأنها موجة
كأنها برق
هذه التنهيدةُ
التي يسمّونها حياة.

4- مطر قديم
[إلى عبد الإله الصالحي]
أشبكُ أصابعي على شكل قفص
وأضع حياتي هناك.
في سيتي لايتس قبل تسع سنوات
جلستُ على كرسيّ في غرفة الشعر
فتحت كتاباً لبوب كوفمان
الزّنجي الذي ألقى قنبلةً
في غابات كاليفورنيا ومضى.
من صفحة في الكتاب
لوّح لي بيدِ متعبة
سحب كرسيّاً كان بجانبي
وضع قدماً على قدم
وجلس يشمّسُ الحنين.
-أين مطرك القديم يا بوب كوفمان؟
لمَ أنتَ صامت وحائرٌ
وتخفي وجهك في معطف؟
- إنني أسمع الجاز
وأفكر في جون كنيدي.
المطر غزير في بيتي
لذلك أسير في الشارع بلا مظلّة.

5- كرسي في شارع مهجور
أجلسُ الآن قُبالةَ صفّ طويلٍ
من السّاعاتِ المُستعادة.
الصمّتُ نَديمي
والقلقُ كرسيّ من الإسمنت
في شارعٍ مهجور.

6- رمال يا رمال
هل ناديتكِ يوماً أنا الحادي الذي بلا قافلة؟
إنه ناي قديم بين يدي راعٍ يائس
هو الذي يحفر هذا الأخدود.

رمال يا رمال
وصلتُ إليك هادئاً
فأنا والألم
كنا نرقص التانغو في بيتي
لكني تعبت فصفقت الباب.
اجتزت جسراً تهاوى خلفي
وربتُّ على رأس الوحش النائم في السهوب.

لا بأس أيها الألم
سأزرعك في أرض تعبر فوقها الغيوم
لتعلو مثل شجرة.
أما أنا فهادئ على الدوام
أقود أيامي إلى ظلها
وأمدح الكهف.
نحيبي غناء
وابتسامتي صليب.

رمال يا رمال
إني أنتظر أن تغرب شمس
أو تهب ريح وتخفيني تحت كثبانك.
أنا الرجل الذي يمسك بالمدية
كما لو أنه يمسك بحبل نجاة.

7- لا بأس أيتها الكلمات
لا بأسَ أيتها الكلمات
لكِ أن تعصفي بهؤلاء الحمقى
الذين طال بهم اللّيل في معابدك.
لك أن تواري شمسا في جارور.

* آسفي/المغرب

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا