لم تكن فكرتنا الرومانسية عن الفراشة موجودة في الماضي. فالفراشة لم تكن كائناً سماوياً لطيفاً بجناحين ملونين. بل كانت رمزاً للجهل والطيش، يُضرب بطيشها المثل: «أطيش من فراشة»، يقول المثل. ويقال أيضاً في وصف جهل الفراش وخفته: «فراش النار، جهل الفراشة، خفة الفراشة، حلم الفراشة» (الثعالبي، ثمار القلوب). أما الحديث عن «حلم الفراشة»، فهو تعريض بالفراشة لا امتداح لحلمها: إذ «يقال ذلك كما يقال: حلم عصفور. قال الشاعر: سفاهة سنّور وحلم فراشة/ وإنك من كلب المهارش أجهل». بذا فربط الفراش بالنار ربط سوء وتشهير بالفراشة: «يقال في موضع الذم والهجاء بالطيش والجهل والتهور: ما هم إلا فراش نار وذباب طمع؛ كما قال الشاعر: كأن بني طهية رهط سلمى/ فراش حول نار مصطلينا/ يطفن بحرها ويقعن فيها/ ولا يدرين ماذا يتقينا... وقال: والفراش وأصناف الذباب أجهل خلق الله، لأنها تغشى النار من ذوات أنفسها حتى تحترق» (الثعالبي، ثمار القلوب).


داميان هيرست ـــ من سلسلة «فراشات» (2015)

وقد جعل الفراش من ضمن أصناف الذباب، التي مصيرها النار يوم القيامة حسب حديث نبوي. «فراش النار: ذباب النار؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل ذباب في النار إلا النحلة» (الثعالبي، ثمار القلوب). النحلة فقط هي الفرقة الناجية بين الذباب. ففي بطونها العسل الذي هو شراب مختلف ألوانه. أما الفراشة، فهي كالذباب يملأ الطمع بطنها: «كان الحسنُ إذا وَعظ يقول: يا لها موعظةً لو صادفت من القلوب حياةً، أَسْمَع حَسِيساً ولا أَرَى أنيساً، ما لهم تَفاقدوا عقولَهم؟ فَرَاش نار وذُباب طَمَع» (ابن عبد ربه، العقد الفريد).
ولأن الفراشة طيش وخفة، فإنّ الرجل الطائش يسمى «فراش» بناء على ذلك: «الفَراش: الخفيفُ الطَّيّاشَةُ من الرجال» (لسان العرب). وحتى في القرآن، فقد ذكر الفراش في سياق الذم. فالناس في يوم القيامة يكونون فراشاً مبثوثاً «يوم يكون الناس كالفراش المبثوث» (القارعة 4)، أي في حال من الخوف والفوضى.
وجهل الفراشة وطيشها نابع من الفكرة التي تدّعي أن الفراشة تذهب للنار طوعاً كي تحرق نفسها، أي كي تنتحر. إنها المنتحر النموذجي: «جهل الفراشة: يضرب به المثل، لأن الفراشة تطلب النار لتلقي نفسها فيها، كما قال الشاعر: إذا ما دنا حتف الفراشة أقبلت/ إلى وهجان النار تطلب مخلصاً» (الثعالبي، ثمار القلوب). ويُنسب للنبي حديث يؤكّد المعنى الشائع: «إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم» (اليوسي، زهر الأكم). وهكذا فالذين يتحدث عنهم الحديث يندفعون للنار كالفراش، والرسول يأخذ بهم من حُجُزهم، أي أحزمتهم، ليمنعهم من التهلكة. لكن علينا أن نشير إلى أن الفراشة النموذج في هذا كلّه هي فراشة العثّ في البيوت. وهي التي يربكها ضوء قناديل الليل، فتبدو كما لو أنها ترمي بنفسها فيها وتحترق. ويظنّ الدميري أن ذلك نابع من ضعف بصرها: «الفراش: دواب مثل البعوض، واحدتها فراشة، وهي التي تطير وتتهافت في السراج لضعف أبصارها، فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار، فإذا رأت فتيلة السراج بالليل، ظنّت أنها في بيت مظلم، وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء، فلا تزال تطلب الضوء وترمي بنفسها إلى النار، فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنّت أنها لم تصِب الكوة، ولم تقصدها على السداد، فتعود إليها مرة بعد مرة، حتى تحترق» (الدميري، حياة الحيوان).

شعر الحب يغيّر المعنى
لكن شعر الحب أحدث نقلة جدّية بخصوص الفراشة كرمز لاحقاً. إذ أخذ المحبوب يتبدّى ناراً والمحب فراشة ترمي نفسها في هذه النار طواعية. بذا، فرمي النفس في النار ليس انتحاراً، بل تضحية باسم الحب. يقول محمد بن جعفر بن بكر الآمدي:
«يستعْذِبُ القلب منه ما يُعذِّبُهُ
ويستلِذُّ هَواهُ وهو يُعْطِبُهُ
مِثل الفَراشةِ تُدني جسمَها أبداً
إلى ذُبالةِ مِصباحٍ فتُلْهِبُهُ» (العماد الأصبهاني، خريدة العصر).
وهكذا، فالمحبّ مثل فراشة ترمي نفسها في نار المحبوب كي تزيد اشتعالها. أي أن وظيفة الفراشة هي زيادة حدّة اللهب - النور وتقويته. بذا، فهي لا تنتحر بل تضحّي بنفسها من أجل النور، أو من أجل الحب، لا فرق. بذا فهي بشكل ما حارسة للنار، حارسة للهبها. وهكذا تحوّل الجهل الطيش إلى تضحية، وتحوّل الطيش إلى طراز من العبادة. ثم جاء المتصوفة فرفعوا استعارة الفراشة إلى مداها الأقصى. صعدوا بالفراشة إلى مرتبة رمز كوني، وجعلوها استعارة للعشق الإلهي المطلق، كما عند جلال الدين الرومي: «الناس في هذا العالم مثل ثلاث فراشات أمام شمعة متوهجة. الأولى اقتربت بعض الشيء من الوهج، وقالت: لقد عرفت العشق. والثانية اقتربت أكثر ملامسةً الوهج بطرف جناحها وقالت: لقد عرفت العشق. أما الثالتة فألقت بنفسها كلية في قلب الوهج، فاحترقت تماماً وتلك وحدها التي عرفت معنى العشق».
العشق احتراق. المحبة احتراق. وإن لم تحرق المحبة، فهي ليست محبة. والفراشة هي المحب الأعظم لأنها المحترق المكتمل الأعظم


هذا هو الأمر: العشق احتراق. المحبة احتراق. وإن لم تحرق المحبة، فهي ليست محبة. والفراشة هي المحب الأعظم لأنها المحترق المكتمل الأعظم. هي المحب وقد رفع حبه إلى غايته. يضيف الرومي في مكان آخر. «يا أيها العاشق لست أقل من فراشة، ومتى تجتنب الفراشة النار؟». الفراشة لا تتجنب النار ليس لأنها طائشة حمقاء، بل لأن النار جوهر وجودها. فهي بشكل ما جناح للنار. إنها نار مشتعلة بجناحين. وفي أقل تقدير، فهي عابدة من عباد النار. لذا فرؤية الفراش في الحلم: «تدل ... على عبدة النار» (عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام). إنها كافرة مثل عبدة النار. لكنها ليست منتحرة طائشة. إنها عابدة للنار. بل إنها تصير عند الرومي هي الشمعة نفسها، هي النور نفسه. أي أنها ترمي بنفسها في النار لأن جوهرها نوراني. إنها النور ذاته. الشمعة ذاتها. شمعة بجناحين اثنين هي: «وإذا كان ثمة حيوان مثل الفراشة لا يستغني عن نور الشمع ويرمي بنفسه على ذلك النور فسيكون هو نفسُه شمعةٌ، وإذا ما ألقت الفراشةُ بنفسها على نور الشّمع، ولم تحترق فلن يكون ذلك شمعاً أيضاً». ولأنها شمعة، فهي تحترق مثل الشمعة. تحرق جناحها كي تنير الظلمة، وتبدّدها. إنها قطعة من النهار في جوف الليل.
وهكذا، أخرج المتصوفة الفراشة من صف أهل النار، وجعلوها في صف أهل الجنة. لقد صارت مثل النحلة، بل أعلى منها مرتبة. فهي لا تحمل في بطنها عسلاً نتذوق حلاوته، بل تحمل في قلبها شوقاً عظيماً يفوق العسل في حلاوته. وبهذا نكون قد انتقلنا من «فراشة العث» إلى «فراشة القز»، أي فراشة دودة القز، التي تمنحنا ثوبها. انتقلنا من الفراش السيئ إلى الفراش الطيب: «فراش القز يدل على الأخيار الذين بذلوا خيرهم وكفوا شرهم» (النابلسي)
عليه، فلدينا تقليدان اثنان بشأن الفراشة. وهما يختلطان أحياناً. ويعرض لنا النابلسي معنى الفراش في هذين التقليدين المتعاكسين، تقليد الخفة والطيش وتقليد العق والتضحية:
«الفَراش: تدل رؤيته في المنام على الجهل، وعدم التجارب بخدمة الملوك. وربما دلّت رؤيته على المحبة وإلقاء النفس للتلف. وتدلّ رؤيته على عبدة النار، أو الخوف والجزع، لقوله تعالى: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث). والفراش عدو ضعيف مهين. والفراش للفلاحين يدل على البطالة والشدة وموافقة النساء السيئات» (عبد الغني النابلسي، تعطير الأنام في تفسير الأحلام).
الفراشة حيرة. فهي من سكان الجنة والنار معاً.

* شاعر فلسطيني