في الحربِ تتغيَّرُ معادلاتٌ كثيرة. يختلفُ مفهومُ الفرح، ويتعاظمُ الحزنُ، وتتخذُ الأمنياتُ شكلاً آخر. في الحربِ تكون الأمنيةُ شعلةَ نارٍ، أو خيطاً من النور، وتصبحُ الحبيبةُ بندقيَّةً، والموتُ عرساً. في الحربِ يتوهُ الزمنُ، ويقاسُ الوقتُ بِطَرفةِ العين، وتنقلبُ موازينُ الليلِ والنهار، ويصبحُ السَّهرُ ضرورةً بعد أن كانَ متعةً وترفاً.

كانَ وسام يفكّرُ بِهذهِ الأشياء بينَما يَشدُّ رباطَ حذائِهِ استعداداً لاستلام نوبةِ حراستِهِ. احتضَنَ سلاحَهُ، وحينَ وصلَ إلى رفيقِهِ ضَرَبَ كفَّه بكفِّ الأخير، واتَّخذَ موقعَه مكانه.
هذهِ الليلةُ باردةٌ جداً، أجلسُ وحدي بينَما يرقدُ باقي الرفاق، الظلامُ شديدٌ، والنجماتُ تجتهدُ لتضيءَ السَّماءَ في غيابِ القمر.
ساعةٌ ونصف تفصِلُني عن انتهاءِ نوبةِ حراسَتي، أقضيها برفقةِ كوبِ الشايِ الذي صارَ مثلّجاً بفعلِ البرد، وبندقيَّتي التي عقدتُ قراني عليها بعقد أبديّ.
المكانُ غارقٌ في السَّواد، فلا أستطيع أن أرى شيئاً أبعد من محيطِ النارِ التي أشعلتها.

«رسمة للوجبة الأخيرة» للفنان العراقي سروان باران (2010)

هدوءٌ تامّ. كلُّ شيءٍ ساكنٌ هُنا عدا الهواء الذي يأتي مشبَعاً برائحةِ البارود. رائحةٌ قويّةٌ لدرجةٍ تطغى معها على رائحةِ أجسادِنا التي لم تنعم بمتعةِ الاستحمامِ منذ 20 يوماً تقريباً.
المدينةُ معزولةٌ تماماً، كلَّ الطرقِ إليها مقطوعةٌ، والقتالُ على الحُدودِ محتدِم، أمَّا نحنُ فَمحاصَرونَ هنا يحيطُ بنا الموتُ والدمار، زادُنا القليلُ من الماءِ والطعامِ، وذخيرةٌ قد لا تكفي في حال تعرَّضنا لهجومٍ مباغت.
ستنقضي نوبتي بعدَ وقتٍ قصير. قصيرٌ ولكنَّه كافٍ لتدخين سيجارةٍ واحدةٍ أذهبُ بعدَها للقاء أحلامي التي أرجو ألا تكونَ دمويّةً هذه المرَّة. لم أكُن مدخناً، والآن أنا أتنفَّسُ من خلالِ سيجارتي، هذا تحوّلٌ آخر من تحوّلاتِ الحرب.
دوّنَ ذلكَ في مفكّرتِهِ، أغلقها، ألقم النارَ قطعةً من الحطبِ وتأمَّلها وهيَ تحترق.
لم يكُن متاحاً لهُ أن يشعل النارَ من قبل، ولا حتى شمعة واحدة، فقد كانَت الاشتباكاتُ هُنا في ذروتِها. على مدى أيَّام لم يسكتْ صوتُ الرصاص، ولم تتوقَّف السَّماء عن إمطارِ الأرضِ بالقذائف.
رَحَلَ الكثيرُ من الرجال، وكانَتْ أجسامُهُم سدوداً مَنَعَت جنود العدوّ من التقدّم، ومناجلَ حَصَدَت أرواحَهُم كما يُحصدُ حقلُ القمح.
رَحَلَ الرجالُ، وفرغَتْ صناديقُ الذخائر، فتمَّ الاتفاقُ على هدنةٍ عساها تكفي لوصولِ الدَّعم، فيُكملون ما بدأَهُ الشهداء.
وبينَما يهمُّ بالنهوضِ شَعَرَ بِحركةٍ غريبة في مكان وجودِ العدوّ، كانَ الليلُ هادئاً بما يكفي ليحملَ إليه وقعَ الأقدامِ المتسارعِ، وصوتَ احتكاكِ الحديدِ بالحديد.
أطفأَ النارَ، وأيقظَ الآخرين. أخلوا المَبنى بسرعةٍ تحسّباً لهجومٍ مباغت، ولمّا لم يكن حولهم إلا الصخور فقد استعانوا بِها كمتاريسَ متّخذين وضعيَّات قتاليّة خلفها.
لم يمرّ وقتٌ طويل حتى كانَ العدوّ يتّجهُ نحوَ المجموعة، ثلاثُ قذائف انفجرَت حولَ المنزلِ معلنةً خرقَ الهدنة.
أدركَ وسام أَلَّا حلّ أمامَهم إلا الموت أو الاستسلام، فتوجَّه إلى رفاقه قائلاً: ـــ كانت الحياة بينكم طيّبة عذبة، والموت معكم أعذب وأطيب.
وَصَدّوا الهجوم بما كانَ معهم من ذخائر.
فرغتْ المخازنُ من رصاصِها، وسقطَ الجميعُ شهداءَ ما خلا وسام الذي أخذ يقلّب بصرَه بين جثثِ رفاقِهِ علّه يعثرَ في جعبةِ أحدِهِم على مخزنٍ ممتلئ، وقد عَثَرَ عليه فعلاً، فأسرعَ لأخذِهِ وتلقيمِ سلاحِهِ به، لكنَّ رصاصةً اخترقَت خاصِرتَهُ، وعَبَرَتها من جهةٍ إلى أخرى، فسقطَ أرضاً.
وما هي إلا لحظات حتى كانَ عددٌ من جنودِ العدوّ يتحلَّقون فوقَ رأسِهِ، يَنظرونَ إليه كَغنيمةٍ ثمينةٍ يَعودون بها إلى قائدِهِم.
ابتسَمَ لهُم ابتسامةً لم يدرِكوا مَعناها إلا حينَ انفجَرَتْ القنبلةُ التي كانَ قد أودَعَها بين أضلاعه، فكانَت شعاعَ نورٍ خرجَ من قلبه وحلّق به نحو السَّماء، وقَذَفَ بأرواحِهِم إلى الجحيم.
بينَ أشلائِهِ، عَثَروا على مفكّرتِهِ، وقد كَتَبَ في آخِرِ صفحاتِها: «نحنُ دوماً أصحابُ الطلقةِ الأخيرة».

*مشغرة/لبنان