صدر أخيراً عن «راندوم هاوس» البريطانية العريقة، كتاب The Price of Peace: Money, Democracy, and the Life of John Maynard Keynes للكاتب زاكاري كارتر، وهو مراسل HuffPost، حيث يغطي أعمال الكونغرس والبيت الأبيض والسياسة الاقتصادية. يندرج العمل ضمن كتب السيَر التي تتناول حياة جون مينارد كينز (1883–1946) أحد أبرز رجال الاقتصاد في التاريخ، لكنّ كارتر حاول أن يشير إلى ما وصفه بالإرث المفقود لأحد أروع عقول زماننا. فكينز له مجموعة من الأفكار حول الديمقراطية والمال والحياة الخيرة التي يمكن أن تسهم في تحسين البيئة العالمية الحالية التي تتميّز بعدم المساواة وسياسات القوة والاستقطاب.

منذ المدرسة الداخلية، كان مينارد، لا يُظهر اهتماماً كبيراً بالحياة العاطفية. لكن فجأة في سن الثامنة والثلاثين، وقع في حبّ نجمة الباليه الروسية ليديا لوبوكوفا. كتب إلى صديقه ليتون ستراشي: «أنا غارق في حبي - شعور مروع - وبالكاد يمكنني التحدث عنه». بالنسبة إلى المقربين من ماينارد في منطقة بلومزبري المثقفة في لندن، لم يكن لهذا الافتتان أيّ معنى. فقط شعرت فرجينيا وولف بالذهول من فكرة أن ماينارد أصبح عاشقاً. فلسنوات فضّل العلاقات المتقطّعة.


لم يكن الجنس والعاطفة سوى جزء من الصدمة. كان مينارد رجل دولة، اقتصادياً مرموقاً ومسؤولاً سابقاً في وزارة الخزانة. نال شهرة كبيرة بين طبقة المصرفيين في مدينة لندن والأرستقراطيين الذين تابعوا عمله على صفحات الأخبار المالية. لم يصدق هؤلاء آذانهم عندما سمعوا أن كينز العظيم قد وقع في الحب، على حدّ تعبير إيرل. كانت راقصة الباليه الروسية ليديا لوبوكوفا من خارج عالم مينارد. ابنة طبقة دُنيا نُظر لها باحتقار، وقد نقدت فانيسا بيل‏ الرسامة البريطانية، وهي شقيقة الكاتبة فرجينيا وولف سلوكيات راقصة الباليه، وخصوصاً في تجاذبها وحديثها مع الخدم في المنزل.
لكن ليديا أذهلت مينارد. فقد كان ذكاؤها حادّاً مثل أطرافها. شاهدها وهي تؤدّي رقصة في باليه «الجمال النائم» لتشايكوفسكي. وكان قد زارها خلف الكواليس، ودعاها لتناول الغداء، وبقي في ساعات الصباح الصغيرة يضحك على نكاتها، واستأجر لها شقة في نفس ميدان لندن حيث شقته... كل ذلك في غضون أسابيع قليلة.
بالنسبة لماينارد، لم تكن مجرد «راقصة» ولكن فنانة، تتقن المعجم الثقافي الرفيع الذي يربط بين سانت بطرسبرغ وباريس ولندن ونيويورك. على الرغم من أن رحلة قصيرة إلى الهند مع وزير في الحكومة البريطانية أتاحت له فرصة لتهدئة مشاعره الجارفة، لكن مينارد وجد نفسه غير قادر على الانفصال. وألغى فكرة سفره مرة أخرى وأخذ ليديا لمشاهدة معالم المدينة حول لندن في سيارة مستأجرة بدلاً من ذلك. وقد اعترف: «أنا في محنة سيئة للغاية، تبدو لي مثالية في كل شيء».
بالنسبة إلى ماينارد، كانت راقصة الباليه الروسية الساحرة أكثر من مجرّد فنانة موهوبة ثرثارة. كانت تجسيداً حيّاً لمثالية اعتقد أنه فقدها عند اندلاع الحرب العظمى. كانت الحرب قد حطمت أيّ وهم إجتماعي. ويبدو أنّ تداعياته المريرة الممزقة تُظهر أن السنوات الذهبية لشباب مينارد كانت أكثر بقليل من عمليات تحويل تافهة للطبقة المخملية البريطانية في ذروة الهيمنة الاستعمارية البريطانية. الآن، وللمرة الأولى منذ سنوات، قدّمت ليديا أملاً لمينارد - ليس التفاؤل الاحتمالي المجرد الذي يحمله عادةً، لكن أملاً قوياً شبه ديني - بأن الحلم الذي عاشه عندما كان شاباً يمكن أن يتحقّق مرة أخرى. بغض النظر عن الثأر الذي قد يسعى إليه قادة أوروبا، فإن الحبّ الجامح المستحيل بين ليديا ومينارد كان دليلاً على أن العالم كان مليئاً بالإمكانيات الجميلة. تحت الإمبراطوريات القبيحة والذليلة للمال والسياسة، كانت توجد إمبراطورية أعمق وأكثر قوة من الأفكار التي تنتظر توحيد البشرية عبر الحدود واللغات.
كانت حياة جون ماينارد كينز مليئة بنقاط التحول. قلّة من مواطني القرن العشرين أعادوا اكتشاف أنفسهم بالانتظام الذي فعله كينز على مدار ما يقرب من ثلاثة وستين عاماً. لكن الازدهار غير المتوقّع لعلاقته الرومانسية مع ليديا لوبوكوفا، كان بمثابة المنعطف الحاسم الذي جعله قوةً في تاريخ الأفكار. عندما انفصل كينز أخيراً عن ليديا لبضعة أسابيع في نيسان (أبريل) وأيار (مايو) من عام 1922، كان من المقرّر أن يبدأ في مشروع جديد، كان بدوره مفاجئاً مثل اندلاع حبه، وسيجعله أهم اقتصاديّ في زمانه.
في ربيع 1922، كان كينز متوجّهاً إلى إيطاليا لحضور مؤتمر جنوة الاقتصادي والمالي الذي ضم 34 دولة، ويستعدّ لكتابة أول عمل عظيم له في النظرية الاقتصادية. وكان يأمل في ترميم مكانته كمستشار لرجال النفوذ في أوروبا. لقد كانت تجربة مهنيّة وُلدت من الضرورة. فقبل أقل من ثلاث سنوات، طُرد كينز من قصر «وايت هول» (مقر حُكم ملوك بريطانيا) ومِن البرلمان بسبب نشره مواقف مُعارضة لمعاهدة فرساي، رافضاً شروط السلام في نهاية الحرب العظمى. ومشيراً إلى ما أسماه «العواقب الاقتصادية للسلام» (وهو اسم كتاب نشره في 1919) متوقّعاً أن الترتيبات المالية للمعاهدة ستدفع أوروبا إلى الخراب الاقتصادي والديكتاتورية والحرب، وصدقت آراؤه لاحقاً باندلاع الحرب العالمية الثانية.
وقبل بدء الحرب العالمية الثانية، تحوّلت هذه الرواية القاتمة المعنونة بـ«العواقب الاقتصادية للسلام» إلى أكثر الكتب مبيعاً على مستوى العالم، حيث قفزت بمينارد إلى مكانة النبلاء الأوروبيين ونجوم السينما الأميركية. على مدى السنوات الثلاث التي تلت ذلك، ارتفعت سمعته إلى مستويات أعلى حيث بدأت كتاباته تتّخذ هالة من النبوءة: فالبطالة القاسية غذّت الإضرابات العمالية في بريطانيا، وعمّت أعمال الشغب في جميع أنحاء إيطاليا، وبدأت موجة من الاغتيالات السياسية في ألمانيا.
لم ينتهِ عمل مينارد عندما حزم الدبلوماسيون حقائبهم وعادوا إلى أركانهم المختلفة في أوروبا. بعد لمّ شمله مع ليديا في لندن، جمع ملاحظاته التي خرج بها من مؤتمر جنوة، وعكف على كتابة أوّل عمل رئيسي له في النظرية الاقتصادية. نُشر في كانون الأول (ديسمبر) 1923 تحت عنوان: «بحث في الإصلاح النقدي». ومثل سابقه، كان عنواناً تقنياً مخادعاً مليئاً بالأفكار الصادمة. فقد هاجم السياسات الهادفة لاستعادة معيار الذهب، ورأى مينارد أنه يمكن تحقيق استقرار الأسعار من خلال السياسة النقدية وحدها. كما نظر للنقود بمعناها الواسع، وكانت السياسة السليمة تقتضي مراقبة عملية خلق الائتمان والسيطرة عليها والسماح بخلق العملة بناءً على ذلك. كما فضل مينارد الإدارة التفويضية، رافضاً وضع قاعدة خاصة بالمعروض من النقود باعتبارها غير مناسبة للسيطرة على دورة الائتمان.
كان نقض مينارد محاولة لهدم ما اعتبره حاجزاً أمام السلام والازدهار، أو ما وصفه التخلص من «بقايا البربرية» ومواكبة روح العصر ومتطلباته. فكانت الضرورة تُحتّم التخلص مِن المبادئ المقدسة لرأسمالية القرن التاسع عشر، لكن لم يتوقع أحد أن العالم على وشك التغيير، عبر حرب همجية.
أجندته الاقتصادية كانت تُستخدم دائماً لخدمة مشروع اجتماعي أوسع وأكثر طموحاً


اليوم، يُذكر مينارد باعتباره خبيراً اقتصادياً لأنه من خلال مجال الاقتصاد كان لأفكاره تأثيرها الأكبر. يتم تعليم طلاب الجامعات أنه حثّ الحكومات على قبول عجز الميزانية في حالة الركود وإنفاق الأموال عندما لا يستطيع القطاع الخاص ذلك. لكن أجندته الاقتصادية كانت تُستخدم دائماً لخدمة مشروع اجتماعي أوسع وأكثر طموحاً. كان مينارد فيلسوف الحرب والسلام، وآخر مفكّري التنوير الذين اتّبعوا النظرية السياسية والاقتصاد والأخلاق كتصميم موحّد. لم يكن مشروعه الرئيس فرض الضرائب أو الإنفاق الحكومي، بل كان هدف مشروع الحفاظ على ما أسماه «الحضارة» أي حماية البيئة الثقافية الدولية التي ربطت بين رجل الخزانة البريطانية وراقصة الباليه الروسية. بعد عقد من مؤتمر جنوة، عندما سأله أحد المراسلين عما إذا كان العالم قد شهد شيئاً مثل الكساد الكبير الذي بدأ يتكشف، أجاب مينارد بصدق تام: «نعم. كانت تسمى العصور المظلمة، واستمرت 400 عام».
على عكس زواجه النهائي من ليديا، كانت العلاقة بين مينارد والولايات المتحدة دائماً صعبة وغير سعيدة. لم يكن لدى قادة الدولة المهيمنة الناشئة اهتمام كبير بالأبعاد المناهضة للإمبريالية للفكر الكينزي عندما قاموا بتكييف النظرية العامة لمهمة إقامة نظام عالمي جديد حول القوة الأميركية. كان الاقتصاديون الأميركيون المؤثرون، أكثر من أقرانهم حريصين على رؤية عملهم على أنه محايد سياسياً، علماً، رياضياً، بعيداً عن الاجترار التأملي لفلاسفة عصر التنوير الذي يبجّلهم مينارد.
كان مينارد عبارة عن مجموعة متشابكة من المفارقات: خادم مخلص للإمبراطورية البريطانية، شجب الإمبريالية، من دعاة السلام ساعد في تمويل حربين عالميتين. أممي آمن بضرورة الدولة القومية الحديثة، خبير اقتصادي تحدّى أسس الاقتصاد. لكنه في الأخير وكجزء لا يتجزأ من كلّ هذه التناقضات الظاهرة، كينز هو رؤية متماسكة لحرية الإنسان والخلاص السياسي. مات كينز قبل أن يتمكن من تنظيم هذه الأفكار في بيان فلسفي فريد ونهائي، حتى إنّ النظرية العامة المنشورة له شكلت فقط جزءاً واحداً من حياة كينز الذاخرة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا