هي نموذج متفرّد في تاريخ تحرّر الشعوب، تلك العلاقة التي جمعت ياسر عرفات (1929 ــــ 2004) بمحمود درويش (1941 ـــ 2008)، حيث نعثر على ذاك التلاقي بين الثائر والشاعر، اللذَيْن يربطهما جدل درامي استثنائي، وحيث لا تكتمل كينونة هذا إلا بحضور ذاك. فقد شكّلا تقاطباً عجيباً بين السياسي والثقافي، بين البراغماتية والمبدئية، والأهم من ذلك كله، بين النسبية والإطلاق. كان ياسر عرفات بالتأكيد، في حاجة إلى من يجعل آماله تسري في كيان الفلسطينيين، ويحوّل أفعاله إلى هوية تحيا في عواطفهم، حتى يُكتب لها الخلود، فيصير هو أسطورة لا تُنسى. لقد كان في حاجة إلى من ينظم خريطته في شكل قصيدة، فكان محمود.

من جهته، كان محمود درويش في حاجة إلى من يحقق مجازات أشعاره، ويجعلهاً واقعاً متحقّقاً في نشرات الأخبار وفي المنتديات الدولية، وفوق تراب فلسطين، فيكتب لها الحلول، وتتغنّى بها الأجيال. فقد كان في حاجة إلى من يرسم قصيدته في شكل خريطة، فكان ياسر. وبين سعي ياسر نحو خلود الخريطة، وبحث محمود عن حلول القصيدة، يتخلّق بين القطبين، ذلك الحقل المغناطيسي العجيب.
بُعد آخر من الصعب تجاهله، هو الخلفية الأيديولوجية لكليهما؛ فالأول كان ذا نزعة إسلامية قومية، رافقته إلى آخر حياته، والثاني كان شيوعياً قحّاً، وظل كذلك إلى آخر كلمة كتبها. لكن الجميل في تلك العلاقة، أنّ خلافاً في هذه الخلفية بين الرجلين لم يُسجل أبداً بينهما.
لقد أعاد ياسر عرفات صياغة الهوية السياسية للوطن الفلسطيني، فيما أعاد محمود درويش صياغة هويته الثقافية. فما الذي كان يريده الثائر ياسر من الشاعر محمود؟ وكيف نشأت علاقتهما من البداية؟ وكيف تطورت وتقوّت؟ ومتى ضعفت وكادت أن تنقطع؟ وفي الأخير، ما الذي حقّقه كل منهما للآخر؟
إنه جدل القصيدة والخريطة، وتقاطب الفكرة والدولة.

قبل التلاقي
بين خط حياة ياسر عرفات وخط حياة محمود درويش، مساحات تلاق وافتراق، فقد ولد الأول في القاهرة سنة 1929، بعيداً عن بلده فلسطين، في حين ولد الثاني بعده باثنتي عشرة سنة، في قرية البروة قرب الجليل. وفي الوقت الذي دخل فيه الأول كلية الهندسة، كان الثاني يتهيأ لدخول المدرسة. غير أن حرب 48 لم تسعف كليهما: فقد غادر ياسر عرفات الجامعة للانخراط في صفوف المقاومين داخل فلسطين، حيث قاتل ضمن كتيبة الإخوان المسلمين، فيما اضطرت أسرة محمود لمغادرة الجليل، والالتحاق بمخيمات المهجّرين الفلسطينيين في لبنان. وحين توقيع الهدنة مع الكيان الصهيوني، عاد ياسر عرفات إلى الجامعة ليتم دراسة الهندسة، في حين رجع محمود رفقة أسرته، ليجد أن قريته قد محيت ولم يعد لها أثر، وحلّت محلها قرية زراعية صهيونية (موشاف) صارت تسمى: «أحيهود»، وتجمع سكاني صهيوني (كيبوتس) صار يسمى «يسعور». وربما من تلك اللحظة بدأت تتشكّل لدى محمود حاسته اللغوية، وأخذ يشعر بخطورة استبدال الكلمات. وحتى تظل قرية «البروة» الجليلية حيةً في ذاكرة أسرته، فقد قرر جده اقتناء أرض وبيت مُطلين على القرية الممسوحة. يصف محمود تلك المرحلة فيقول، في رسالته إلى توأم شعره سميح القاسم: «لم يكن للشهور أسماء لا تُذكر متى انقصف حبق الطفولة. ولكنّ الليلَ لم يكن بارداً كما هو الآن. ولم تكن للقمر أغانٍ عبرية مُعاصرة. لكنني أتذكّرُ ساحة الدار التي تتوسّطُها شجرةُ التوت التي تشدُّ البيوتَ لتحوّلها إلى دارٍ هي دارُ جدّي. تركْنا كلّ شيءٍ على حاله: الحصان، والخروف، والثور، والأبواب المفتوحة، والعشاء الساخن، وأذان العشاء، وجهاز الراديو الوحيد لعلّه ظلّ مفتوحاً ليذيعَ أخبارَ انتصاراتِنا إلى الآن. هبطنا الوادي الحادّ المؤدّي إلى الجنوب الشرقيّ المفتوح على بئر يُشرقُ من سهل يقودُنا إلى قرية شعب حيث يُقيمُ أقاربُ أمّي وأهلها القادمون من قرية «الدامون» التي سقطتْ تحت الاحتلال... وهناك – بعد أيامٍ قليلة – تنادى فلاّحو القرى المُجاورة، الذين باعوا ذهبَ زوجاتهم، ليشتروا بنادقَ فرنسيّة الصنع لتحرير «البروة». حرّروها في أول الليل. شربوا شايَ المُحتلّين الساخن. وباتوا ليلة النصر الأولى، وفي اليوم التالي تسلّمها «جيشُ الإنقاذ» بلا إيصال، ليُعيدَ اليهودُ احتلالها وتدميرَها حتى آخر حجر... ونحن ننتظرُ العودة على مشارف الوطن».


بعد عودته من فلسطين إلى القاهرة، غداة النكبة، سنة 1949، أصدر عرفات مجلة «صوت فلسطين»، وكتب فيها بعض المقالات. وبعد تخرّجه من كلية الهندسة سنة 1950، تم انتخابه رئيساً لاتحاد طلاب فلسطين في القاهرة بين عامَي 1952 و1956. وفي المقابل، كانت قرية محمود المسلوبة تغذي عاطفته وخياله. فبدأ، مع نهاية المرحلة الإعدادية، يتجه نحو كتابة أول نصوصه وبواكير قصائده.
ومع العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، استدعي كل من كان قد شارك في حرب 48، وكان من ضمنهم ياسر عرفات، وهو ما زكّى رغبة قوية عنده للتفكير في الحل المسلّح لقضية فلسطين. إلا أن اتفاقية مصر وأطراف العدوان حرمته الاستمرار في الجيش، فغادر نحو الكويت سنة 1957، ليعمل مهندساً. وفي السنة ذاتها، عقد الفلسطينيون «مؤتمر براغ» الفلسطيني، ليكون أول مناسبة يحضر فيها عرفات بكوفيته البيضاء وجاكيته العسكري، الذي رافقه بقية حياته، مدة خمسين سنة. في ذات الوقت، كان محمود درويش يبحث عن إطار يمارس من خلاله مقاومته السياسية، فانتمى إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعمل في صحافة الحزب، مثل صحيفتَي «الاتحاد» ثم «الجديد» التي أصبح مشرفاً على تحريرها بفضل نبوغه الأدبي والصحافي. اشترك في ما بعد في تحرير جريدة «الفجر» الفلسطينية، فيما أنهى تعليمه الثانوي في كفر ياسيف سنة 1958. وفي تلك السنة بالذات، قام ياسر عرفات بجولة واسعة في أرجاء فلسطين مع أحد أقدم مؤسسي الثورة وهو محمود علي أبو بكر من جنين، الذي كان من المقاتلين القدامى. وبين سنتي 1959 و1964، مارس ياسر عرفات بنفسه العمل الصحافي، من خلال كتابته في مجلة «فلسطيننا»، حيث أصبحت هي المنبر الإعلامي لـ «حركة فتح» قبيل انطلاق الكفاح المسلح.
بين سنتي 1961 و1972، سيعرف محمود درويش تجربة الاعتقال، إذ حكم عليه النظام الصهيوني بالسجن تسع سنين، بعد تصريحاته السياسية ضد الصهيونية، سيكتب خلالها قصائد ديوانه: «أوراق الزيتون» و«العصافير تموت في الجليل» الذي نشره عقب نكسة الـ 67 التي عاش مرارتها من داخل زنزانته.
في تلك الفترة، كان ياسر عرفات يطوّر تجربته النضالية بعدما أسّس مع رفاقه «حركة فتح» سنة 1964، وأصبحت الممثل الأبرز للشعب الفلسطيني ونواة منظمة التحرير الفلسطينية، العضو في مجلس جامعة الدول العربية. ثم بدأ العمل المسلح ضد كيان إسرائيل مطلع سنة 1965 بـ «عملية نفق عيلبون».
وجاءت النكسة، فقبل عرفات بقرار التقسيم 242، ليصبح الأردن مقرّ قيادتها.

مرحلة التلاقي
بعد «عملية الكرامة» التي أثبتت فيها منظمة التحرير جدارتها في الصمود أمام الجيش الإسرائيلي، كتب محمود درويش قصائد ديوانه: «حبيبتي تنهض من نومها» الذي نُشر سنة 1970، تجاوباً مع بدايات العمل المسلح الذي يقوده ياسر عرفات، فكان أول تواصل غير مباشر من جهة محمود درويش بياسر عرفات.
وفي الوقت الذي كان ياسر عرفات يؤسس فيه قواعد جديدة جنوب لبنان، حصلت أحداث أيلول الأسود سنة 1971، فغادر غور الأردن برفقة المسلحين الفلسطينيين، واستقر في بيروت. بعد ذلك بسنة، سوف يخرج محمود درويش من السجن الإسرائيلي ويتوجه إلى الاتحاد السوفياتي، الذي لم ترقه الإقامة فيه، ليعود قافلاً نحو القاهرة، ويعمل مع محمد حسنين هيكل في جريدة «الأهرام»، وينشر قصيدته: «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا» التي اعتبرها كثيرون عاكسة لمرحلة فتور ثوري لدى محمود بعد خروجه من السجن، وصدمته من النموذج السوفياتي الذي طالما آمن به.
لكن الموعد الحقيقي مع ياسر عرفات سيكون عند انتقاله من القاهرة للاستقرار في بيروت، سنة 1973. ستكون أطول فترة مجاورة بينهما إلى أن فرّقهما، لفترة، حصار بيروت سنة 1982. في تلك الفترة، عمل درويش رئيساً لتحرير مجلة «شؤون فلسطينية»، وأصبح مديراً لمركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، بتكليف مباشر من ياسر عرفات. ستتوطد علاقة ياسر بمحمود إلى درجة أن كلّفه بكتابة أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 1974، حيث كتب درويش الجملة الأشهر في تاريخ الدولة الفلسطينية، وقد ردّدها العالم العربي بعدها، ولخّصت القضية الفلسطينية، وهي: «لقد جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية ثائر... فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي» في السنة ذاتها التي نشر فيها ديوانه: «محاولة رقم7».
وعند اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، وجد ياسر عرفات نفسه في عين العاصفة، بما كان يعني أن يكون درويش نفسه في موقفه نفسه، ولكن من موقع الأديب والصحافي الذي يعكس موقف المنظمة ويدافع عن حقها في الوجود، فنشر ديوانه «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق».
وخلال سنة 1975، سوف تبدأ شهرة محمود درويش في التحقق، وهو في خضم المعاناة، على يد الشاعر والفيلسوف اللبناني روبير عبد الله غانم، عندما بدأ هذا الأخير بنشر قصائد لمحمود درويش على صفحات الملحق الثقافي لجريدة «الأنوار» التي كان يرأس تحريرها.
كان لمحمود درويش الدور الكبير في ربط ياسر عرفات باليسار الإسرائيلي، وهو البعد الذي اعتبره كثيرون نوعاً من الاختراق الفلسطيني للكيان الإسرائيلي. فبفضل هذه «الوساطة» الدرويشية، أصبحت لياسر عرفات علاقة قوية بالصحافي الإسرائيلي اليساري المرموق أوري أفنيري، الذي كان يدافع عن وجهة النظر الفلسطينية في المعسكر الإعلامي الإسرائيلي.
غير أن الخلاف الأول والأكبر بين ياسر ومحمود، سوف يكون سنة 1977، على إثر نشر مركزه مقالةً كتبها صديقه إلياس خوري، منتقداً فيها ممارسات المنظمة، ما أغضب عرفات الذي قام بإرسال قوة أمنية لتداهم مركز الأبحاث للقبض على خوري، ما دفع درويش للاستقالة من رئاسة مركز الأبحاث. فكانت فترة قطيعة بينهما دامت ثلاث سنوات، غادر على إثرها إلى تونس، ولم يعد إلى بيروت إلا بعد نجاح وساطات للصلح بين الشاعر والثائر، فأسس مجلة «الكرمل»، لتمثل مرحلة جديدة في تبلور تجربة درويش الأدبية.
كان ياسر عرفات خلال فترة غياب درويش، قد عارض اتفاقية كامب ديفيد سنة 1978، واشتد عليه الحصار في لبنان، ليصل إلى ذروته عند محاصرة شارون لغريمه التاريخي، في حزيران (يونيو) 1982. وحينما كان ياسر عرفات يحصن موقعه في طرابلس عام 1983 لمواجهة المنشقين عنه، إذا بمحمود درويش يفاجئه بزيارته سراً، في ظروف أمنية وسياسية وعسكرية غاية في الخطورة. تلك الزيارة التي ستظل ماثلة في ذهن الثائر، ركّزت وفاء وتضحية من الشاعر.
حينها أرّخ تلك الملحمة التاريخية، برائعته الخالدة: «مديح الظل العالي»: «هي هجرة أخرى/... فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلاما/ سقط السقوط، وأنت تعلو فكرة/ ويدا / وشاما/ لا برّ إلا ساعداك/ لا بحر إلا الغامض الكحلي فيك/ فتقمّص الأشياء كي تتقمّص الأشياء خطوتك الحراما/ واسحب ظلالك عن بلاط الحاكم العربي/ حتى لا يعلقها وساما/ واكسر ظلالك كلّها كيلا يمدّوها بساطا أو ظلاما».
غير أن تلك المرحلة ــــ برغم روحانياتها العالية، وشفافيتها الشاعرية ـــ سوف تنتهي قريباً، بافتراق جديد بين ياسر ومحمود. توجه الأول إلى تونس، وظل الثاني مشرداً بين دمشق والقاهرة وتونس وباريس. فشغل منصب رئيس «الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين»، كما كانت لديه فرصة لدخول فلسطين زائراً والدته، بدعم وتسهيل من أحد الأعضاء العرب في الكنيست.
وبينما كان محمود يواجه تشرده، كان عرفات يواجه الانشقاق الأكبر في تاريخ المنظمة، والذي وقف فيه محمود درويش موقف الداعم لرفيق نضاله، متوجاً ذلك بديوان: «حصار لمدائح البحر» الذي حوّل ياسر عرفات إلى رمز لا يضاهى للثورة الفلسطينية. وقد ظلت هذه الصور متواترة في كتابات محمود منذ ذلك الوقت إلى آخر ما كتبه عنه.
ستمثل حادثة نجاة ياسر عرفات من محاولة اغتياله في تونس على يد الموساد سنة 1985 عنصراً جديداً، من عناصر الطابع الأسطوري الذي سيضفيه محمود على ياسر، بخاصة حينما تتوالى حوادث محاولات اغتياله أو موته.
مع اندلاع الانتفاضة الأولى التي أسّس لها ياسر عرفات سنة 1987 من مقر المنظمة في تونس، أطلق محمود درويش ديوانه الجديد «ذاكرة النسيان».
انتخاب محمود درويش عضواً في منظمة التحرير كان ضد قوانين المنظمة التي تشترط حضور درويش. وباقتراح من ياسر عرفات شخصياً، تم انتخاب محمود درويش عضواً في منظمة التحرير غيابياً، مخالفاً قوانين المنظمة التي تفرض حضور المرشح، ثم اعتمده مستشاراً خاصاً له، وهو ما يعكس ذروة التوافق الذي أصبح بين الثائر والشاعر. وقد كانت سنة 1988 مسرحاً لأربعة أحداث مهمة في حياة ياسر عرفات وبالتالي في مسار القضية الفلسطينية:
كان الأول هو اغتيال الموساد الإسرائيلي رفيق دربه خليل الوزير (أبو جهاد) المشرف المباشر على الانتفاضة خلال شهر نيسان (أبريل).
وخلال شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، سوف يعلن ياسر الاستقلال الفلسطيني، أمام البرلمان الجزائري، ولم يكن كاتب الإعلان الذي تلاه ياسر غير محمود.
أما الحدث الثالث، فقد كان يُفترض أن يلقي ياسر عرفات خطاباً جديداً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن الولايات المتحدة رفضت منحه تأشيرة الدخول، فتقرّر نقل مقرها إلى جنيف.
ولأجل تخفيف الضغط عليه، دعاه صديقه وزير خارجية السويد حينها ستين أندرسون، ورتّب له لقاء مع وفد يهودي أميركي برئاسة محامية أميركية هي ريتا هاوزر. وفي هذه المناسبة، لم يستأمن على مرافقته إلا محمود درويش وياسر عبد ربه. لقاء كان الهدف منه اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير، في مقابل إعلان عرفات نبذ الإرهاب وقبول القرارات الدولية. أمر وافق عليه ياسر عرفات، واعداً أن يضمّنه خطابه، ذاك الخطاب الذي كلّف بصياغته مرة أخرى محمود درويش.
وحين عودته إلى تونس، وجد ياسر عرفات عاصفة سياسية أمامه، بسبب ما تم اعتباره تنازلاً وتفريطاً كبيرين، كان محمود مرة أخرى واقفاً بجنبه، وداعماً له.

مرحلة الافتراق
في سنة 1989، بدأ ياسر عرفات اتجاه مسار السلام بكل قوة. فتحت الإدارة الأميركية له باب الحوار، خلال ولاية رونالد ريغان. وفي هذه اللحظة، بدأ محمود درويش، صاحب مقولة: «أميركا هي الطاعون والطاعون أميركا»، يجد نفسه غريباً عن هذا المسار، فأشغل نفسه برسائله مع رفيقه الأدبي سميح القاسم، حيث نشرا في العام الموالي كتاب: «الرسائل»، بخاصة أنّ ياسر عرفات قد تورّط من دون استشارة، في موقف دعم اجتياح الكويت، ما عرّضه لعزلة مزدوجة داخل المنظمة وفي العالم العربي. مع ذلك، وقبل انقضاء ذلك العام، استأمنه ياسر عرفات على كتابة البيان الختامي للمؤتمر الخامس لـ «حركة فتح»، الذي انعقد في تونس، مع أنه لم يكن عضواً فيها. وهي الوثيقة التي لا تزال تُعتبر مرجعاً تاريخياً في مسار حركة التحرر الفلسطينية.
سوف تمثل 1993 سنة القطيعة بين مسارَي ياسر ومحمود، بعد توقيع عرفات اتفاقية أوسلو. يومها، طلب درويش من عرفات قبول استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، إذ كان يدرك مدى فداحة انفجار العلاقة بين قطبَي الهوية الوطنية: السياسية والثقافية، رافضاً أن يتولى منصب وزير الثقافة الذي اقترحه عليه عرفات.
كتب درويش جملته التي ردّدها العالم العربي: «جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية ثائر... فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي»


ومن تلك السنة، تراجع محمود عن دوره في تأريخ الحركة السياسية الفلسطينية عبر شعره ومقالاته، فانخرط كلياً في العمل الأدبي، وأصدر أربعة دواوين على التوالي: «ورد أقل»، و«أحد عشر كوكباً»، و«هي أغنية»، و«أرى ما أريد». حتى حينما عاد عرفات إلى رام الله، وعاد محمود نفسه إليها، كانت لقاءاتهما مع دفئها صامتةً، مشفوعة بمعاني اللوم والعتاب. وبالرغم من القطيعة المباشرة بين الشاعر والثائر، إلا أنّ كلاً منهما قد احتفظ بتلك العواطف النقية العميقة التي يستحيل أن تندثر، لمجرد التفاوت الذي حصل بين القصيدة والخريطة.
فقد أصدر محمود ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً» سنة 1995، وكان ياسر عرفات لا يزال حاضراً في قصائده بقوة، بل لقد تنبّأ فيه محمود بموت عرفات مسموماً من قبل إسرائيل، حين شبهه بالملك الضليل امرئ القيس، ممتزجاً مع شخصية المسيح المصلوب، وذلك قبل موته بعشر سنين. فقال: «يا ابني تذكّرْ! هنا صلب الإنجليزُ/ أباك على شوك صبارة ليلتين،/ ولم يعترف أبداً. سوف تكبر يا ابني، وتروي لمن يرثون بنادقهم/ سيرة الدم فوق الحديد...».
وفي الوقت الذي تكرّست فيها المفارقة بين ياسر ومحمود، راح عرفات في مسار تكوين الدولة في إطار اتفاقية أوسلو، كما عقد اتفاق كامب ديفيد مع إيهود باراك، في ذات السنة التي ستندلع فيها الانتفاضة الثانية عام 2000. هذه الانتفاضة ستمثل سبباً مباشراً في بداية فرض الحصار على عرفات، حيث سيمنعه شارون من حضور القمة العربية في بيروت 2002، في السنة نفسها التي سيدعو فيها جورج بوش لتجاوز عرفات وتشكيل قيادة فلسطينية جديدة، ما اضطر عرفات للتنازل عن بعض صلاحياته الرئاسية. وينوب عنه محمود بقوله في قصيدته: «مطر ناعم في خريف بعيد»: «وطني لذة في القيود/ قبلتي أرسلت في البريد/ وأنا لا أريد/ من بلادي التي ذبحتني/ غير منديل أمي/ وأسباب موت جديد»... ولينتهي كل ذلك مع مرض عرفات الغريب سنة 2004، ووفاته في باريس، ودفنه في مدينة رام الله.

حضرة الغياب
في تلك المرحلة كلها، كان درويش قد كرّس نفسه لمساره الشعري، فنشر ديوان «سرير الغريبة» سنة 1999، وديوان «جدارية» سنة 2000، إضافة إلى مقالات وحوارات مختلفة سنة 2001. وكما كان ياسر عرفات حاضراً قبل ذلك، فقد ظل حاضراً في ما بعد؛ فقد نشر درويش ديوان «حالة حصار» ليعبّر عن حالة ياسر عرفات الذي انتهى به مطافه النضالي محاصراً في مقر إدارة السلطة في رام الله، تزامناً مع منع شارون لعرفات من حضور القمة العربية سنة 2002.
وفي السنة التي ستشهد وفاة عرفات، كتب درويش قصيدته: «لا تعتذر عما فعلت»، وفيها نسجل تماهياً فريداً بين ذاته السرية وذاته الشخصية، وكأنه يخاطب عرفات فيها، فيقول لهما: «لا تعتذر عمّا فعلت – أقول في/ سري. أقول لآخري الشخصي: / ها هي ذكرياتك كلها مرئية: / ضجر الظهيرة في نعاس القط/ .... / «هل هذا هو؟» اختلف الشهود: / لعلهن وكأنه. فسألت: «من هو؟» / لم يجيبوني. همست لآخري: «أهو / الذي قد كان أنت... أنا؟» فغضّ / الطرف. والتفتوا إلى أمي لتشهد / أنني هو... فاستعدت للغناء على/ طريقتها: أنا الأم التي ولدته/ لكن الرياح هي التي ربّته/ قلت لآخري: لا تعتذر إلا لأمك!!!».
وعند وفاة عرفات، سوف يؤرّخ درويش لحظته تلك، بقوله: «فاجأنا بأنه لم يفاجئنا». وفي ذكرى الأربعين، كتب: «تأخر حزني عليه قليلاً، لأني كغيري توقعت من سيد النجاة أن يعود إلينا هذه المرة أيضاً ببداية جديدة، لكن الزمن الجديد أقوى من شاعرية الأسطورة ومن سحر العنقاء... لم ينتصر في المعارك العسكرية، لا في الوطن ولا في الشتات. لكنه انتصر في معركة الدفاع عن الوجود الوطني ووضع المسألة الفلسطينية على الخارطة السياسية الإقليمية والدولية، وفي بلورة الهوية الوطنية للفلسطيني اللاجئ المنسيّ عند أطراف الغياب، وفي تثبيت الحقيقة الفلسطينية في الوعي الإنساني، ونجح في إقناع العالم بأن الحرب تبدأ من فلسطين، وبأن السلم يبدأ من فلسطين».
وبعد وفاة عرفات، لن يتأخر درويش في اللحاق به، فقد فعل ذلك قبل انقضاء أربع سنوات، نشر خلالها ستة دواوين وكتاباً نثرياً، بعدما نعاه مرتين في نصّ لا يزال حاضراً إلى اليوم. لقد التقى ياسر ومحمود، في معظم مسارات حياتهما، لأن عرفات كان سياسياً حالماً، ودرويش شاعراً براغماتياً؛ فعرفات لم يكن ذلك السياسي البراغماتي الفجّ، فقد رفض إملاءات باراك في كامب دايفيد، وقبل أن يستشهد محاصراً. كما أن درويش لم يكن ذلك الشاعر الحالم، فقد قبل قرار التقسيم، وشارك في التفاوض مع الكيان الإسرائيلي.
وبين السياسي الحالم والشاعر البراغماتي، التقت السبل في نقطة ما بين شخصيتين طبعتا بمسارهما تاريخ القضية الفلسطينية ومن خلالها تاريخ العرب المعاصر، على الرغم مما كان بينهما من تمايزات.

* باحث وإعلامي مغربي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا