ھناك كتب قلیلة تتعلّق بالفنون الموسیقیة بشكل عام وتتعاطى بموضوع الھارموني وتآلف الألحان بشكل خاص تصدر بین حین وآخر برؤى أكادیمیة فوقیة متجزئة ومبتورة تأتي وتذهب بلا منھجیة أو تسلسل تصاعدي، لھا تأثير معرفي عملي یبقى في الذاكرة الفردية والجمعية للطلاب والمحترفين والذائقة وبقية المھتمین بهذا الموضوع الحساس الذي لا یبقى منه بالنھایة سوى ذاكرة (الاكوردات «التآلفات») وهي تتكرّر برتابة متداولة بصیغ قدیمة معلوكة أو بطرق تقلیدیة مدرسية لا اجتهاد فیھا أبداً.


وھناك من جھة أخرى، كتب إذا صدرت، فعلى المرء أن یتساءل لمصلحة من جرى تأخیر صدورها لكلّ ھذه المدة ولم تسعَ جماعة المعرفة والإدارة التعلیمیة والتربویة الخاصة بھذا الحقل أو الموضوع الذي یتناوله الكتاب بتبسیطھا وشرحھا بإبداع معرفيّ منهجي تصاعدي یزدھر بتسلسل الأمثلة المعرفیة لمسائلھا وبتمارینھا المتّسعة بالأمثلة والتمارین العملیة التي تتوسل البحث عن الأسھل والأفضل والأرقى والأنفع لتعطيه لجمھور الثقافة والفكر والمعرفة، بالضبط كما یلیق بالروح الأكادیمیة المتدرجة بتقدیمھا أسس المعرفة التربویة للطلاب وأھل التعلیم والتربیة النظریة والتطبیقیة المھنیة الرسمیة والخاصة، وذلك لكي یصدروه بلسانھم ولغتھم فتتعمّم بذلك فائدته بین الطلاب وجمھور الملحنین والموسیقیین الھواة والمحترفین وبقیة المثقفین نزولاً إلى أصحاب الھوایة فیه؟ لماذا إذن ولمصلحة من تأخر ویتأخر تبنّي إصدار الكتاب في لبنان موطن صاحبة الذي یمارس التألیف الموسیقي بالإضافة إلى مھنة التربیة والتعلیم في كونسرفتوار دولة الكویت منذ أكثر من عشرین عاماً؟ ورغم استثنائیة وضرورة الحاجة الماسّة إلى ھذا الكتاب القیّم، خصوصاً أنّه أتى بنسخته المعروضة على الدوائر الأكادیمیة والتربویة اللبنانیة المتخصّصة منذ سنوات وفي ظلّ غیاب كتاب عربي آخر تناول تلك المادة الحیویة بلغتنا ولساننا وبشكل شفاف حیوي ومتخصص؟ سؤال آخر في موضوع ھذا الكتاب، لا یقلّ أھمیةً عن السؤال السابق ھو: لماذا علینا أن نتلقف وجود كتب البحث القلیلة الأخرى المتداولة بتعقید وبلغات أجنبية لا تلبّي الحاجة الوطنیة والقومیة التي تتعاطى مع مواضیع المادة برؤية جافة وذات حساسية أجنبیة تختصّ بطبيعة موسيقى أھل تلك اللغات الأجنبیة سواء كانت فرانكوفونیة أو إنغلوفونیة؟ لماذا لا تسعى ھذه الدوائر الأكادیمیة التربویة لتغییر ھذا الواقع بكلّ إمكانیاتھا لمعالجة مواضیع ھذه المواد وتعلیمھا وتعمیمھا بلغتنا الجمیلة وبحساسیة لساننا وآذاننا التي تتذوق وتستمع وتتسع لكلّ أنواع الموسیقات الأخرى المتطورة ولكن عبر طبیعتنا تلك؟
لعل الإجابة عن ھذه الأسئلة إذا أحسنّا النوایا ستتراوح بأحسن الأحوال بین الإھمال والكسل من جھة وبین سیاسة المنفعة والتنفیع المستشریة في الإدارات ودوائر الوزارات الرسمیة المختصة لتتصل إلى إجابة أخيرة، ھي إبقاء المناھج الرسمیة في مواضيع معينة كالموسیقى والفكر والثقافة خاضعة لمصادر ومرجعیات تتقاسمها جماعات المعرفة والثقافة الفرنكوفونیة أو الإنغلوفونیة فيما بینھا، بلا أيّ خوض لتطویر مواضیع تلك المواد حسب مرجعیة لبنانية متوسّطة شرق عربية مخلصة لجذورها المعرفیة لتتوسل عبرھا فقط مصلحة تطویر تراثنا وعلومنا وفنوننا الوطنية والقومیة، وھي تلتقي باتصالھا بركاب بقیة الموسیقات العالمیة المزدهرة والمنتشرة بقوة وسلطة علومها الرفیعة المتطورة، منذ تراجع العرب وانكفائهم إلى الخلف بعد حقبات الأندلس التي ازدھرت خلالھا علومھم وفنونھم وموسیقاھم!
مناسبة ھذا الكلام ھي صدور كتاب المؤلّف الموسیقي اللبناني المخضرم عالمیاً، عضو جمعیة المؤلفین الموسیقیین الروس وھو المربي والمؤلف الموسیقي المقتدر في مجاله الدكتور عبد الله المصري تحت عنوان «الھارموني: تناغم الألحان». صدر الكتاب للأسف الشديد خارج بلده ومرجعيته اللبنانية الرسمية التي تخلت عنه بلا مبرّر سوى كونه باللغة العربية، صدر في جزءین: الأول یتناول مسائل الھارمونی التقليدي الدیاتوني، والثاني یتناول الناحية العملية التطبيقية للمادة الهارمونية من تمارين ونماذج منوعة. ولعل النظرة الخاصة بالرؤیة العمیقة التي عالج عبرھا المصري ھذا الموضوع أتت مقتدرة وحكيمة عبر ممارسته الخاصة لأمرين متلازمين لنجاح الكتاب وھما: أولاً ھو كونه مربياً أكاديمياً احترف التربية والتعليم التي یمارسھما كأستاذ مقتدر لمواد النظريات والتأليف في مؤسسات الكويت الأكاديمية الموسيقية وكقائد أوركسترا. والثاني أتاه من باب الاحتراف العالمي لحرفة وفن التأليف الموسیقي العالمي الحديث الذي تحفل بھا مؤلفاته العالمية المتطورة التي تزدهر بھموم تغليب الرؤية المقامیة الوطنية التي تتطلبها طبيعة وجذور الموسیقى الشرق عربية لتجعل من تناوله الأكادیمي الذي یحتفل به الكتاب أي موضوع الھارموني والتناغم بالألحان تبشر برؤية تربوية یتفرّد بها كمؤلّف محترف ذي أسلوب رؤیوي قادر على استنباط دیسیبلین (نظام) خاص یغلب فيه القدرة على بناء علمي شاھق يجعله ينظر إلى هذا العلم الخطير برؤى تجمع النظرتين المحلية والعالمية المتخصصة من دون تعارض، وذلك بعیداً عن الرؤى والتقاليد التي تجعل من معالجة موسيقانا ھارمونیاً، كضاحیة غربیة لا يمكن لها أن تدور إلا في فلك الموسيقى الغربية بعيداً عن طبیعتھا اللحنیة التي تبني عوالمها الموسیقیة بطريقة مقامیة میلودیة أفقیة تتوسل أسالیب المودال التي تقاوم التونال!
صحيح أن الكتاب هذا لا يحمل في طیاته ابتكاراته وأسالیب استنباطاته الھارمونیة المودالیة تلك، سواء الأفقية منها أو العامودیة والتي تزدهر بھا مؤلفاته العالمية، والتي لا يتحدث عنھا ھذا الكتاب أبداً، ولكن غیابھا عن كتابه هذا لا يقلل من قيمة الكتاب الذي يعالج فقط الھارمونیة الدیاتونیة بأشكالها الكلاسیكیة الغربية فقط لا غیر. أكرّر ھنا أن غياب تلك المواضيع عن الكتاب لا يجعله مبتوراً كونه یعالج الموضوع بالنظرة الكلاسیكیة الغربیة التي یتحاشاھا مدرسیاً في تألیفاته الخاصة، بل لعلّ ذلك يجعله أكثر الأشخاص المؤھّلین والمسلحین بواقعة علمية وعملية وهو ينظر بنظرة معرفية وتربوية مقتدرة یتعامل بھا بحكمة مع هواجس هذا الموضوع التربوي الشائك والصعب!
لعل الأسالیب المبتكرة التي استنبطها المؤلف عبد الله المصري لمعالجة عوالمه الموسیقیة التي تشھد له بقدرات بحثیة خلاقة وغیر مسبوقة على كل الأصعدة الوطنية التي لا تتنازل عن التعاطي مع علم التأليف الموسیقي لحنیاً وھارمونیاً بما یحفظ كرامة روح المقام وهو يعالجه ھارمونیاً بأرقى وأحدث أسالیب البولیمودالیتي المبنیة على أسس بولیریتمیة، تنھل من أحدث وأنجع ما وصلت إليه علوم التألیف الموسيقي الحديث من رفعة ومعاصره قام المصري وقلائل آخرون من أقرانه بتطویعھا من دون خوف أو تردّد أو رهبة، لعلمهم أنّ إمكانیات تطوير وتحدیث الموسيقى العربية من داخلھا وطبیعتھا وجذورها اللحنیة ھي إمكانیات كبيرة ولا محدودة. وھي حتماً قادرة على أن تتحدّى كلّ أسالیب وطرائق علوم الھارموني وتعدّد الألحان بقدرتها وقدرتهم على استنباط ما يناسب طبیعتھا وجذورها بأرقى الأسالیب والسبل والطرائق البولیفونیة النابعة من جذور وخصائص الموسیقى العربية. فإنّ انعكاس ھذه الهواجس والتفاصیل على الكتاب من دون أن تدخل فيه أو علیه، لأنها كما أكرر للمرة الثالثة لا تتناول أيّ موضوع آخر في الكتاب سوى مادة الھارموني الدیاتوني فقط لا غير والذي أخذت الموسيقى الكلاسیكیة الغربية عبره طريقة تطوّرها لتبني علیه وعلى باخ وسلمها الكروماتیكي المعدل وآلة البیانو فورتي التي ابتكرها ھو أیضاً، لتبني علیھما وعلى أساسهما مجد عوالمها الصوتية.
إن البناء الأكادیمي والتربوي لشخصية الدكتور عبد الله المصري كمؤلف عربي عالمي عالي الاحتراف یجعله أقدر المؤلفین والتربویین ممن یُشھد لهم من المتخصصين والعارفین أن يعالج ھذا الموضوع الحساس وبلغة أھله أولاً وباهتمامه بفهم واستنطاق مصادرھا الغربية ثانیاً من دون أيّ تناقض أو تعارض بینھما، فتضفي شخصیته وفكره المتعدد الرؤى والتخصصات، على الكتاب تلك الروح الأكادیمیة القصوى والسهولة والمرونة في العرض التصاعدي التسلسلي المعرفي والتربوي لتصل بمحتویاته لفسح المجال لتعميم مضامینه العملیة قریبة سهلة واضحة مفھومة بما یكفي لتجعلھا بمتناول كل من یتعاطون فن وعلم الكتابة الموسیقیة من أبسط أشكالھا المونودیة ذات السلم الموسیقي الأحادي، صعوداً إلى الثنائي فالثلاثي فالرباعي وصولاً إلى الأحد عشر سِلماً موسیقیاً متوازیة كلھا بھارمونیاتھا وبأكثر أنواعھا تطوراً وتعقيداً وعلى مستوى أعقد الأنسجة البولیفونية تطلعاً بأساليب التفكیر المركبة بالتوزيعات الأوركسترالیة السیمفونیة القادرة على التعاطي بالكتابة لأكبر الفیلھارمونیات، لمصلحة تطویعھا آلاتیاً لأفكار التقالید المقامیة السیمفونیة الشرق عربیة اللامتنازلة عن شخصیتھا وجذورھا وتطلعاتها للحضور العالمي بما یشرّف موسيقانا ويرفع رأسها عالیاً بروحھا الوطنية المتطورة بالمناسبة. وبعیداً عن موضوع الكتاب، أحبّ أن أطرح حقیقة أن أخطر ما یخطر على بال العارفین بخفايا وتاريخ الموسيقى العربية منذ القدم ھو حقيقة التجاهل الوطني والعالمي المریع والمتفشّي لوجود ظاهرة الھارموني وتعدّد الألحان فیھا عبر التاریخ القديم. إذ أنھم جمیعاً یجھلون ویتجاھلون أنّ هناك دلائل ومؤشرات ومصادر وحتى وثائق تاریخیة متعدّدة تؤكّد وبالاستنتاج والمنطق أنّ موسیقانا الشرق عربیة منذ القدم حفلت بحضور ممیز لظاھرة ما ندعوه الیوم بالمصطلح الأجنبي المعروف بالھارموني، لكن المصطلح العربي جاء حتماً تحت مسميات عربية متعدّدة ذكرتھا بعض تلك المراجع وما تبقى منھا بوثائق بمسمیات تندرج تحت اسمین عربیین، ھما أولاً تعدد الأصوات وثانیاً تعدد التصویت، أي ما قد تشتمل عليه السعة في المعنى، للكلمة الموسیقیة الأجنبیة المعروفة الیوم بـ«البولیفوني». ویشمل ھذان المصطلحان العربیان تعدّد الأصوات وتعدد التصویت كل أنواع الأصوات والألحان المتوازیة وھي تسیر معاً خلال الزمن الواحد في السلالم الموسیقیة المشتركة وتندرج كلّھا ومنذ العھد الأموي تحت عنوان عربي واحد كان یُعرف تحدیداً وقتھا بـ«علم الاصطحاب». وقد أشار إليه لاحقاً الأرموي صفي الدین في رسائله وھو الذي كان رئیساً لفرقة البلاط الموسیقیة في عھد المعتصم، أي حسب رأیي أنا شخصیاً كاتب ھذه السطور ما یقال له الیوم الھارموني. وقد برع في تلك العلوم فلاسفة مسلمون وعرب وعجم وغیرھم من الأقوام امتدّت موسیقاھم وأغنیاتھم من فترات وجودھم البعیدة منذ ما قبل الإسلام حتى أواخر تاریخ الوجود العربي في الأندلس، حیث كان كثیرون رواداً للموسيقى والطب والفلك والكیمیاء والفیزیاء وبقية فروع العلوم في نفس الوقت، وبینھم لمعت شخصيات غدت عالمية معترفاً بھا وبمنجزاتها من الغرب كالفارابي والموصلي إبراھیم وابنه اسحاق والأصفهاني وإبراھیم بن المهدي وأخته علیّة. وأكثرھم شھرة ولمعاناً في الغرب كان بعد ابن رشد وبلا منازع الطبیب والعاِلم الجلیل المخضرم بتنوع علومه وابتكاراته ابن سينا الذي ذكر أنه عمل في زمانه على محاسن اللحن في تعدّد الأصوات خلال سیر النغم، فجعل منها أربعة أصناف سماها ضمن علوم الاصطحاب كما یلي:
١/ الترعید
٢/ الإبدال
٣/ التضعیف
٤/ التوصیل
وقد استنبط الشیخ الرئیس ابن سینا منھا نوعين خصصھما في باب تعدد التصویت تحت عنوان النغمات التي تصاحب اللحن وأنا كاتب ھذه السطور أعتقد أنه یُقصد بھا ما نعرفه الیوم بالاكورات أو الائتلافات الھارمونیة. وقد سماھا الشیخ الرئیس ابن سینا بنفسه على أربعة أسماء لطرائق خاصة به كالتالي:
١/ التمزیج
٢/التشقیق
٣/ التركیب
٤/ التضعیف.
وكانت لدیھم منها أنواع على ما أظنه يعني. ويبدو أنّ التطور العلمي والأدبي والفني الذي أحرزته الحضارة العربیة الإسلامية في العصر العباسي تحدیداً قد وصل الأندلس عبر زرياب نفسه الذي خاف أستاذه إسحاق الموصلي نفسه منه لعمق وتعدّد مواهبه وقدراته الموسیقیة الكثيرة والغنیة والتي عرف الموصلي بالسليقة أنها ستزاحمه وتتغلب عليه أمام الخلیفة وحيث كان ھو المسؤول عن رعاية الفنون في قصر المأمون، فأجبره خوفه من زرياب على تھدیده ودفعه للھرب وإلا سیلجأ لقتله كما لمّح له بذلك إذا لم یغادر قصر الأمین. فھجر زرياب بغداد إلى الأندلس حيث سيلمع نجمه ویتمكّن من تقديم مواهبه الموسیقیة تلك أمام خلفاء وأمراء الأندلس حيث استقر وأسس ما قد يكون أول كونسرفتوار عالمياً لتعليم كافة علوم الفن الموسيقى. وتتكلم بعض المراجع والوثائق التاریخیة المبعثرة عن وجود فرق موسیقیة عربية كبيرة لازمت حیاة قصور الأمراء والخلفاء عبر كلّ عصور الأندلسية وحفلت بمجموعات من كل أنواع الآلات وصنوفها، وكانت تعزف كل أنواع تعدد الألحان والأصوات وصنوف الموسيقى العربية الأندلسية سواء الآلیة منها أو الغنائية، وبكل ما حفلته تقالید فنون علوم الاصطحاب التي انتشرت وازدهرت عندهم، حتى قالت الأسطورة الإسبانیة والقول ھنا مذكور عن لسان الموسيقي الإسباني المحبوب والمعاصر العازف والمؤلف الإسباني الأبرز على الغیتار وأحد مؤسسي فيوجن الفلامنكو جاز) توفي منذ سنوات قلیلة (الأبرز عالمیاً الفنان باكو دي لوسیا حيث ذكر على غلاف أحد أھم أعماله الموسیقیة أنّ الأسطورة الإسبانیة تقول بفخر واعتزاز إنه كان لزریاب الموسيقي العربي الأبرز في الأندلس كان له وحده ما یفوق الألف لحن. وھو يفتخر بقوله هذا الذي ردّده دائماً وتعمد كتابته كما ذكرت أعلاه على غلاف أحد أجمل أعماله الموسیقیة التي أبدع بعزفها بتلك الروح الاستثنائية في مزجها وتطویرھا لدمج الفلامنكو بعالم الجاز بما لا يمكن أن یضاھیه فیھا أحد في العالم. والحقیقة أن الحروب ومحاكم التفتيش لاحقاً وغزوات التتار والمغول قبلھا وحریق مكتبات الإسكندرية وبغداد وكل نتائج حروب التخلف الديني والبربریة السیاسیة في صراع الأمم القديمة، لم تترك لنا ليس مجالاً ما لنعرف أياً من تلك الألحان، بل حتى إننا نجهل حتى اليوم طرق تدوینھم لها (یقال إنها طرائق واسالیب رقمیة).
المھم الآن أنّ كون ھذه الوثائق أصبحت مجھولة ومغیّبة عمداً إذا وُجدت، فھذا لا یعني أبداً أنّ علوم الاصطحاب لم تكن موجودة، بل ربما متطوّرة وجدیرة بالاحترام والتقدیر نسبةً إلى زمانھا، وإذا كنت أنا كاتب ھذه السطور قد شطحت بعیداً عن موضوع كتاب الدكتور عبد الله المصري الذي ھو الموضوع الرئیسي لھذه المقالة، فإنّي لم أفعل ذلك عبثاً بل عن قصد وتصمیم لأُدلل على أنّ أمر وجود علوم الاصطحاب أي تلك التي یتناولھا كتابه بواقعها الدیاتوني الغربي التقلیدي الخاص والمنعتق عن حاضر الموسیقى التقليدية العربية المونوتونیه الیوم والتي ندعوها الآن بالھارموني، كانت فعلاً وقولاً موجودة عندنا في الماضي بِصِیَغ وطرائق وأشكال ومضامين أخرى لا نعرفها اليوم وللأسف الشديد، وأكرر أن في انقطاعنا عنھا وعدم لحاقنا بركب المعاصرة والتطور من ضمن طبيعة موسيقانا اللحنية، لا یعني بأي حال من الأحوال عدم وجودھا. وما ھذا الكتاب ربما إلا سلیلھا الأوروبي الآتي من تاریخ تطوّر ھذا العلم العظیم الذي وللأسف ما زالت لغتنا العربیة تفتقد وجوده كمرجعية عربية علمية شاملة ومتطوّرة له وبلسان ولغة وأذن وذوق عربي واضح منهجي ورصين، ليكون قادراً على إعادة استشراف كلّ مكنوناتها بما یعید للتاريخ والحاضر الكثير مما غاب عنا وانقطع ذكره ووجوده! وقد جاء كتابنا الجديد هذا لیؤسّس المصري عبره بقوة ومتانة تناوله لعلم الھارموني الدیاتوني التقلیدي بجزئه النظري والتطبيقي العملي والذي يحوي خمسمائة تمرين موسيقي من تأليف المصري نفسه یتوسل عبرھا روحية السهولة والتوضيح البعيدة عن التعقيد بأخذ الطالب العربي إلى نمط موسيقي قريب إلى أجوائه وذاكرة حواضره الموسیقیة قدر الإمكان لیجتھد أولاً بعرضه للمعلومات والقواعد والقوانين، بعیداً عن تصعیبھا وإبقاء ألوانھا مشوقة جذابة تحفل بخبرة عشرين عاماً من فن التعلیم الذي مارسه وهو يبتعد فیه عن مفھوم وأسلوب الـ copy paste... لینأى عنه مستدركاً صعوبات طلابنا وھم یتوجھون لدراسة موسيقى مختلفة الطبيعة لناحیة الطنين الذي تحنّ له آذانھم ذات الجذور الشرقية الهوى والھویة. یفعل ذلك الدكتور عبد الله المصري بطریقه تصاعدية تستحضر نمطاً موسیقياً تربوياً تسلسلياً في إعادة تدويره للفھم الكلاسيكي الذي لطالما استفزته بمفاھیم التعليم الفجة بأكادیمیتھا الغربية المراجع كون المادة هذه لیست لنا سمعیاً في حساسية الأذن. كتاب استثنائي سیضيء مدارسنا یفتح أفق الملحنين وكلّ من احترف الموسیقى كحرفة أو ھوایة بنور وضّاء سیشعل سماء مكتبتنا الموسیقیة بطيب أنواره وثماره التي انتظرته طویلاً!