كان يا مكان في قديم الزمان أميرٌ يسكن مع زهرة حمراء على كوكب بالكاد يكبره حجماً، وكان بحاجةٍ إلى صديق. جميعنا التقينا «الأمير الصغير» المقيم في وحدته هناك، ورُويَت لنا حكايته، ولا سيما حكاية حبه زهرة كان يعتقدها فريدة في الكون، وتنقّله بين الكواكب والعوالم، وصداقته مع ذلك الثعلب الذي يطلب منه أن يروّضه كي يصبح الاثنان فريدين في عالم متشابه. من التيفيناغ إلى طريقة بريل للمكفوفين، ومن الحسانية إلى البشتو تُرجم الكتاب إلى أكثر من 300 لغة ولهجة محلية. لكن الشهادات التي نقرؤها عن مؤلفه أنطوان دو سانت إكزوبيري (1900 ــــ 1944) على وفرتها لن تستحيل «إنجيلاً» مُعتمداً يقدم صورة كاملة عنه، فهو أولاً مؤلف شخصية أسطورية ساذجة أذهلت أجيالاً من القراء. وأيضاً مخترعٌ مولعٌ بالفيزياء والرياضيات، في رصيده أكثر من 11 شهادة براءة اختراع في تطوير محركات الطائرات، بالإضافة إلى كونه موظفاً من أولئك الذين يعطّلون الملفات وطيّاراً جعل من مهنته حيزاً للمعادلة الروائية، موظّفاً إياها جسرَ عبور إلى خمسة كتب، ليبدو الطيران والكتابة نسيجاً مشدوداً كضفيرتيّ «دي أن إيه» معقودتين ببعضهما.



ظل اختفاء أنطوان دو سانت إكزوبيري على متن طائرة «لوكهيد بي-38 لايتنغ» التي أقلعت في مهمة استطلاعية فوق المتوسط لغزاً، إلى أن عُثِر على سلسلة يده بالقرب من مرسيليا كان اسم زوجته محفوراً عليها. وفي عام 2003، تم العثور على أجزاء من الطائرة. ولأن قيادة قوات الحلفاء كانت قد أكدت أن المنطقة لم تشهد، في الحقيقة، أي معركة جوية، فقد اعتُبر مفقوداً حتى نشر أحدهم مذكرات تبدأ بـ «يمكنكم التوقف عن البحث. أنا من أطلق النار على سانت إكزوبيري» وهو هورست ريبرت طيار في سلاح الجو الألماني، لم يغفر لنفسه قتل كاتبه المفضل في 31 تموز (يوليو) 1944.
عزى البعض الاهتمام الاستثنائي بسانت إكزوبيري لكونه طياراً وحسب. جان فرنسوا رافيل على سبيل المثال اتّهمه في منشور احتجاجي باستبدال الدماغ البشري بمحرّك طائرة قائلاً: «صار نبياً رغم أن معجزته الوحيدة أنه كشف للفرنسيين بأن الغباء يصبح حقيقة فلسفية عميقة إذا ما رفعناه عن الأرض مسافة سبعة آلاف قدم». ولم يتوانَ في وصف مؤلفاته بـ «الاستغباء من قمرة القيادة». ولنا أن نتساءل أيضاً من كان سانت إكزوبيري حقاً؟ كاتب أصيل أم قيمة أدبية زائفة؟ وتبقى أفضل طريقة لمعرفة ذلك الغوص في حياة وأدب مؤلف أشهر كتاب فرنسي وُضع للأطفال في القرن العشرين والأعلى مبيعاً بعد الكتاب المقدس.

الطفولة: الحديقة الذهبية
حكاية أنطوان دو سانت إكزوبيري هي حكاية طفل يلهو بجنود بلاستيكيين، ولد في فرنسا تهدهدها أوهام العظمة وسيَر ملحمية لقادة عظام تُروَى بطولاتهم للأجيال اللاحقة بلغة تشبه الصوت الكورالي الذي يتغنى بالمبادئ والنظام وانصهار الفردانية في المعارك الفعلية. وتمت تنحية الحرب جانباً حين فُسِّرت بوصفها نظاماً من الرموز والاستعارات والمجازات، لكن هذا التضليل الذي أحدثته في العقول والقلوب المغامرات والمآثر الإنسانية الفائقة للجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى -في معركة آراس على سبيل المثال- ستزول إلى الأبد بعد هزيمة 1940. لكن ليس قبل أن تطبع بعمق جيلاً بأكمله بين الحربين العالميتين. جيل ينتمي إليه سانت إكزوبيري ويعتبر النصر في ساحات الحرب علامة التفوق الروحي والأخلاقي.
أنطوان هو الابن الذي طال انتظاره لجان وماري دو سانت إكزوبيري، ولد في ليون في 29 حزيران (يونيو) 1900. رغم وفاة والده بسكتة دماغية في محطة قطار قبل عيد ميلاده الرابع، إلّا أن الحنين إلى سنواته الأولى سيطارده بقية حياته: «لستُ متأكداً من أنني عشت منذ الطفولة»، أو «يا له من منفى مضحك أن يتم نفيك خارج الطفولة». كما لو أن حياة مؤلف «الأمير الصغير» كانت فقط مواجهة طويلة ومؤلمة بين الطفل الذي كانه والرجل الذي عليه أن يكون: «لماذا هذه الرغبة في مواجهة الرجل بشبح طفل ضعيف؟».
سرعان ما سيحل محل الأب المفقود أب آخر مثالي تظهر ملامحه جلية في رواية «القلعة» التي لم تكتمل ونُشرت بعد رحيله. يتراءى فيها أمير الصحراء، هذا الأب الخيالي وهو يلقن ابنه الحكمة والقيادة: «إذا أردتُ، أستطيع إنشاء حضارة متّقدة بالحماس، كتائبها مفعمة بالبهجة وتنبعث الضحكات الصافية من العمّال العائدين في نهاية النهار. حب الحياة فيها شديد، والأمل قوي في معجزات يأتي بها الغد. وقصائد يُسمع فيها للنجوم صدى».
لطالما كان سانت إكزوبيري طالباً مشتت الذهن، يعاني من الاستيقاظ في السادسة صباحاً ومن دروس النحو، لكنه كان يعود خلال العطل إلى سان موريس، مملكته المشتهاة التي يسودها قانون واحد: اللعب، وأحياناً الاختراعات الخطيرة، مثل اختراع دراجة هوائية طائرة، بالإضافة إلى استغراقه في دروس الغناء وكتابة المسرحيات والتعرف إلى أنواع الأعشاب والزهور. يقول: «أتذكر ألعاب طفولتي، الحديقة المظلمة والذهبية المأهولة بالآلهة. المملكة التي لا حدود لها التي خلقناها من كيلومتر مربع، لم نستطع أبداً أن نكتشفه أو نسبر أغواره بالكامل». وقد وثقت شقيقته سيمون ـــ التي كانت مثله شغوفة بالكتابة ـــ هذه الذكريات في كتاب بعنوان «خمسة أطفال في حديقة».

طيران ليلي
كان سانت إكزوبيري متذبذباً في خياراته، انحاز في البداية إلى مدرسة الفنون الجميلة التي التحق بها كمستمع لدراسة الهندسة المعمارية. وحين بدأ خدمته العسكرية، أخذ دروساً خاصة في الطيران ليعُرض عليه في العام التالي التحول إلى القوات الجوية الفرنسية ويتم تعيينه طياراً في الفوج 37 المقاتل في الدار البيضاء. ستتراءى له البيئة الجديدة كحلم ظل يستحضره طازجاً في كل كتاباته. رغم الحرارة والجفاف والملل بدا مذهولاً بمشاهد الصحراء «أرى من المساء رجالاً عجائز رائعين ونساء صغيرات كالنقط، تبرز هاماتهم باللون الأسود من الغيوم الحمراء وتتحلل ببطء حتى تتوارى خلف الجدران». لكن بعد عودته إلى أجواء باريس الملبدة بشعور باللاواقعية، أذعن إلى اعتراضات عائلة خطيبته، الروائية المستقبلية لويز دو فيلموران، وترك مهنة الطيران «الخطرة» ليتولى وظيفة محاسب، حيث كان يتحلّل من الضجر في ساعات الدوام: «أتثاءب في مكتب مترين في مترين وأشاهد سقوط المطر في الفناء الذي تطل عليه نافذتي، بينما أقوم بعمليات جمع وطرح». وسيتحرر في النهاية من هذا القفص منفصلاً عن خطيبته ويلتحق بشركة «لاتيكوير» كطيار عام 1926 وينشر في العام نفسه أول قصة قصيرة له.
استتبع سانت إكزوبيري اشتغاله على اللغة التي تنقل تجربته كمدير ترانزيت الخطوط الجوية لمطار كيب جوبي في المنطقة الإسبانية جنوب المغرب، في الصحراء الكبرى، حيث شملت واجباته التفاوض بشأن الإفراج الآمن عن الطيارين المفقودين الذين أخذوا كرهائن من قبل قبائل الصحراء الكبرى، وهي مهمة محفوفة بالمخاطر أكسبته وسام الشرف من الحكومة الفرنسية. وسيُعيَّن في عام 1929 مديراً لفرع للشركة العامة للبريد الجوي في الأرجنتين، يتفقد الطرق الجوية الجديدة عبر أميركا الجنوبية ويشارك في بعثات البحث عن الطيارين المفقودين.
هذه الطرق الجوية المحفوفة بالمفاجآت وفّرت المادة الخام لروايته «بريد الجنوب» (1928) التي ولدت من تأملاته في عزلة طرفاية في الصحراء المغربية تلتها رواية ثانية «طيران ليلي»، كتب مقدمتها أندريه جيد وفازت بجائزة «فيمينا»، لكن مشاهِدها تمجّد روح الفتوة والولاء للقائد البطل، وتضعنا أمام شخصية ريفيير القائد المغامر بحياة الطيّارين لإحراز انتصاراته في ساحة صراع تجاري شرس. وللعبارات التي يرددها القائد في صيغة حِكَم، من قبيل «ليست سعادة الإنسان في الحرية إنما في تقبّل واجب ينهض به» و«أحِبّ من تقودهم ولكن من دون أن تخبرهم بذلك» أن تُقرأ اليوم كمديح للنظام الشمولي وقد ساهمت آنذاك في تشويه صورة سانت إكزوبيري بين مثقفي عصره رغم أنه نقل ما عايشه في عوالم شركات الملاحة الجوية وسباق السرعة مع وسائل النقل الأخرى.

السقوط الأول
مثل فابيان الذي يصارع عواصف الثلج والضباب في «طيران ليلي»، وافق سانت إكزوبيري على المشاركة في رحلة باريس - سايغون على أن يصل بين المدينتين في أقل من خمسة أيام وأربع ساعات وكانت وزارة الطيران آنذاك تختبر قدرة طائرات النقل على التحمل وتعطي مكافآت للطيارين الأكثر جرأة. لكن طائرته ستصطدم بهضبة وتسقط في الصحراء. يقول «الصحراء؟ لقد أتيحت لي الفرصة لأقترب منها يوماً ما، لأحفظ خطوطها عن ظهر قلب [...] وجدت نفسي في مصر، على حدود ليبيا، عالقاً في الرمال كما في الصمغ واعتقدت أنني سأموت». انتشله البدو بعد ثلاثة أيام من التجوال اليائس، وكان يشارف على الهلاك من العطش، حينها قال عبارته الشهيرة: «الغرق في وسط المحيط أهون من الغرقِ في هذه الصحراء». وبعد شهر قضاه في القاهرة، عاد إلى فرنسا ليكتب مغامراته في سلسلة من المقالات لصحيفة L›Intransigeant ويُدرجها لاحقاً في فصل من «أرض البشر» (1939). الحساسية الأدبية هنا مستقاة أساساً من التوثيق، ولا دور للمخيلة في صناعتها، بل للأمر الواقع، وهذا ما يمايزها، وبذلك سيتم إرساله لتغطية الحرب في إسبانيا حيث سيكتب المانشيت المدوي: «هذه الحرب ليست سوى بروفة لصراع على وشك أن يندلع في فرنسا».

سلّة السرطانات
تصدُق النبوءة لتغدو الحرب ظرفاً حياتياً يضطر سانت إكزوبيري أن يختبره ويرى رفاقه يسقطون ويختفون ويقتلون في 1940. كابد «الطين والمطر وآلام الروماتيزم في المزارع والأمسيات الخاوية والشك والخوف على علو عشرة آلاف متر» لكن الأسوأ قد حدث، فقد سقطت فرنسا بيد ألمانيا النازية وأعلن المارشال فيليب بيتان الحكومة الفيشية موقّعاً اتفاقية الهدنة التي تقسم البلاد لمنطقتين، الأولى خاضعة للسلطة العسكرية الألمانية المباشرة والمنطقة الثانية تبقى تحت السيادة «الشكلية» الفرنسية. وانضم بيار لافال للحكومة ليصبح فيها المهندس الرئيسي للنظام الفيشي، التقاه سانت إكزوبيري حين ذهب للحصول على تأشيرته الأميركية وأشار إليه بصوت عالٍ «ها هو الرجل الذي باع فرنسا!». وحين تأكد من أنه سمعه، أضاف مخاطباً رفاقه: «حسناً الآن وقد قلتُ ما يكفي ليطلقوا عليّ النار صباح الغد، ما رأيكم أن نذهب في نزهة؟».
على مدى ستة أشهر، فشلت كل محاولات صاحب «رسالة إلى رهينة» (1943) في توحيد أبناء بلده الذين بدوا خانعين للاحتلال راضين بمصيرهم في بلد أصبح شبيهاً بخلية واحدة تنقسم إلى نصفين يحدق واحد منهما فقط بالآخر ويتمحص فيه كغريب. فقرر الرحيل إلى الولايات المتحدة لتغيير الرأي العام الأميركي من الموقف الانعزالي إلى دعم المشاركة المباشرة في الحرب، ولبى دعوة ناشره كيرتيس هيتشكوك للبقاء بضعة أسابيع للمشاركة في ندوات قبل العودة إلى شمال أفريقيا للقتال. لكن منفاه سيدوم أكثر من عامين، ليجد نفسه في مجتمع فرنسي وصفه بـ«سلة السرطانات» مزقته المشاحنات الحزبية ويجر عليه موقفه «اللاسياسي» عداوات في كل من المعسكر الديغولي وجماعة فيشي.

«لا شك أنني أحلم»
الشقة التي أقام فيها أنطوان دو سانت إكزوبيري تقع في الطابق الثالث والعشرين من مبنى يطل على سنترال بارك. زوجته كونسويلو «المرأة البركانية» من السلفادور، ستصرّ على أن تنضمّ إليه بعد ذلك بعام وتسكن شقة أخرى على بعد بضعة طوابق. يعيش كل واحد منهما مغامراته العاطفية على حدة ويلتقيان في المشاجرات وحفلات العشاء قبل أن يعودا للسكن معاً من جديد في لونغ آيلاند في بيت مترامي الأطراف ثم في مانهاتن على امتداد إيست ريفر. يُقال إنها كانت ترميه بصحون فناجين الشاي وهو يتفاداها الواحد تلو الآخر بينما يواصل التحدث إلى ضيوفه. كان يبلغ أربعين عاماً آنذلك، يوقظ أصدقاءه في ساعات غير معقولة ليقرأ لهم آخر ما كتب ويحلم بالعودة إلى القتال قبل قضاء بقية أيامه في دير للرهبان. كان يعاني من الأرق والاكتئاب رغم أنه كان يتمتع بشهرة مطلقة في أميركا، فقد باعت «أرض البشر» 250 ألف نسخة وحازت مع «عناقيد الغضب» لجون شتاينبك «جائزة الكتاب الوطني للولايات المتحدة».
يبدأ «الأمير الصغير» من الحلم والطبيعة وتلقائية العواطف بوصفها عناصر للمقاومة وتشييد عالم ممكن


كتاب «الطيار الحربي» استهله بجملة بسيطة على طريقة كامو: «لا شك أنني أحلم» ليسجّل موقفاً إنسانياً رؤيوياً شاملاً، كما هي الحال في بعض الأعمال الروائية التي يسقط أصحابها في بئر التنظير. قرأه روجيه مارتين دو غار في نيس عام 1943 ولخص انطباعاته قائلاً: «إن سانت إكزوبيري مُلهِم طالما يكتفي بالحديث عن مهنته كطيار، ولكن حين يخوض في الأخلاقيات ويريد أن يستخلص من تجربته الشخصية عقيدة وأسلوب حياة يصبح لا يطاق. الكتاب طموح جداً لكن النهاية مخيبة للآمال». وقد كان من المقرّر أن يصدر الكتاب في 1942 في أميركا، لكن الكاتب استمر في الحذف والإضافة، ولم يسلّم المخطوط إلا في العام التالي. وفي هذه الأثناء، كانت اليابان قد نفذت غارة جوية مباغتة على بيرل هاربر أرغمت الولايات المتحدة على دخول الحرب. وها قد حان أخيراً وقت الطيار كي يقنع الرأي العام الأميركي أنّ الفرنسيين ليسوا جبناء ومتعاونين مع النازية. ولذلك، كان تأثير الرواية فورياً لأنها تحرّض على الصراع من أجل قتل الخوف وإثبات الذات، تواطأ معها القارئ الأميركي وبيعت حوالى 150 ألف نسخة. أما في فرنسا، فقد سمح الرقيب الألماني جيرهارد هيلر بنشره بعد محو جملة واحدة «هتلر الذي بدأ هذه الحرب الوحشية»، لكن الأصوات المنددة سترتفع من معسكر فيشي لأن المؤلف يحتفي بشجاعة رفيق سلاح يهودي. أما المعسكر الديغولي هو الآخر، فسيكشر عن أنيابه لأنه لا يحب كثيراً لعبة الغميضة التي تعتمد إرسال القارئ إلى غياهب النفس البشرية، لتفكيكها وترويضها، خاصة أن النهاية جاءت غامضة: «غداً سنلتزم الصمت أيضاً» يكتب سانت إكزوبيري «غدا أمام الشهود سنكون المهزومين، وعلى المهزومين أن يصمتوا مثل البذور». كلمة بذور هنا تدل على أن شيئاً ما يُدبَّر في الخفاء، شيئاً ما سيزهر أخيراً في هذا الخراب لكن التشبيه هش للغاية ودقيق للغاية كي لا يسحقه حذاء عصر لا تُقبل فيه أنصاف المواقف.
في هذه الأثناء على الكوكب ب 612، كان الأمير الصغير يعرف جيداً أن «الشيء المهم لا تبصره العين»، وكان يراقب يومياً الشمس وهي تغرب أربعاً وأربعين مرة في انتظار أن تنمو زهرته الفريدة بأربع أشواك تحتمي بها من العالم.



الأمير الصغير
في بانيو الشقة 220 في سنترال بارك ساوث، يقوم سانت إكس كما يسمّيه المقربون بتجارب علمية بالألعاب للتفكير في عمليات الإنزال. يتخيل الأمواج والتيارات والغواصات ويصنع طائرات ورقية يجمعها في سلال كبيرة ثم يرميها الواحدة تلو الأخرى في سنترال بارك مثل طفل كبير بائس، نصف أمير نصف ليوناردو دا فينشي، آلاته ونصوصه تحلم بالحرية، لكنها تصطدم بحرية الرجل الديمقراطي الأميركي التي لا تتعدى «شراء جريدته الصباحية لاستيعاب هذا الفكر الجاهز والاختيار بين ثلاثة آراء لأنهم اقترحوا عليه ثلاثة آراء». وعلى الرغم من نجاح «طيار حربي»، إلا أن حالة سانت إكزوبيري الصحية تدهورت جراء معاناته من عواقب حادث قديم وانتهى به المطاف في المستشفى في لوس أنجلس حيث اكتشف حكاية حورية البحر الصغيرة لأندرسن، وحفزه ذلك على كتابة حكايته مستعيناً بعلبة من الألوان المائية أهداه إياها صديقه المستكشف بول إيميل فيكتور، ليولد الأمير الصغير بقامته الظليّة وشعره المجعد الأشقر على ورق يسمّى Onion skin paper لأنه في منتهى الرقة.


تقول الأسطورة إن يوجين رينال الناشر الأميركي، رأى ذات يوم «الأمير الصغير» مرسوماً على زاوية من زوايا ورق الطاولة في مطعم «أرنولد» في نيويورك. وحين سأل «من هذا»، أجاب سانت إكزوبيري: «لا أعلم، ولكنْ هذا الفتى الصغير ذو الوشاح يطارد خيالي منذ سنوات». في السادس من نيسان (أبريل) 1943، صدر كتاب «الأمير الصغير» عن دار «رينال أند هيتشكوك» الأميركية، بعد مرور أكثر من ستةِ أشهر على اقتراح رينال بأن يُحرر أنطوان الصبي الذي يرسمه بجعلهِ بطلاً لقصةٍ للأطفال تُعرض في واجهات المكتبات في أعياد الميلاد. يبدأ كتاب «الأمير الصغير» من الحلم والطبيعة وتلقائية العواطف بوصفها عناصر للمقاومة وتشييد عالم ممكن، ويروي اللقاء بين طيار تعطلت طائرته في الصحراء يوقظه صبي صغير هامساً «من فضلك ارسم لي خروفاً»، ليتبين أنه أتى من الكوكب ب-612، الذي تركه لكثرة متاعبه مع أهم ما يملك، وهي زهرته الفريدة، عندما لم يكن مستعداً لها، «فهو صغيرٌ ولا يعرف كيف يحب الأزهار بعد». يبدو لنا الكتاب أمثولةً فكرية متكاملة، نصاً فلسفياً يدنو من «روبنسون كروزو»، وبالتالي من «حيّ بن يقظان» أكثر من دنوه من أي كتاب آخر، خاصة حين نتأمل سخرية الكاتب من عالم البشر عبر أفكار ورحلات الأمير بين الكواكب؛ من الملك الذي يظن أن كل الناس رعاياه وعبيده، وحتى النجوم عليها واجب الطاعة، والرجل المغرور الذي لا يسمع سوى الإطراء ويردد على الدوام «قدم لي خدمة، حاول أن تُعجب بي»، ومدمن الخمر الذي يشرب لينسى خجله من شربه للخمر ورجل الأعمال المُنهمِك في عدّ نجوم السماء التي يظنها في حيازته ومن حقه. المناخ ومفردات القصة تحيلنا إلى حياة المؤلف الشخصية؛ فالثعلب كان قد رآه أثناء طيرانه ذات يوم في الصحراء الموريتانية، وأشجار الباوباب الضخمة لمحها من سماء السنغال، أما الوردة، فتشير دلائل كثيرة إلى أنها ليست سوى زوجته كونسويلو التي يخاطبها قائلاً: «ما كان عليّ أبداً أن أهرب، كان عليّ أن أدرك الحنان الكامن خلف حِيَلها. إن الزهور تناقض نفسها دائماً، لكنني كنت أصغر من أن أعرف كيف أحبها».