في «كتاب باذبين» (دار الرافدين)، وهو الديوان الرابع بعد «الحالم يستيقظ» و«الحياة بالنيابة» و«سليل الغيمة»، يدعونا الشاعر العراقي علي محمود خضير (١٩٨٣) إلى تسمية أشياء الطفولة بأسمائها. والشعرُ المغطى عادةً بطبقة سميكة من غبار المخاتلة والتجريد والاحتجاب الذي يتطلب كشفاً نراه في كتاب خضيّر، وقد نفخَ الشاعر على غباره، فتجلّى هذا الشعر حيث يجب أن يكون: عند أريكة في «علي الغربي»، أو «باذبين» أو «حي الغربي» حيث كانت الطفولة أو لحظة البَرق الأولى التي لا تذوي ولا تموت. الطفولةُ تلك التي هي أشبه بالحجرة الداخلية لكل منّا، حيثُ «ذُقتُ فيها الطمأنينة/ مرّةً وإلى الأبد/ لسُلّم حجري يؤانسُ ضلع النهر/ ودرّاجة زرقاء/ تكاتف الريح».


أمام قسوة العالم، تكون العودةُ إلى المنابع الأولى وحكايا الأمكنة الصغيرة نوعاً من التخفف، والانسلاخ عن التواريخ الكبرى، إذ أن «مكاناً صغيراً سيخص نفراً بعينهم... حيث صنوان لا ينفدان الأرض والوقت، ولو كانت المدن العظمى تمنح لكتّابها أن تتكئ نصوصهم إلى تاريخ ممتدّ وأحداث متشعبة، فإنّ لبقعة صغيرة من الأرض سحر الاكتفاء بذاتها نافرة من أخبار المؤرخين وتنازع المفسرين وتكالب الطغاة». على تخوم جيكور السياب وبويب الذي صار نهراً يرفد الخيال الشعري أكثر منه إرواء لبساتين النخيل، وعلى مقربة من بصرياثّا محمد خضيّر حيث يتقمص الكاتب المكان والعكس صحيح، تقع «باذبين» علي خضيّر حيث تحضر الحياة بأكملها عند طفل، وتقول له كما في جملة مالارميه الشهيرة: «غنِّ الآن، إنْ استطَعت»: إنه بساط من الأشخاص والأماكن الملوّحة بشمس الجنوب العراقي يُعرّف فيها الزمن كالتالي «حين كدنا أن نلمس الشمس غاربة، كانت الفواخت تنظف مناقيرها والسواقي أمهات. كان النهر يسرّح شجرَ الغرَب والليل يحضّر أغنية للنجوم. الراعي يتمدد في عيون أبقاره، الهواء يشهق أنفاس الفلاحين الراجعين لدفء الزوجات». إنه فضاء غناء لأولئك الذين يجدون رغم كل شيء فسحة للجمال والعمق في «نخلة الجيران الفارعة كالزمن رأيتها في منام البارحة تنوح»، والخيّاطات «يدسسن العيدَ في النفانيف» والصيادون «يخبئون الموجات في أضلاعهم». وكذلك في هذه المشهدية المبهرة «العصافير في الطارمة أليفة كثيابنا. كنا نتعرض إليها لاعبين، يرف عصفور على حضن خالتي فيضيف واحدنا عوداً في الرازونة التي صيّرها عشاً. الضوء لغتنا، يعرّي مسالك دمنا الواحد، تؤاخي الشمس بيننا، فنصير قلادة النهار»، وصولاً إلى ذلك النشيج العراقي الكربلائي في الفسحة السردية في «كتاب باذبين»، حيث يجيب أحد الجنود على مراثي الحاج عدنان: «إنّ لي أباً وأمّا ميتين، وأختاً غادرت البلاد منذ سنين، وأصحاباً ضاعوا في سواتر أو هجروا في ليل، وولداً ذبحه الوحوش. أمثالي لا طاقة لهم على سماع صوتك. لقد كسرت بغنائك قلبي».
خلف براءة مشاهد الطفولة ننظر إلى المكان كمنظر معقّد


في ما يخص المكان وبناءه شعرياً، كلما توغلنا في «كتاب باذبين»، فإننا سنهتدي بتفاصيل وتشعبات تجعلنا خلف براءة مشاهد الطفولة ننظر إلى المكان كمنظر معقّد، كبناء يتشكل مع السرد، كعالم يكتمل مع الشعر: باختصار يمكننا القول إننا لسنا أمام عملية تفريغ مدرسية للذاكرة والأماكن، بل إنّ خضيّر يوظف الشعر والسرد في تشكيل المكان في الحركة الخاصة للقصيدة والنثر، فالشعر على وجه خاص لا يقبل بذاكرة جاهزة ومكتملة. من هنا، لا يمكننا إلا أن نشيد بثنائية السرد والخيال التي يعتمدها خضيّر في كتابه: حين يوجّهنا السرد في اتجاه يخص الكاتب وحده، يأتي الخيال الشعري ليأخذنا بحسب مقولة هيدغر إلى «طرق لا تفضي إلى أي مكان» أو لعلّها تفضي كل قارئ إلى أمكنته الخاصة: «في السوق المسقوفة/ عوى الخواء طويلاً/ وقضيَ أن يهدر عُمْرٌ في الفرجة/ كانت أصابع تُفرك في جيب مهزول/كان آباء عجالى بلا آذان/ أمهات يفتحن عيونهن/ ولا يرين شيئاً». وكذلك حين ندخل معه في السرد غرفة أبيه المغلقة حيث «عشرات العُدد والآلات والأدوات: مفكات بأنواعها، مطارق، فؤوس، أزاميل، مسامير من كل الأحجام، مناشير، براغي، كواغد زجاج، علب صباغة، فُرش مختلفة، أجزاء كهربية، حوامل معدنية، أسلاك، أصماغ، وصلات أنابيب مخزّنة بعلب «نيدو» الحجم الكبير وكل ما يعالج الحديد والخشب والزجاج». من قلب هذا المعجم المادي والحسي، يخرج الشاعر بخلاصة خيالية وشعرية «كانت مهمة أبي واحدة ومستحيلة: إصلاح العالم من حوله». وتبدو فعلاً غرفة الأب المغلقة أشبه بالغرفة السوداء التي تحدثت عنها مارغريت دوراس كثيراً، مختبر الكتابة الداخلي، إذ يعثر الشاعر على كتاب- لغز حيث يخط الأب: «أرجوك لا تقرأ هذه المذكرات»، ليضيف: «لن يصلح كتابي كرسياً مكسوراً... ومهما هاجر كتابي في القصبات والمدن البعيدة وفكّ من مغاليق السابق والآتي، فليس له حظّ رجل ظل يعالج قلب العالم من مخزن شحيح الضوء في مدينة مغمورة، ولم يقرأ كتابه أحد». قلب العالمِ ذاك سيكون في كتاب الابن: «أين الطيورُ/ كأنها لم تعبث بأكياس الخيش/ أين السماء؟/ استعارة من الوجوه لونها/أين من مروا؟/ أين من فروا/ ويقولون أين الله أولئك الذين خسروا كل شيء/ لوحده، يبقى الماء/يسحب بعضه بعضاً/سجادة سمراء تغطي الوهاد/ وحده ولا شيء سواه». الابن أيضاً، حاملاً عدّته من الكلمات يحاول إصلاح كرسيّ العالَم المكسور.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا