انطلاقاً من أن العدالة تشکّل أهم الموضوعات فى المجتمعات البشرية وشرطاً أساسياً لتقدّمها وتكاملها، اختار الأكاديمي وعالم الدين محمد شقير فلسفة العدالة موضوعاً لكتابه «فلسفة العدالة وإشکاليات الدين والدولة والاجتماع الإنساني» (مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي). في مؤلّفه يبني عضو لجنة الدكتوراه البحثية في الفلسفة في «الجامعة اللبنانية» أهميّة العدالة على ضرورة حضورها في جميع نواحي الحياة کالسوق والمتجر والمدرسة والتلفاز والإذاعة والشرکة والمؤسسة والفکر والوجدان والأدب والخطاب وفي کل البرامج المتعلقة بمشروع بناء العقل والوعي. هكذا يؤكّد أن نجاح مشروعها يعود في أساسه إلى الإيمان بها لارتقائها إلى أعلى مستويات القدسية باعتبارها أهم الأبواب إلى الله والطريق الأفضل لبناء الآخرة. ولعل هذا ما يجعلها أساساً في الرسالات الإلهية من الناحية الدينية وحاجةً ضرورية في بناء المجتمعات بجميع جوانبها من وعي وثقافة وأخلاق وسلوك وغير ذلك باعتمادها على العدل کأساس لهذا البناء، خصوصاً أن کل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تسود المجتمعات إنما تعود لأزمة افتقارها للعدالة.



في مؤلّفه، يشير الكاتب إلى ماهية العدالة وجوهرها الأخلاقي، للتأکيد على أن هذا الجوهر، رغم احتياجه إلى أسس معرفية وفلسفية وفکرية هادفة، إلّا أنه جوهر أخلاقي بامتياز. وهو بذلك يساعد على تشخيص الرؤية التي يجب اعتمادها لبناء مجتمع العدالة. يؤكّد شقير على دور الدين في صناعة العدالة وقيمها وسياساتها، عاملاً على تحليل جوهر المهدوية وحقيقتها، والتي تکمن أساساً في مقولة العدالة من بدء الخليقة إلى نهاية التاريخ. كما يلفت إلى ضرورة العمل على جعل العدالة الأساس والمرتکز في صناعة هوية مختلف المجتمعات، باعتبارها القيمة الأبرز لهذه الصناعة. انطلاقاً من هنا، وفي سياق إشکالات الوحدة والتقريب والاختلاف، يشير إلى أن تعزيز أطر التعاون البنّاء بين المذاهب والطوائف والجماعات إنما يرتکز إلى العدالة ومشروعها، لما تشکّله تلك القيم من أساس متين وصالح لبناء العلاقات الصحيحة والهادفة، ولتجنّب جميع الانتکاسات والمفاسد التي يمکن أن تعتريها.
كذلك، قارب شقير بين العدالة والدولة مقسماً رؤيته إلى نقاط خمس تناولت أوّلها فکرة العدالة وإمام العدل، حيث إن صناعة العدالة تحتاج أولاً إلى إنسان ومجتمع العدالة. يضاف ذلك إلى حاجتها للقانون والفکر والفلسفة والعلوم ذات الصلة لتنتج إنساناً ومجتمعاً متشبعَين بتلك القيم، مع ضرورة الانتقال من فقه السلطة وأخلاقها إلى فقه العدالة وقيمها، خصوصاً أن الكاتب يؤكّد أن الأطروحة الدينية بمعناها الأصيل تهدف إلى إقامة دولة العدالة بمعناها القيمي والإنساني، وليس الدولة الدينية بمعناها السلطاني والتاريخي وذلك تحت عنوان/ سؤال «الدولة الدينية أم دولة العدالة؟».
نموذج تطبيقي في معالجة الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان


يتساءل شقير عما إذا کانت العلمانية (المتطرفة) تخدم دولة العدالة؟ وهو ليس تساؤلاً استفهامياً بل مستنکراً، إذ أنه يدعو في إجابته الجهات العلمانية إلى انتهاج مستوى أفضل من العقلانية، واعتماد قدر أعلى من الموضوعية، والتحلّي بدرجة أرقى من العلمية في مقاربة بعض الطروحات الدينية الحضارية والمعاصرة، بعيداً عن أي تبعية أو دعائيّة. ينتقل للحديث عن الإسلام السياسي ومشروعه بين تطبيق الشريعة وإقامة العدالة، لافتاً إلى أن الأساس الذي يجب الاعتماد عليه في مشروع الإسلام السياسي هو إقامة العدالة، ووجوب النظر بمنظارها باعتبارها الميزان الأساس في کل القضايا الأخرى (بما فيها تطبيق الشريعة)، مؤكّداً أن تقرير المصير يرجع إلى العدالة وقيمها في کل ما يترتب عليه.
أما في ما يخص العدالة والعلوم الإنسانية، فقد أفرد تلك الفکرة تحت عنوان «بناء العلوم الإنسانية على أساس العدالة الوحيانية» للتأکيد على أهمية وضرورة بناء علم العدالة بين العلوم الإنسانية. يأتي ذلك في إطار السعي إلى إقامة هذا المفهوم في مختلف مجالات الاجتماع الإنساني، ما يعد من أبرز التحديات التي تواجه إيديولوجيات العدالة ومختلف الرؤى الکونية التي تقوم على أساس العدالة، وتهدف إليها في مقاصدها وغاياتها، وخصوصاً الدينية منها. وقد ختم هذا الکتاب الثمين في فصل أخير اشتمل على نموذج تطبيقي في فلسفة العدالة ومعالجة الأزمة الاقتصادية-المالية في لبنان للتأکيد على موضوعية وواقعية العدالة في بناء وإصلاح المجتمعات الإنسانية کافة.