الكائن الإنساني وحيد، يحيط به وحيدون
(ميلان كونديرا- حفلة التفاهة)



كانت عبارة «حظر تجوّل» تخص بيانات الانقلابات العسكرية في المقام الأول، قبل أن تفرضها معظم السلطات في أنحاء العالم لمواجهة الوباء اليوم. فيروس غامض يحمل اسماً أنثوياً ناعماً: «كورونا»، هزّ أركان الكرة الأرضية، وأثار الرعب والهلع بين البشر، مثل مشهد مقتطع من جحيم القرون الوسطى، عابراً حدود القارات، وأختام الحدود. شوارع خالية ومحال مغلقة، وكائنات هائمة، كما لو أن زلزالاً مدمّراً أصاب المدن. تعليمات صارمة في مواجهة هذا الفيروس، إلى درجة إعلان حظر التجوّل بين أعضاء الجسد الواحد. إبعاد اليد عن الفم والأنف والعينين. اليد التي كانت تعانق الآخر، باتت مثل خنجرٍ مسموم. اليد الحذرة من مصافحة يد الآخر. احذر يد الرغبة في الملامسات الحميمة، وانتبه إلى جرس إنذار الندم المتأخر. النظرة المرتابة والتحديقة المعادية لمن يعبر إلى جانبك خشية أن يكون مُصاباً بهذا الوباء اللعين. وجوه منهوبة على مسافة مترٍ واحد من رعب مركز «الحجر الصحي»، أو توقيت ساعة الهلاك. نداء المؤذن للصلوات الخمس في مسجد فارغ. عزلة قسرية في فضاء ضيّق ومغلق، و«حياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل»، وفقاً لما يقوله الفيلسوف المتشائم شوبنهاور. غرق في المُطهِرات. خوف من تلوّث مقابض الأبواب، والمفاتيح، والريموت كونترول، وماوس الكمبيوتر، وأغلفة الكتب، والأكياس البلاستيك، وأيدي الباعة وهم يناولونك بقايا النقود الورقية القذرة. وفي المقابل، ستنتعش فتاوى الأدمغة المثقلة بخرافة الغيبيات، وثقافة الرغوة، وهستيريا النظافة. ثمّ انتبه إلى مسافة الأمان مع الآخر، كما لو أنك سيارة فاخرة عند شارة مرور، كيلا تتحوّل إلى خردة بشرية في لحظات. يا لهشاشة الكائن الخائف: أن تعقّم مشاعرك من فيروس العاطفة، وأن تعيش الذعر على أشدّه. كلّ هذا العنف المتناوب يتدفق بجرعات بصرية عالية، ليلاً نهاراً، وأنت مثل فأر تجارب، تنصت مرغماً إلى خبير الأمراض الجرثومية، ثم تنقلب عليه لمصلحة خبير آخر يمنحك جرعة أمل بتفاهة هذا الفيروس أو عبوره الخاطف والمؤقت، والانتصار عليه بالأدعية، فيما يؤكد ثالث بأنها حرب مختبرات جرثومية، وصراع إمبراطوريات، ودرجة إضافية في توحّش النيوليبرالية. ستهزّ رأسك من دون يقين بانتهاء حقبة، وبداية حقبة أخرى تطيح وتقوّض ما قبلها في تشريح معنى العالم وخرائطه القديمة، وطراز حروبه المقبلة، واندحار مفهوم الثقافة المعولمة، وهشاشة الشعارات، ورخاوة أيقونات الأمس. تحلم لبرهة بألّا حروب مدمّرة بعد اليوم. سيُطوى معها أرشيف أمراض السل والملاريا والجدري والكوليرا وصولاً إلى الكورونا. ستنهار منظومة قيم متوحشة، وستبزغ شمس الإنسانية فوق الكوكب، من دون أن تتفوّق شجرة نسب على أخرى. تحلم بأن ما يحدث في مطحنة الميديا مجرد حفلة تنكرية شكسبيرية، وأكذوبة إعلامية لتجديد هواء أسرّة المستشفيات من رائحة أنفاس العجائز الذين أرهقوا ميزانيات الرعاية الصحيّة في البلدان المتقدّمة، ولعبة كسر ركب بين البورصات العالمية. يحتاج هذا الكوكب المحزون إذاً، إلى استراحة محارب، وإعادة فحص للعجلات وتزييتها على نحو آخر كي لا تبلغ حافة الهاوية، والانتباه بجديّة إلى احتجاجات الطبيعة وانقلابها المسلّح ضد العار الذي لحق بها من انتهاكات نفايات المصانع وأدخنة المعامل، ودهاليز الصفقات المريبة في مكاتب الشركات العملاقة، وثقافة الوجبات الجاهزة، وفيروس التوحّش المذهبي، والفردانية، والنهب، وحروب المياه، وتدمير الغابات، والشعبوية، وأنظمة التفاهة، والجغرافيا السائلة، ونهاية التاريخ، وعولمة الحواس. هكذا سنعيش مرغمين عزلتنا القسريّة، في الوقت المستقطع من الكارثة، أو علينا «اختراع العزلة» وفقاً لبول أوستر «غُرفنا هي السجون الوحيدة التي ندخلها طوعاً لنجد الحريّة» يقول. سيقودنا بول أوستر من «عزلة الأب» إلى مراجعة عزلة الآخرين بطبقاتها المتعدّدة، ربما لنكتشف ما يشبه عزلتنا، وترميمها بمفردات وعناصر وأوهام، أكثر جاذبية وطمأنينة، وفي الوقت ذاته كي نصرف ساعات «حظر التجوّل» بضجر أقلّ. ولكن هل سنصحو على نصّ آخر، نص الأفول، نصّ التفكّك، يطوي فهرس الأمس، في الكتابة، و«مهنة العيش؟»، فحسب ما يقول محمود درويش «العزلة مصفاة لا مرآة». هنا بروفة أوليّة لفضائل العزلة وارتدادات حظر التجوّل:

جورج توكر ـــــ «مشهد بوجوه» (تمبرا على خشب مضغوط ـــ 1965)


رهين المحبسين
سنرتطم أولاً، بأكثر أنواع العزلة ثراءً، نقصد عزلة أبي العلاء المعرّي (973- 1057)، هذا الفيلسوف والشاعر الذي ابتلي بالعمى، إثر إصابته بمرض الجدري، وهو في الرابعة من عمره، فأجج موقد البصيرة كحاسة بديلة في تفكيك ألغاز الكون. ذلك أن «رهين المحبسين» عاش في عزلة صارمة وخشنة ونباتية، امتدت نحو خمسين عاماً، مقلّباً خلالها أسباب القلق والريبة في مواجهة الغيبيات، بأفكار تشاؤمية وضعته في مهب الإلحاد والزندقة، مؤكّداً أن «لا إمام سوى العقل». أمر أوقعه في شباك فتاوى تكفيرية، زادت من عزلته الشخصية من جهةٍ، والتحليق بأفكاره الجريئة من جهةٍ ثانية، كما في «رسالة الغفران» على نحوٍ خاص. يقول في توصيف طبقات الكارثة الإنسانية: «غيّرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح/ وأودي ربع أهليها فبانوا وغودر في الثرى الوجه المليح». بروحه السوداوية، وزهده بلذة العيش، حشر المعرّي شعراء في النار، وآخرين في الجنّة، تبعاً لرؤيته الذاتية لسلوكيات الشعراء ومواقفهم. في مديح العزلة، يقول: «فما للفتى إلا انفراد ووحدة، إذا هو لم يرزق بلوغ المآرب». عزلة طويلة، أثمرت نصّاً مضاداً ومحرّماً. ذلك أن الكتابة عنده، وفقاً لقراءة عبد الفتاح كيليطو في كتابه «المعرّي أو متاهات القول»، تشكّل «صراعاً عنيفاً مع ما لا تجوز كتابته، وما لا يجوز قوله، ومجهوداً شاقّاً متواصلاً لصدّ ما يتعارض مع الصواب، وإقامة سدّ منيع دونه».

عراء الذات
خاض أبو حامد الغزالي (1085- 1111) تجربة فريدة في العزلة. أدار ظهره للزحام والسجالات والفتاوى، متّجهاً نحو الصحراء. هناك تحت قبة السماء الصافية، وغموض الرمل وهبوب الريح، اكتشف بهجة العزلة، وعراء الذات. عشر سنوات كاملة من التأمل والتفكير والتدوين، أنجز خلالها كتابه الإشكالي «إحياء علوم الدين»، وقد خصصَ الكتاب السادس لآداب العزلة، ومما جاء فيه، «فإن للناس اختلافاً كثيراً في العزلة والمخالطة وتفضيل إحداهما على الأخرى، ومع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن غوائل تنفر عنها وفوائد تدعو إليها وميل أكثر العباد والزهاد إلى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة وما ذكرناه في كتاب الصحبة من فضيلة المخالطة والمؤاخاة والمؤالفة يكاد يناقض ما مال إليه الأكثرون من اختيار الاستيحاش والخلوة، فكشف الغطاء عن الحق في ذلك مهم. روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال خذوا بحظكم من العزلة وقال ابن سيرين العزلة عبادة. وقال وهيب ابن الورد بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس، وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار ما أصبرك على الوحدة وقد كان لزم البيت، فقال كنت وأنا شاب أصبر على أكثر من هذا، كنت أجالس الناس ولا أكلمهم، وقال سفيان الثوري هذا وقت السكوت وملازمة البيوت». ويضيف: «لستُ أخلو لغفلةٍ وسكون/ وفرارٍ من الورى وارتياح/ إنما خلوتي لفكرٍ وذكرٍ/ فهي زادي وعدّتي لكفاحي».

عزلة أم خلوة؟
يفرّق ابن عربي في «الفتوحات المكيّة» بين العزلة والخلوة قائلاً:
«فأما العزلة فهي أن يعتزل المريد كل صفة مذمومة وكل خلق دنيء»، و«أرفع أحوال العزلة الخلوة».
«فإن الخلوة عزلة في العزلة فنتيجتها أقوى من نتيجة العزلة العامة».

نزيل الغرفة 53
بالنسبة إلى روائي مثل ألبير قصيري (1913- 2008)، تبدو العزلة خياراً فلسفياً صرفاً. ذلك أن «فيلسوف الكسل» الفرنسي، من أصل سوري، لم يغادر الغرفة 53 في فندق «لويزيان» بالقرب من جادة سان جرمان، منذ أن غادر القاهرة في ثلاثينيات القرن المنصرم ليستقر في باريس. يبدأ صاحب «شحاذون ونبلاء» نهاره بعد الثانية ظهراً، إثر قيلولة طويلة، متسكّعاً بين مقاهي الأدب إلى آخر الليل، حتى إن مقهى «كافيه فلور» كرّس جائزة مالية باسمه، بالإضافة إلى كأس من النبيذ الفاخر للفائز كل يوم. عاش وحيداً ومات وحيداً، فوق السرير نفسه، مكتفياً بكتابة سطر واحد كل يوم، على أمل أن يقرأه أحدهم ولا يذهب إلى العمل في اليوم التالي.
قال مبرّراً وحدته «هذا العالم الذي نعيش فيه تحكمه عصبة نبيلة من الأنذال التي لطّخت الأرض».

فرناندو بيسوا: مائدة الوحدة
لفرط رغبته بالعزلة والانطواء، ابتكر الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا (1888- 1935) نحو 70 اسماً وهمياً يوقّع به كتاباته. شخصيات افتراضية تشاركه مائدة الوحدة ومشقة العيش. يوزّع شذراته على أصدقاء وهميين من طراز ألفارو دو كامبوس، وألبرتو كابيرو، قبل أن يعود إلى تأملاته الذاتية والقراءة بنهم في عزلته المختارة، متمنياً أن تحفظه الآلهة في خزانة. في «كتاب اللاطمأنينة»، تلفحنا يومياته بمذاق غريب ومتوهج ومراوغ يفتك بالذائقة المستقرة بلا رحمة. وإذا به يجذبنا بعنف إلى مجابهة ميتافيزيقية في تشريح الذات والوجود. يقول مفسّراً عزلته: «عزلتي ليست بحثاً عن سعادة لا أملك روحاً لتحقيقها، ولا عن طمأنينة لا يمتلكها أحد إلا عندما لا يفقدها أبداً، وإنما عن حلم، عن انطفاء، عن تنازل صغير». عزلة ستتكشف بعد 30 عاماً على وفاته عن 27423 نصّاً ووثيقة، كان قد نشرها بأسماء سريّة لطالما توارى وراءها بمهارة.

كافكا: عزلة اليائس
لا مسافة مرئية بين فرانز كافكا (1883- 1924) ونصوصه في تدشين عزلة نموذجية. فالكائن بالنسبة إليه، ليس أكثر من حشرة ضخمة تستيقظ على الرعب من الموجودات، وتفاهة العالم، وتعرية القهر، بأقصى حالات اليأس والسوداوية والاغتراب، ذاهباً إلى نهايات مفزعة لشخصيات رواياته، قبل أن يوصي صديقه ماكس برود بحرق آثاره الأدبية. إلّا أن وصيته لم تُنفّذ. عزلة كابوسية لمريض السل، أتت كمحصلة لعلاقته المتوترة مع أبٍ قاس، ومغامرات عاطفية لم تكتمل، منسحباً إلى ذاته القلقة والمرتابة في مواجهة أحكام «مستعمرة العقاب». في إحدى رسائله إلى حبيبته فيليس باور، يحذّرها قائلاً: «ستكونين، بعدئذ، في عزلة رهيبة يا فليس، سوف لن تفهمي كم أحبّك، وسيكون صعباً عليّ أن أظهر لك كم أحبّك. ورغم ذلك، ربما، سأكون لك بشكل خاص جداً، اليوم ودائماً. ما رأيك إذاً.. في الرجل الذي ينام حتى 7 أو 8 صباحاً، يأكل شيئاً ما بسرعة، يتنزّه ساعة ثم يبدأ بالكتابة حتى 1 أو 2 ليلاً. هل ستتحمّلين كل هذا؟ من الرجل الذي سوف لن تعرفي عنه سوى أنه يجلس في غرفته ويكتب؟ ويقضي الخريف والشتاء على هذا المنوال؟ هل هذه حياة ممكنة؟». في لحظة تشاؤمية أخرى، سيقول: «أرغب في عزلة تخلو من التفكير، أكون فيها وجهاً لوجه مع نفسي».
برّر ألبير قصيري وحدته قائلاً: «هذا العالم الذي نعيش فيه تحكمه عصبة نبيلة من الأنذال التي لطّخت الأرض»


فريدا كالو: سرير الكآبة
لولا عزلتها القسرية في أحد مستشفيات المكسيك، إثر حادثة سير، أدت إلى تحطّم عمودها الفقري، والخضوع إلى نحو 32 عملية جراحية، لما حصلنا على رسائل فريدا كالو (1907- 1954). نصوص ورسومات مدهشة عن عزلة الذات، كما لو أنها أوكسجين يكسر صمت الجدران الضيّقة، ويوسّع شرايين الوحدة. لكن الرسّامة المكسيكية المتمرّدة، لم تحتمل السأم طويلاً، تحت وطأة عذاب الجسد المشدود إلى سرير الكآبة «أهذا السريرُ هو المكان الذي ينبغي أن أكون فيه بعد أن كنتُ جوابةَ الآفاق أطوف الشوارع والطُرق طوال حياتي؟»، تتساءل. القديسة الشهوانية أو القنبلة المتشبثة بأعمدة اللغة، وفقاً لوصف أندريه بروتون لها، قاومت العزلة بشراسة رسالة وراء أخرى، إلى أصدقاء وعشّاق بوصفها إكسير النجاة من موتٍ مؤكّد. تكتب في إحدى رسائلها إلى أليخاندرو غوميز أرياس «لو تعرف عمق الشقاء الذي يجلبه اكتساب المعرفة على نحو مفاجئ: مثل الصاعقة التي تنير الأرض! أعيش الآن على كوكب مؤلم، شفافة كالصقيع، كما لو أنني تعلمت كلّ شيء دفعة واحدة في غضون ثوانٍ. صديقاتي ورفيقاتي غدون نسوة على مهل. أما أنا فقد كبُرتُ في لحظاتٍ معدودة، وبات كلّ شيء مضجراً وتافهاً. أدرك الآن عدمية الوجود، فلو أن هناك شيئاً ما، لتبصّرته».

دعد حدّاد: عواء الوحدة
لم ننصت حينها إلى عواء الوحدة الذي كان ينبعث من غرفتها الرطبة في مستودع للكتب. ماتت دعد حدّاد (1937- 1991) وحيدة ومنبوذة ومشّردة مثل اتهام علني للجموع، ذلك أن النخب لفظتها خارجاً، غير عابئة بهذه المرأة البدينة بقبعة من القش، وعصا الجنرال، وهي تكيل الشتائم لأصدقاء الأمس. كانت تكتب عزلتها على بعد خطوات من الموت، ثم تتوسّد معطفها وتنام، مثل طائر جريح فقد عشّه إلى الأبد، مثل زهرة بريّة لا أحد يعلم لغز الرائحة السريّة لعطرها وأشواكها. شاعرة عزلاء مدجّجة بنصوصٍ متوحشة تتناسل من أحشائها بأقصى حالات الحزن والحب والوحدة «لماذا تعصف بي الريح وحدي؟». تتساءل بسخط، ثم «أود أن أطير، أن تكون مهنتي الخطر». ماتت دعد حداد، بعدما أهدت المعجم الشعري أكثر القصائد بلاغةً «لا أحد يستطيع أن يسكن قبري/ أنا من تحمل الزهور إلى قبرها وتبكي من شدة الشعِر/ أغمضوا أعينكم/ سأمرُّ وحيدةً كرمح»، و«استيقظوا الآن، أنا وحيدةٌ، ها هي أجراسي وتوابيتي».

متاهة أوكتافيو باث
لا نحتاج إلى اختراع العالم، إنما لصوغه على نحوٍ آخر. هذا ما يخلص إليه الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث (1914- 1998) في كتابه «متاهة العزلة»، مؤكداً أن الحضارات «ليست قلاعاً، بل هي طرق متقاطعة». وتالياً ينفي ثقل ثقافة الغزو في تأثيرها على الهويات الأساسية، شرقاً وغرباً، بالاتكاء إلى حركة مزدوجة: العزلة والانقطاع، ثم الدخول في الثقافة الكونية، في عملية تبادلية. ذلك أن المشاركة والعزلة والرغبة في الحب تتعارض وتتكامل. هنا مقاطع من المتاهة:
- نحن محكومون بالعيش في عزلة، لكننا محكومون أيضاً بتجاوز عزلتنا واستعادة الصلات، التي كانت تربطنا بالحياة في ماضٍ فردوسي. كل جهودنا تسعى إلى محو العزلة. هكذا يملك الإحساس بالعزلة دلالة مزدوجة: فمن جهة يدل على الوعي بالذات، ويدل من جهة أخرى على الرغبة في الخروج من الذات. إن العزلة، وهي شرط حياتنا، تبدو لنا كامتحان وتطهر، وفي نهايتها يختفي القلق والتيه.
- العزلة عقوبة، أي إدانة وتطهّر. إنها عقوبة، لكنها أيضاً وعد بنهاية منفانا. وكل حياة هي حياة مسكونة بهذه الجدلية.

ماتت دعد حدّاد وحيدة ومنبوذة ومشّردة مثل اتهام علني للجموع


- الميلاد والموت تجربتان للعزلة: نولد في عزلة، ونموت في عزلة. لا شيء أكثر خطورة من هذا الغوص الأول في العزلة، الذي هو الميلاد، إلّا هذا السقوط الآخر في المجهول، الذي هو الموت. إن الإحساس بالعزلة، الحنين إلى جسد انتزعنا منه، هو حنين إلى المكان. وهذا المكان، حسب تصوّر قديم يوجد عند كل الشعوب تقريباً، ليس إلّا مركز العالم، سرّة الكون.
- إن كل مجتمع يحتضر، أو في طور العقم، ملزم بإنقاذ ذاته بخلقه لأسطورة الخلاص، والتي هي أيضاً أسطورة الخصب والخلق. العزلة والخطيئة تتحولان إلى مشاركة وخصب. إن المجتمع الذي نعيش فيه أنجب أيضاً أسطورته. فعقم العالم البورجوازي يفضي إلى الانتحار أو إلى شكل جديد للمشاركة الخلاقة. تلك هي «ثيمة زمننا»، مادة أحلامنا ومعنى أفعالنا

حظر تجوّل للكتب
على عكس حضر التجوّل الذي تفرضه حكومات الانقلابات العسكرية تبعاً لنجاح أو فشل الانقلاب، وكذلك ما تدعو إليه السلطات في أوقات الكوارث الطبيعية، وهو إجراء مؤقت غالباً، فإن محاكم التفتيش القديمة والجديدة فرضت حظر تجوّل على بعض الكتب لفتراتٍ طويلة إلى درجة المطالبة بإبادة بعضها، كما لو أنها وباء فتّاك. هكذا منع ستالين رواية جورج أورويل «1984» من الدخول إلى الاتحاد السوفياتي (1950) لإدراكه بأن الرواية تسخر منه شخصياً. وستنال رواية «دكتور جيفاغو» لبوريس باستراك قراراً مشابهاً بالحظر حتى عام 1988 بذريعة انتقادها للبلاشفة. وستمنع الهند رواية «إله الأشياء الصغيرة» لاورنداتي روي بسبب علاقة محرّمة بين امرأة مسيحية وخادم هندوسي. كما منعت غواتيمالا تداول رواية «السيد الرئيس» لميغل انخل استورياس لفضحها آليات الاستبداد في البلاد. وكانت أميركا وبريطانيا قد حظرتا رواية «عشيق الليدي تشاترلي» للروائي البريطاني د.هـ. لورانس حتى أواخر الخمسينيات بتهمة الفحش. الأمر نفسه بخصوص «عوليس» لجيمس جويس التي حُظرت في بريطانيا الثلاثينيات بسبب محتواها الإباحي. من جهتها، لم تحتمل فرنسا التنوير عبور رواية «لوليتا» لفلاديمير نابوكوف، ولم يرفع الحظر عنها حتى عام 1964 نظراً لإباحيتها أيضاً. وستشمل القائمة أميركياً، «مدار السرطان» لهنري ميللر حتى أوائل الستينيات، أما تسونامي «آيات شيطانية» لسلمان رشدي، فقد عصف بالرواية وصاحبها لتهجمها على الإسلام، فحظرت من التجوّل في إيران وباكستان والهند والكويت ومصر. وكذلك «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، و«وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر في مصر. هناك أيضاً كتاب «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول الذي مُنع في مقاطعة هونان الصينية عام 1931، قبل أن يصبح لاحقاً في طليعة حكايات الأطفال في العالم. لاحقاً، سيفضح الروائي الصيني داي سيجي في روايته «بلزاك والخياطة الصينية الصغيرة» أكثر أنواع حظر التجوّل هولاً وعسفاً، حين منعت السلطات الصينية أثناء الثورة الثقافية في ستينيات القرن الماضي، تداول وقراءة أي كتاب لا يمجّد الشيوعية الماوية، تحت طائلة العقوبة المشدّدة، حتى لو كان هذا الكتاب روايةً لبلزاك أو لمارسيل بروست أو فوكنر!