ما الذي أعنيه بـ: ماذا بعد كورونا؟ الوباء المُضّخم والمبالغ به لأنه يصيب الرجل الأبيض على عكس الملاريا والإيبولا اللذين يعيثان موتاً في إفريقيا منذ عقود، فحتى الموت طبقي، لكن الطبقة، تلك العلاقة الاجتماعية والحالة الإيديولوجية المتوارثة، تُغيّب.

والكورونا هذا يشبه بنتائجه الاجتماعية «برهة مينسكي»، في إحالة إلى الاقتصادي MINSKY ذي الميول الاشتراكية الذي تكلم عن دورة الدين أو الاعتماد، وبرهن أنّه مع الصعود في الدورة الاقتصادية المركزية، تعلو المديونية بنسب ومستويات أعلى تنفخ في فقاعات الأصول. وعندما يتباطأ الطلب، يشح الاعتماد وتركد الفقاعات ومن ثم تنهار. ثم نقش حكمته الشهيرة في علم الاقتصاد، عندما يأتي الجزر وينخفض منسوب المياه، ستعرف عندها من كان يسبح عارياً. الفقاعات لازمتنا، حيث كان من الأفضل أن نطلق على أمراض المجتمع الحديثة سمة «متلازمة الفقاعات»، لأن تأثيرها الصحي أكبر من المتلازمة السرطانية. ولدى المركز اليوم فقاعات كبرى في سوق المال والأصول تغذّيها سياسات النقد الرخيص. منذ الثمانينيات وحلول السياسات النقدية، تلك التي تفضل تعديل الدورة الاقتصادية بضخ النقد الرخيص، أفَلَت السياسات المالية التي تُعنى بتقوية الطلب بزيادة القوة الشرائية.

طومي اينغبيرغ ــ السويد

هناك من هم أكبر من أن ينهاروا. وبحسب مقولة مينسكي، الانهيار دوري ومثبت تجريبياً. أتى كورونا، لكنه بدل أن يعرّي من كان يسبح عارياً من الشركات الكبرى، عرّى المنظومة الرأسمالية بأكملها. فضح النقص الذي طاول القاعدة الاجتماعية التي تعيد إنتاج المجتمعات، كالصحة والدراسة ودور الحضانة وضمان الشيخوخة وهلم جرّا. لم تكن حصة الأجور وحدها التي ضمرت في المرحلة النيوليبرالية، فالأجر ما هو إلا رمز للقيمة وجزء من القيمة التي تعيد إنتاج المجتمع. أما الجزء الآخر، فهو حصة الإنفاق الاجتماعي على البنية التحتية الاجتماعية. وكلتا الحصتين انحسرتا، ما يعني بالضرورة زيادة حصة الأرباح. وتجدر الإشارة إلى أننا عندما نحسب حصة الأجور الحقيقية، نحتسب معها الصحة والإنفاق الاجتماعي بأكمله.
طبيعياً، الربح يرتفع بخفض الأكلاف التي تُمليها عملية المضاربة في السوق. فالسلع المتبادلة في السوق، تعيش حالة داروينية اجتماعية حيث البقاء للأقوى، والأقوى هو تلك السلعة ذات الجودة العالية والكلفة القليلة. وفي تكرار ظاهرة خفض التكاليف أي الممارسات الاجتماعية المُتّخذة لتسهيل الإنتاج، يُستنبط قانون يملي على المجتمع من خلال مؤشرات السوق، أين وكيف يستثمر وماذا يفعل بموارده، أي أين يوُرِدُ العوامل البشرية التي تحتاج لها السلعة للبقاء. وغالباً السلعة لا تحتاج إلى كل هذه الموارد المتوافرة، فتدمر جزءاً كبيراً منها، وما يزيد الطين بلة، أن التدمير والمُدمر بذاته يُسعّر ويصبح سلعة متداولة ومنتوجاً بذاته. ونحن نقول السلعة تملي، والسلعة تفعل هذا، لأن السلعة لها قدسيتها. وبما أنّه يراد لها أن تتكاثر وهي بحركتها الموضوعية تتكاثر، فإنها بمنطقها التوسعي هذا تستملك إرادة من أراد لها أن تتكاثر أصلاً. كلّما فرضت السوق خفض التكاليف، كلّما زاد الحيّز الذي يحذف جزءاً من الموارد، إن بعدم التشغيل أو الدمار. وأعلى درجات الحذف هذه هي حروب الانتهاك التي تسلب الشعوب إرادتها، تخفض سعر أرزاقها وعملها، وربما حتى تستعبدها من خلال الانقضاض على دولتها، وتأتي على بيئتها. وهنا يتطابق المنطقي مع التاريخي، أي أننا أمام سلعة حكمت لا لجمالها، بل لأنها تنتمي إلى سوق متحكّم بتشغيل الموارد، تقمص عقلها التوسعي حيزاً كبيراً من الناس موَسطين بمؤسسات كبرى وأفكار مهيمنة، ألغت البديل الاجتماعي. فكلما قال أحدٌ ما «اشتراكية»، تهبّ المؤسسة لتريك فيلماً هوليوودياً يقتل فيه ستالين 200 مليون روسي فيما كان عدد سكان روسيا لا يتعدى الـ 100 مليون. هناك اليوم متاحف لمجازر الشيوعية في أوروبا، تتحدى تلك المخصصة للنازية. الطبقة الحاكمة، أو العلاقة الاجتماعية الحاكمة ليست بأشخاصها، إذ أنّها غير مشخصنة، هي فكرة حاكمة مكونة تاريخياً، مرعية، مرباة على أجيال، محفزة مادياً ومعنوياً، مستأصلة، كالطائفية في لبنان مثلاً. هي إيديولوجيا حاكمة، مجردة، لكنها حقيقية وقدراتها في تغييب الواقع أسطورية. هذه السلطة، بناسها المسلعين، تقدر أن تسلخ الوعي عن الكيان الاجتماعي. وعلى سبيل الحصر والمثال، ها هو الكوكب يتآكل وتتآكل معه أسس وجود البشرية أي الكيانات الاجتماعية، بينما الوعي السائد يقول إن لا حلّ إلا اقتصاد السوق. وكمثال على قدرتها على تزوير الواقع وحرف الرؤية، تُدرّس المادة الاقتصادية على أنها علم توزيع الموارد في ظل ندرتها، بينما أزمة رأس المال هي فائض الإنتاج وتحييد الموارد. هذا التحييد الذي غالباً ما يعني البطالة، أو حروب الإفراغ السكاني. إن القدرة الهائلة للطبقة الحاكمة، نابعة من كونها تقمصت منطق السلعة، هذه الفكرة المجردة إنما الحقيقية التي لديها انعكاسات حقيقية، ذروتها ظاهرة الانفصام ما بين الوعي والوجود. أي أن الإنسان يعيش حالة وجودية مزرية، لكنه يصوّرها ويُعللها بمنطق لا يمتّ بصلة لواقعه، كالطائفي مثلاً. لكن في كل أزمة، كما يقول الفيلسوف جورجي لوكاتش، تتجلى مآس جديدة تعيد للشعوب بعضاً من التصورات التي تشذّب رؤياها المجتزأة وتدفعها لتحقيق ذاتها، أي لإعادة تكوين ذاتها كطبقة مغايرة وكفكرة منافية، أي كفاعل تاريخي. وأزمة كورونا التي ربما أكملت على فقئ الفقاعة، هي إحدى هذه الأزمات التي برهنت قطعاً على تفوق النموذج الاجتماعي مقارنة بالنموذج الخاص أو النيوليبرالي. لنأخذ مثلاً مقاطعة كرالا في الهند المحكومة بأحزابٍ ذات ميول اشتراكية، فيما الدخل فيها لا يعادل عشر متوسط الدخل الأميركي أو الإيطالي. على الرغم من هذا، تتجلى كرالا كنموذج يدرّس للتنمية، لميزاته وقدراته الاجتماعية العالية المستوى، إن على صعيد العلم أو الصحة. فكيف لمنظومة اجتماعية كهذه أن تكون أكثر كفاءة في محاربة الوباء، من القوة العظمى، ونحن هنا لا نتكلم عن الصين، الكيان الهائل ذي القدرات الهائلة؟
على الرغم من هذا الوضوح لأفضلية الاجتماعي على الخاص، لا نجد جحافل الشعوب تنطق بهتافات ثورية تنفي المنظومة الحاكمة، بما في ذلك قانون تطورها الذي يخفض الأكلاف السالفة الذكر. ولهذا القانون اسم آخر، ألا وهو قانون القيمة، وهو بأهم تجلياته الإمبريالية. أي أننا لا نجد الشعوب تستهدف الإمبريالية وعنفها، وتمارس حق الدفاع عن النفس، بل ما نجده هنا وهناك بالونات من التنفيس الاجتماعي بأحزاب و«أنجزيات» NGO’S ترعاها الإمبريالية. وهذا التنفيس، إذا صح القول، ضروري لقانون القيمة، لأن دورة القيمة هي دورة للوعي، لأن الوعي هو الفكرة التي تحكم، أي هوية الطبقة. وهذا الوعي، عندما لا ينافي قطعاً ليبرالية الفكر المهيمن، يعيد إنتاج الطبقة الحاكمة وفكرها بشكل أقوى. ما يعني أن التوسط بين الرمز المتجلي في السعر، والقوة أو السلطة الناجمة عن التغلب على «ثورات» مبنية على إيديولوجيات ليبرالية فرزتها الإمبريالية، يُعيد تأهيل الدورة الاقتصادية بما تمليه السلعة. السلعة الحاكمة، الإيديولوجية، تخلق وعياً مناقضاً، لكنه غير مناف لقانونها، وهي بذلك تتجدد بأقوى مما كانت عليه. فهل هذه الحالة إلا نتاج مرونة رأس المال؟ وبرأس المال هنا، نقصد علاقة رأس المال، وليس جوهره الفيزيائي، فعلم الاجتماع يُعنى بدراسة العلاقات الاجتماعية، أما الجوهر الفيزيائي، فهذا ندعه للعلوم الطبيعية.
الحرب المقبلة على المنطقة حرب تصفية حساب مع امتداد الصين


لذا فالاقتصاد في دورته هو دورة وعي، لها أولوية على دورة السوق التي يُرمز إليها بالأسعار والربحية. دورة القيمة هي دورة خفض الأكلاف باستلاب الإرادة، واستلاب الإرادة هو سلخ الذاتية والوعي. وبصريح العبارة، كسر النفوس يسبق خفض الكلفة، لأنه يضعف الموقف التفاوضي. فمن دون وعي مناف للمنظومة، تطبع أميركا تريليونات جديدة تسعف رأس المال، من دون أي مساءلة ـــ وها هي اليوم تقوم بقلب السياسة المالية رأساً على عقب ـــ فتلك السياسة التي تبناها كينز Keynes لمساعدة الطلب من خلال دعم الأجور، صارت اليوم في ظل أزمة الكورونا سياسة دعم نقدي فوري لرأس المال الحقيقي. المقاهي والأوتيلات المغلقة مثلاً ستقبض تعويضاً أكبر من تعويض العمّال. وما هذه التريليونات إلا الديون التي يرتهن بها عمل وحياة الأجيال المقبلة. النقطة هنا، من دون وعي مناهض لهذه المنظومة، ستخرج أميركا من هذه الأزمة بفقاعات جديدة، تنتظر وباء جديداً كي يعرّيها مجدداً. لكن في المستقبل، قد يكون ارتفاع منسوب البحار جراء الاحتباس الحراري، والآفات البيئية كالكورونا وغيرها، وربما يُستحدث اختلال في التوازن البيئي ذو عواقب عاتية.
أما سؤال «ماذا بعد»، ففيه نوع من الجرأة غير الموزونة، خصوصاً في استشراف الوعي وتطوره. من الممكن استدراك بعض ما يحصل أمام أعيننا، والإحاطة بالقانون الموضوعي الرئيس الذي يدفع الأمور باتجاه استهلاك الذات، في عملية إنتاجٍ خاصة وربحية. لكن عندما يُسأل عاقلٌ عن التخمين في زمن اللايقين، أي عن تلاقي علم الاحتمالات الشكلي مع واقع متشعّب ونوعي، فسيرفع يديه على الأغلب، مستسلماً لمحال التطابق. أي باختصار، لا يمكن معرفة المستقبل. لكنّنا نفهم أسس التطور المرحلية، ونفهم أن الوعي إن لم يتغيّر، فسيبقى الحال على ما هو. لذا يُقال إن حلبة الصراع الأولى، هي حلبة الصراع الإيديولوجي. فكيف بالأحرى في زمن بتنا فيه قاب قوسين أو أدنى من انقلاب في الأقطاب؟ والسلاح الأكبر، هو التلفازات والجامعات الأميركية، وأجهزة الفبركة الإيديولوجية التي عرّاها الكورونا، لكنها لم تسقط بعد. هذه الأجهزة هي التي أضعفت، أو حتى هتكت، الإنسان والبيئة وألغت البديل الاجتماعي، فكانت الهزيمة الإيديولوجية حادة جداً. منذ أوائل القرن التاسع عشر، لم يكن لدينا غياب ليوتوبيا دنيوية كما نحن اليوم. كل ما كان ينبغي اللجوء إليه لدحض الفكر الاجتماعي الاشتراكي، هو أن يقول أحدهم إن «ستالين كان شيوعياً»، حتى تسقط الخيارات الاجتماعية! كان لليسار الغربي باع كبير في بناء هذه الصورة، ولهذا هو مدعوم رأسمالياً، وربما هو أكبر ماخور أو جهاز إمبريالي.
لكن لتطور الوعي قوانينه التي تعكس تطور الواقع. وكما في الصيرورة الموضوعية للواقع، حيث هناك ترابط وتمفصل بين الجزء والكل (Synergy)، كذلك في تطور الوعي. لكن هذا التطوّر، حسب علم المنظومات في إعادة توسيط الجزئيات في الكل، هو انصهار للقوانين الكلية. العلاقات محكومة بموازين قوى، والقوى المتمثلة في الكل تقوى على الأجزاء والأطراف، فما هي هذه الانعكاسات الكلية التي تعيد اصطفاف القوى لمصلحة هذا التيار التاريخي أو ذاك في هذه المرحلة؟
أولاً هناك اختلال في موازين القوى الدولية حيث أصبحت الصين بتحكّمها بالدورة السلعية الاستعمالية فعلياً، أكبر من أميركا. ولهذا الاختلال انعكاس، هنا وهناك، يكسر هيبة الإمبراطورية الأميركية، أي هذا التصور على أنها قوة لا تُقهر والمنتجة المحتكرة للمعرفة. وما يدفع عجلة الأمور في مصلحة الصين، قدراتها المالية التي قد تجذب وتحرف ميول العديد من الانتهازيين. وهذا بدوره يشكل قوة دفع لدحض الإيديولوجيا السائدة، أي الطبقة المهيمنة. وهنا أستند إلى معلومة مفادها أن المصرفيين اللبنانيين طبعوا أسماءهم باللغة الصينية على بطاقات عملهم!
هذا التحوّل الكلي هو تحوّل منظوماتي، أي أن المنظومة الاجتماعية تلقائية، وتتحكم بذاتها، لها روحها الفكرية وتصيغ قوانينها. ولم لا؟ طالما للسلعة الشيء، باع في التحكم الاجتماعي. والمنظومة هذه، أي المنظومة الدولية، هي منظومة المنظومات الكلية ذات القوانين التي غالباً ما ينصاع إليها الطرف أو الجزء. وهنا خللٌ آخر يذهب بنا إلى النقطة الثانية: ألا وهي فاعلية الصراع الجزئي، صراعنا نحن أهل الأطراف في ما مضى. في ظلّ السلطة المطلقة، كان النضال ضد الإمبرالية يقتل في المهد، وكانت أميركا دائماً على حق مهما أخطأت. اليوم، باتت هذه الجزئيات تجعل نضال شعوب العالم الثالث، أكثر فاعلية لوجود القوة المناوئة للإمبريالية. وهذا الترابط بين الجزء والكل المتحول، هو لبّ الموضوع في تطور الوعي الثوري. هنا، وفي هذا المفترق التاريخي، يفرش الفكر الثوري «الدرب المضيئة»، بمفردات تنفي وتدحض كل المفاهيم السابقة.
لكن الإمبريالية التي بنت ثراءها وسلاحها الفكري على إراقة الدماء في الأطراف، وبنت خزانها الإيديولوجي الذي يفوق خزانها النووي قوةً، لن تُفطم عن العنف بسهولة. منطقتنا هي ساحة تسوية للصراعات الدولية، وساحة التراكم بالحرب والعسكرة في آن واحد. أزمات بحجم أزمة كورونا ـــ ليس للكورونا فقط إنما لثقل الفقاعات وغياب القدرات الاجتماعية على التعاطي مع الأوبئة ـــ لا تحلّها سياسات نقدية ومالية في ظل تعّرِ الرأسمالية، وأفول إيديولوجية الإمبريالية. إن رأس المال الذي ينظّم عقل السلعة الواعي لمصالحه، يدرك أهمية الحرب للخروج من الأزمة. وهو رغم عدم عقلانية الاتجاه الحربي من وجهة نظر العقل الإنساني أو المؤنسن، لدى منطق السلعة المتحكم بعقول المؤسسات الرأسمالية قوة دفع ذاتية لن تختار إلا الحرب. الحرب تحاصر توسع الصين السلعي السلمي، تمتص الديون الخيالية برهن حقيقي، ألا وهو سندات الخزينة، وتعمق التقشف وسياسات الإفراغ السكاني التي تولد فائض قيمة أعلى. هذا ما لا جدال به. الموت والحرب هما المستشرَفان الأكيدان تحت حكم علاقة رأس المال.
وفي حروب التسوية الدولية السابقة في منطقتنا، راحت الكهرباء والمياه والأرواح، كانت حرب وجود اضمحل فيها وجود الشعوب العربية نسبياً وبالمطلق. إذا ما قسنا الأمور على خط بياني تصاعدي، نجد أنّ الإمبريالية لم تكن يوماً عنصرية ضد الشيعة أو السنة، أو الأكراد أو ذاك وهذا. أميركا، على عكس النازية، تكره الشعوب بالتساوي، أميركا الفكرة المهيمنة الإيدولوجية المستشيئة بالسلاح، تستهدف الشعوب بالتساوي لأن كمّ إنتاجها من التدمير، هو السلعة التي تنتج وتبيع، على عكس الصين التي تنتج البرادات والغسالات ولعب الأطفال. هي لا تبيع الجرابات أو مقصات الأظافر، تبيع موات الحياة، البنية والبشر سواسية. وما هذا الكم الكوني من الدمار والأزمة الوجودية، إلا إنتاج الفكر المهيمن بمفاهيمه السائدة الحاصلة على جوائز نوبل.
الحرب المقبلة على المنطقة حرب تصفية حساب مع امتداد الصين، من دون جبهة سياسية عريضة تطالب بالبقاء على قيد الحياة، كحد أدنى، كي لا نقول إننا نريد اصطفاف قوى مناضلة ضد الإمبريالية، كي لا تستنفى وتُهَجرُ الشعوب، وتروح مياه الشفة والكهرباء، وكل أسس إعادة إنتاج الحياة. الحرب الإمبريالية هي الثابت التاريخي، وكل ما بقي متغير. المنظومة الرأسمالية تستثمر في بناها الاجتماعية، كالتعليم لغاية أولية ألا وهي التكنولوجيا العسكرية. كل مكون اجتماعي من نفقات على التعليم والأبحاث، يستهدف تطوير التكنولوجية العسكرية. كل النفقات الاجتماعية تحفّز البنية الأمنية، وتطور التكنولوجيا التي بدورها ترفع الإمبراطورية إلى أعلى الدرجات في سلم تقسيم العمل الدولي. تبقى الحرب هي شكل التجلّي الأمثل لمنظومة تحكمها سلعة، تستعمل العنف بالضرورة، لسلخ العام لمصلحة الخاص. السلام ليس إلا في الوقت الضائع، من زمن الإمبريالية.

* مفكر ومناضل عربي