يختار الروائي العراقي زهير الهيتي شخصية «زعفران» في روايته الجديدة «عش الجمر» (دار الساقي)، كي يطلّ على القضايا العراقية الراهنة في حبكة روائية لا تطمح للفرار من أزمات الفرد والمجتمع كأن لا مفرّ من ديستوبيا تجعل البطل يتورّط في دوّامة القتل والموت حتى يكون مصيره الفردي يشبه إلى حدّ كبير المصير الجماعي المتمثّل في النهب والقتل. و«عش الجمر» هي الرواية الثالثة للروائي بعد «الغبار الأمريكي» و«أيام التراب» (2017) التي دخلت في القائمة الطويلة لـ «الجائزة العالمية للرواية العربية ـ بوكر».

تأتي الرواية كصورة غير مختلفة عن وطن يحاول أن يقف على قدميه، لكنها بطريقة أخرى تحاول أن تقدّم تصوّراً موجزاً لما يحدث مع الإنسان العراقي كفرد داخل المجتمع من خلال سرد قصة زعفران المعلم الذي أُرسل إلى قرية كيش في الجنوب كي يدرّس في مدرسة «النصر المؤزر». في البداية، يشعر زعفران بأنّ في ذلك خلاصاً له من تقاليد العائلة الصّابئية، ولكنه يغرق في ما بعد في عشّ الجمر الذي يجده في القرية التي تخبّئ آثاراً تاريخية تحتها. هناك يبدأ زعفران بالتورّط في قصص القرية وتقاليدها وأقاويلها وأيضاً في ترجمة مذكّرات المنقّب الفرنسي الذي يكتشف أنه قتل على يد ثابت ابن الشيخ جابر الذي سيقتل زعفران في النهاية ويورّطه في قصة مارية التي هربت وجاءه طيفها عند بداية دخوله إلى كيش، لأنه رفض التعاون معه في مذكرات الفرنسي جان ماري روشار. لا يبشر الكاتب هنا بخلاص ما، بل يعطي شخصياته فرصة التورّط أكثر حتى الغرق بدون إرادة أبداً.


يحدث ذلك في زمن التسعينات أثناء غزو العراق للكويت وهجوم الحلفاء على العراق، لكن هذا الإطار الزمني يوحي بأن كلّ هذه الأحداث السياسية ما هي إلّا جزء من ليل العراق الطويل الذي يتشابه مع أحداثه اليوم. إنه اختيار لزمن في الماضي لكنه تنويه بتشابه السّرديات، كأنه تبشير بأنّ ما يحدث اليوم هو ما حدث بالأمس وأنّ زعفران هو إنسان اليوم وربما الغد.
يطوّر الروائي السرد ليصل إلى منطقة النقد، حيث يفكّك الصراعات، فزعفران هو صابئي، كان يعامل كغريب في كيش. هي إذن أزمة الأقليات، وزعفران أيضاً باحث عن حريته، رغم علاقته بحليمة التي أشعرته بتلك الحرية الجنسية في الإطار الضيق للقرية، إلا أنها لم تزجه إلا بمشاكل أكبر، ربما لأن ذلك لا بدّ من أن يكون مشترطاً بالوعي الجماعي الذي لم يكن موجوداً في كيش. وهنا يدرك الروائي أن شخصياته ليست محتجزة تماماً، لكن حتى مظاهر التحرّر هي شكل آخر من الهرب الذي لن يمر بدون أن تشعر به الجماعة وتقرره، فها هو ثابت يضع قرط مارية في غرفة نومه ليورطه في ألسن الجماعة، وليقتص منه الشيخ جابر، جد مارية. وتبدو في هذه الحبكة الرغبة في نقد هذا التحرر الذي لا يمنح الفرد الخلاص، بل ربما يورطه أكثر في الجمر.
وهنا لا بدّ أن نذكر أجواء رواية «1984» لجورج أورويل، رغم الاختلاف الكبير بينهما. لكن في هذه الرواية أيضاً تتضح العلاقة بين الفرد المتمرد والسلطة، رغم أن جورج أورويل يبني المكان في المستقبل، لكن هناك علاقة بين وينستون سميث والأخ الأكبر، حيث الأخ الأكبر كان في السلطة يراقب وينستون سميث، ويحاول أن يقمعه ويسيطر عليه، رغم تمرّد وينستون. لذلك بدأ في طرح الأسئلة ومناقشتها وتدوينها في مذكراته. وهنا في «عش الجمر»، تتجلّى تلك العلاقة بين زعفران والشيخ جابر الذي يخافه الجميع، وابنه ثابت حيث يورطان زعفران في قصة نهب الآثار ويقتل ثابت زعفران في النهاية. إنها العلاقة إذن بين الفرد الحالم والمتمرد، وبين السّلطة المتمثّلة أيضاً بالعائلة والعشيرة ومنظومة التفكير القائمة. ففي الروايتين أيضاً، تتضح ازدواجية سردية الظالم وسردية المتمرد والحالم كأنهما سرديتان تتداخلان لنرى في النهاية أن السلطة العشائرية المتمثلة في الشيخ جابر ستنال منه.
خيارات الكاتب للمكان وللنهاية تشكّل رؤيته الفنية في سرد الواقع


يأتي حدث التخلّص من زعفران وقتله في النهاية موازياً لقتل من نوع آخر وهو قتل جماعي يتمثّل في هجوم الحلفاء على القرية ورمي الجثث في الطرقات. كأن هذا الموت الجماعي والظلم الذي يلاحق وطناً بأكمله لا يقلّ أهمية بل كما وضعه الروائي في الرواية، في مكان يسبق الحدث النهائي وهو رؤية جثة زعفران في الطرقات. إنه ظلم مضاعف جعله الروائي ينفصل ليرينا أنهما ظلمان بنفس الأهمية والحجم. كأن الإنسان العربي أصبح ضد نفسه أيضاً وصار عدواً لذاته. إذن النتيجة هي قتل الفرد وفكرته واختلافه.
ومن هنا، يتابع الروائي رحلته في استقراء الواقع العراقي، لكن من خلال وقائع متناقضة ومفارقة، على خلاف روايته السابقة «أيام التراب» التي يسرد من خلال قراءة سبع لوحات فنية واقع العراق اليوم، وهذا يحيلنا إلى سؤال عن فنية البناء الروائي الذي يعكس رؤية الكاتب التي ربما تسبق تصوّراته وتحليلاته لما يحدث. وفي «عش الجمر»، تشكل خيارات الكاتب للمكان والحوارات التي ينسجها مع الشخصيات كما اختياره للنهاية، رؤيته الفنية في سرد الواقع. رؤية تختار أن تتورّط داخله كي تلقي الضوء على خباياه ومكنوناته في رواية لها جمالياتها أيضاً.
ولذلك تأتي الرواية كديستوبيا خارجة من جمر المكان، لكنها تحرّض على قراءة المجتمع قراءة أخرى أعمق، وفي ذلك دعوة صادقة وصريحة لعدم التّخفي وراء لغة مبشّرة لأن الحرية تكمن في قراءة أفضل لما يحدث وما سيحدث على حدّ سواء. كأن هذا ما نعيد اكتشافه بطريقة أفضل في الفنون، وكأننا نبحث عن رؤية أخرى لنطل على حقيقة أن ما يدور داخل الرواية هو ما يدور في الخارج لكن بأسماء أخرى وربما أمكنة أخرى، فتصبح كيش هي العراق كله، بل ربما صورة مصغّرة عن الحياة العربية التي كما يبدو لا ترغب الرواية العربية الراهنة من الإفلات من خيطها الأسود.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا