1. قل

قل للحقل العاري
«لا أريد دمعاً من أحد
أريد وسادة مريحة
لقدميّ»

قل للذاكرة الثعلبية
«ذلك الخروف على سفح الليل
رأسي»

قل لرؤوس أصابعك
«يبدأ البكاء من هنا
وينتهي. وسط العين»

«دمى» للفنان السوري مروان قصّاب باشي (زيت على كانفاس ــ 162.5 × 129.5 سنتم ــ 1980)


قل لعينك العرجاء
«أريد حصتي من ماء
الحب»
قل لريحانتك
«أحتضنك وعداً
يا بريقَ الوحي
وأحميكِ بأسنانِ وجعي»

قل لجثتك وهي تنزل بهدوء
«ما أضيق الحفرة»

2. لأنني
لأنني قصيرة ابتكرتُ الوثوب
لأنني واثبة ابتكرتُ الأغصان العالية
لأنني غصنٌ عالٍ ابتكرتُ الشمس
لأنني شمس ابتكرتُ العطش
لأنني العطش ابتكرتُ الحب
لأنني حبّ ابتكرتُ الدمع
لأنني دمعة ابتكرتُ المطر
لأنني قطرة مطر ابتكرتُ الرشفة
لأنني رشفة ابتكرتُ النبع
لأنني النبع ابتكرتُ الصخرة
لأنني الصخرة ابتكرتُ الأنظار
لأنني اليد التي لن تسلمَ يوماً ابتكرتُ اللمسة
لأنني اللمسة ابتكرتُ الشوق
لأنني الشوق ابتكرتُ الشعر
لأنني الشعر مزق الشعراء قلبي

3. أرجوحة
قل لي يا أبي:
هل صحيح أنك صنعتَ أرجوحتي
من توابيت قديمة؟

تعود أميّ كل موسم قمح
وتطعم عصافير عمرها
وبحنجرة الصوان تطحن مسائي

أبي
من حرق القمح؟
هذه السنة خبز أمي حنين

في ممرّ الهندباء
تقطف أمي مرارة عروقي

ينبشُ أبي تحت الحقل
مثل كل الجوعى
وفي المساء ينتزع من حلقي
حصى اليأس
أبي
يسدّ باب الموت
بخشب التابوت

أسرع يا أبي أسرع
الحرب عود ثقاب
والخوف كبريت الوجع الهش

4. فوانيس الشعراء
تحكّ أمي فانوسها كل مساء
لا مارد يخرج ولا قزم
أخرج مع أخوتي إلى شارع الطفولة
لنتنفسَّ العالم بلا معجزات

لم يجتهد أبي في تفسير القرآن ولا الإنجيل
اتّبع بكل بساطة قريحته الشعرية
كأن يحكّ جذع الشجرة لتكبر
رأس القطة لتغفو
ظهري عندما أتقلب في نومي

في المدرسة أحكّ كتاب الشعر
يتساقط الشعراء على رؤوسهم ضاحكين
أدحرجهم في كفيّ كالحصى الملونة جالبة الحظ
ت.س. إليوت يعاني من إمساك لغوي
سيليفيا بلات تغص بفطائر الشعر المؤجلة
رامبو يصرخ ساخراً "أنا آخر أنبياء الشعر"
آن سكستون تجهّز طريقة طرية لانتحارها

أختي تحكّ شفتي الشمس بكمّ القميص
وتحدثني طويلاً عن هوية الإنسان كإنسان
وأنا أهرش رأسي إذ تموت أمي في مظاهرة
مناهضة للتزمت الديني
ويموت أبي في اعتداءات على برج الشك واليقين
وتنصحني أختي
"لا تكتبي المزيد من الشعر إنه يهدم"
أحكّ فروة الوحي
فتنداحُ القصائد

5. أنا النهار
نافذة واحدة لا تكفي
لترى العالم
تحتاج دوماً إلى نافذتين
مغلقتين
وباب مفتوح

عين واحدة
لا تكفي لتغرقَ في النور
تحتاج دوما إلى حبلٍ متين
تسحبُ به الشمس
من تحت بابك

وردة واحدة على قميصك
لا تكفي
لتقطفَ الشعاع
تحتاج إلى غابة من الأغنيات

طريق واحدة لا تكفي
لنصلَ الشمال بالجنوب
والعين بالعين
ماذا سيحلُّ بالمتسكعين؟
ماذا سيحلُّ بالنائمين
تحت شجر المسافة؟

شجرة واحدة لا تكفي
لتسقط الغيمة في فمي
وتورق خلسةً سماء صغيرة
تحت لساني

شفةٌ واحدة لا تكفي
لأغني تحت النافذة المغلقة
«أنا النهار
أنا النهار
افتحوا لي»

6. نهر العطش
أبي رجل قوي جداً
حمل على ظهره أولاده الخمسة
وشوال القمح وسكة الفلاحة
المعوجة
وعبر النهر.

أمي ضعيفة جداً
تخاف لمس الماء
لم تمسك يد أبي
بقيت في النهر وحدها.

لا يزال جدي يحاول إنقاذ
الثور من الغرق
قال
اعبروا أنتم إلى الضفة الأخرى
ازرعوا المدى قمحاً
سأصل إليكم بعد مئة فيضان
بقرني ثور
وظهرٍ حانٍ

تغيّرت الأرض كثيراً
يا جدي
صار عندنا شقة فخمة تتلألأ
فيها كؤوس الكريستال
في الصباح نأكل أنا وأخوتي الكرواسان
بالشوكولا
نعطش
نعطش
لكن لم يبقَ نهر أبداً
ليلعب أخي الصغير في نزهاته

أو لتعبره أمي إلينا
لم يبقَ نهر لنسقي
فراشات أصابعنا
لم يبقَ نهر لمركب جدي الثقيل

وحده نهر الليل
يعبر البلاد
ويزيدنا عطشاً.

* طرطوس