لا يشبه عنوان رواية راهيم حسّاوي «ممرّ المشاة» (دار نوفل) جوهر روايته على الإطلاق. اَخر ما يجول في خاطرك أن يكون الكاتب قد قَصَد في عنوانٍ كهذا رمزية «الفضاء العام» حيث تتلاقى الذات مع الاَخر. فإذا كان السير على ممر المشاة يتطلّب من المارة الاستقامة، فقراءة هذه الرواية ليست بهذه السهولة أبداً. هذا لا يعني أن النص المُقَدّم يتطلب تبحّراً في الانعطافات بل على العكس تماماً. نحن أمام عمل أدبيّ متقن، يتطلب قراءة دقيقة، تنسجم فيه الأحداث وتتداخل كأنك أمام فسيفساء تُكمِلها التفاصيل ويلوّنها العبث حتى تخال أن الكاتب ليس سوى حرّيف في الرواية الفرنسية، الوجودية منها تحديداً.


بلغةٍ أدبية أنيقة تلامس الشعرية، يتصدرها الوصف المشهدي وانسيابية عالية في سردٍ تلقائي متدفّق، يكتب حسّاوي قصة مهاجر يُدعى نوح، وهو الشخصية المحوّرية في العمل، يقف على الجهة المضادة من الصورة المعتادة للبطل، تعتريه الهامشية المفرطة، مسلوخ عن الانتماء وله وتيرته الذاتية الداخلية التي تشكل عالمه الخاص ونادراً ما تتلاقى مع ما هو مركون في الخارج.
باقتضابٍ موجز مشغول لا يتماثل مع المنطق المعتاد في أسلوب بناء شكل روائي ينصاع إلى قواعد النسق، تبدأ الحكاية «وأخيراً قتل بالميرو تاجر السمك بأدنى درجات المنطق» لتثير فيك الدهشة بتجلّي هذا الضرب العميق للمنطق حتى عند الكاتب نفسه أثناء بنائه للحبكة. ويتهيأ لك أن قرار حسّاوي أن تكون الحبكة بذاتها مدخلاً للرواية جعل تقنية كتابته تشبه إلى حدّ بعيد المعالجة السينمائية في العرض الروائي. إذ يتصدّر المشهد الأبرز الواجهة، من الزاوية الكبيرة قبل الدخول عن كثب، كأنه «زووم»، إلى صميم الأحداث التي تنساق وتتوالى، فتبقى مذهولاً أمام نص حيّ ومنعش.
لأسبابٍ متعلقة بالتذاكي والمكابرة، قرر بالميرو قتل تاجر السمك الذي يملك مطعماً في نابولي لفقدانه حجة مقنعة، منطقية يقدمها إزاء مساءلته. وفي الحين نفسه، ولأسبابٍ مجهولة متروكة للتكهّن، أطلق فابيو صديق بالميرو رصاصة في ظهر كارلو العامل في المطعم وأرداه معطوباً. «كارلو المعطوب» قليل الكلام، غاضب من العالم يعتقد «نوح» أن «وراء كل هذا الاحتقار الذي يكنّه للبشر عطباً في قلبه قبل أن يكون في عموده الفقري». متوّجس بمعرفة سبب إصابته بتلك الرصاصة ومتشبث في الوقت عينه بحكمة بالميرو التي يردّدها على لسانه «العالم سيغرق بالمنطق ولا خلاص له إلا بأدنى درجات المنطق»، يتعرّف إلى نوح الذي وصل إلى برلين عام 2015 لإجراء عملية زرع أسنان. لكنه في أعماقه يعلم أن ما يريده يفوق كلّ هذا، فهو أراد «أن يرى قبح العالم كاملاً، فحين يكون القبح والفقر في بلد ما، فإنّ العالم كلّه قبيح». ولأن كارلو لا يحب الكلام، لم يشأ نوح أن يعرف منه السبب الكامن وراء استضافته السكن معه بلا مقابل، فيبقى مبرّر هذه الخطوّة خارج سطور الرواية.
عمل أدبيّ متقن يتطلّب قراءة دقيقة


يأتي في أحداث السرد أن العلاقة بين الإثنين نشأت بعد حادثة بسيطة عابرة. بطريقةٍ عفوية أشبه بالمصادفة، تعرف نوح إلى كارلو بعدما سمعه بلهجته الإيطالية يشتم رجلاً وامرأة متذمّراً من نظرة ذاك الرجل الذي أعطته انطباعاً بأنّ الأخير يكنّ له الاحتقار. ويبدو أن الإيطالية التي تعلمها نوح من امرأة، كانت عاملاً ساعده في فهم جوهر كارلو وطباعه. لكن سرعان ما تتنبه إلى أن هذه اللغة التي كانت مفتاح هذا التعارف، تتخطى الشفهية المحكية وأنها أبعد من أن تكون أداة مخاطبة لتستنتج أنها لغة جوّانية، داخلية بحت، ما جعل نوح يشعر بالألفة والقُرب من كارلو. رأى أن «الكاَبة التي تعتريه (كارلو) جعلته يبدو كرجل في أيامه الأخيرة، والعطب الذي في ظهره يتغلغل في نبرة صوته في معظم الأوقات، يمنحني صورة عن بؤس العالم الذي لا يمكننا رؤيته ما لم نملك الخيال».
استنتاجات كارلو الوجودية التي يدوّنها على لوح معلّق على جدران المنزل واقتناعه العنيد بوجوب امتلاك أدنى درجات المنطق، لا يمنعان ماضيه من ملاحقته لمعرفة الدافع الحقيقي وراء إطلاق النار عليه من قبل فابيو. تشعر أن سؤال المنطق والمعنى المختبئ وراء الأفعال يطوف بالقوّة على جوهر الرواية، كأنها معادلة شبيهة بأن اللامنطق بعينه هو منطق أيضاً. لكن نزعة نوح الجدلية وهو الراوي الأساسي، التي تميل بين العدمية المطلقة وتسويغ أفعاله وشرحها كأنه يفكر بصوت عالٍ ومرتفع يجعلك تتعلّق بشخصه وتُعجب بمزاياه الفريدة، ليطغى حضوره على العِقدة الأساسية التي تتسم بها الرواية وتهيمن مغامراته عليها، ويغدو نقطة الانبثاق الأولى للأحداث.
هنا تتعقّد الرواية وتأخذ طريقاً محاذياً في السرد حيث تتواتر الأحداث بتناغمٍ وتتشابك لتجد أمامك قصتين متلاحمتين: الأولى تتجلّى في قضية كارلو ورغبته المفرطة في الانتقام، والثانية مغامرات نوح الحياتية التي ترتكز إلى لحظات لامعة يستقيها خلسةً بطريقته الارتجالية.
لا يقتصر عنصر المفاجأة على غرابة التصرفات التي تقدم عليها إحدى الشخصيات أثناء مواجهتها المواقف، بل يكمن أيضاً في الظهور المباغت لأسلوب إيروتيكي أدبي رفيع استعمله حسّاوي في وصفه مشهد علاقة أقامها نوح مع بيترا ابنة فابيو. كأن عبثية نوح قادته إلى اختيار لحظات برّاقة يعيشها مع بيترا يطغى فيها الوله الجنوني واللذة القصوى والاستمتاع بتأمل الرافعات الشاهقة أثناء المشي سويةً، على أن يراقب تحركات فابيو ومكانه برفقة كارلو من الجسر شغفاً بقتله ولو أنه لم يكن يمانع ذلك في بادئ الأمر.
ولا تكمن براعة راهيم حسّاوي في تجريد المنطق وترك القارئ أمام احتمالات مفتوحة لفهم أو استنتاج الدوافع وراء أي تحرك أو سلوك يصيب الكائن ويترك عليه أثراً فقط، بل بإبداعه على تجسيد شخصيات خفيفة، غريبة، تسمع عنها في حياتك لكنك تشعر كأنها ظلال.
العمق السايكولوجي المغروس في نوح، هو تحديداً ما يجعلك تتطلب جرعات إضافية من الأحداث في هذا العمل. سرعة بديهيته في التقاط التفاصيل الدقيقة، وعيه لذاته كأنّ باستطاعته أن يراقب أعماقه من فوق (أقصى ما أجده في الرومانسية هو روح الدعابة في لحظة متسربة من عاطفة محكمة الإغلاق، وما عدا هذا فإني لا أجد في الرومانسية سوى خدش لصمت وحياء العاطفة)، وحسّه بلا انتماء إلى القضايا الخارجية، إنما تعلقه بالحنين للحظات مرّت كأن وجوده الحقيقي خامد في فقاعة وجدانية فردية. إننا أمام شخص «مديني» بامتياز، معجب بازدحام المارة ومراقبة السيارات من وراء النافذة.
تنتهي الرواية ولا أحد يصل إلى مبتغاه. رحلة طوعية في دهاليز اللامنطق. تنتصر اللاجدوى والخفة في كلّ مكان، كما تتجسّد بأبهى حلّتها في حادثة الأصدقاء الأربعة الذين يثملون في الحديقة ويهدّد أحدهم الاَخر بالاتصال بالشرطة في حال أخلّ بصفاء الجوّ القائم.