من إيمانه اللاهوتي، ينطلق القس سهيل سعود، ليُطلق حُججه في دحض فكرة أرض الميعاد التي يتمسّك بها اليهود في أرض فلسطين، فيذكر «أنه إذا ما تصفَّحنا الأناجيل عن خدمة المسيح وتعاليمه، نلاحظ أن هناك شبه صمت كامل في موضوع أرض الموعد. فالمسيح لم يتطرق في تعاليمه إلى موضوع الوعد القديم بأرض الموعد» وفق ما يورد في كتابه «القدس في الفكر المسيحي- قراءة معاصرة» الصادر حديثاً عن «دار منهل الحياة».


فالكنيسة المسيحية ـــ يقول ـــ آمنَت عبر التاريخ بأن تفسير العهد القديم يجب أن ينطلق من التوجهات اللاهوتية للعهد الجديد. أمر شرحه الباحث في العهد القديم اللاهوتي القس كريستوفر راميت بقوله: «لا توجد أي إشارة لاهوتية في العهد الجديد عن بقعة جغرافية ماديّة لفلسطين اليهودية» (ص164)، في حين أن المُصلح الإنجيلي جون كالفن أعطى تفسيره الجازم حول نبوءات حزقيال وإعادة بناء الهيكل بقوله: «إن مجيء المسيح هو مجيء المجد، وليس إعادة بناء الهيكل هو مجيء المجد»، فالعبارة التي نطق بها المسيح والقائلة «ههنا أعظم من الهيكل» إنما تشير إلى تغيُّر راديكالي في مكانة الهيكل في نظرة المسيح ونظرة العهد الجديد». هنا يؤكد القس سعود تعليقاً بقوله: «إن يسوع المسيح هو أعظم من الهيكل، وإنه بعد صعوده إلى السماء وإرساله الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة صارت الكنيسة هيكل الله الجديد وليس هيكل سليمان الحجري الجامد» (ص134)، ويضيف قائلاً: «ينسى أو يتناسى اليهود الصهاينة والجماعات المسيحية المؤيدة للصهيونية باسم المسيح أنه عندما وَعَدَ الله ابراهيم ونسله بإعطائهم أرض الموعد، فقد وضع شروطاً للتمتع بهذه العطية والتي كانت: عبادة الله وحفظ شريعته، والحكم بالعدل والحق والرحمة»، مشيراً إلى «التغُّير الفكري واللاهوتي الذي حصل للتلاميذ من خلال تقديم أفكار جديدة حول الأرض، لا سيما في فكر الرسولين بولس وبطرس وكاتب الرسالة إلى العبرانيين وفيها عن أبينا ابراهيم الذي وعده الله بالأرض، أن آماله لم تنبع من وعد الأرض الجغرافي، وإنما من السماء، المدينة السماوية التي هي موطنه الأفضل، التي صانعها وبارئها هو الله» (ص169).
يرفض القس سعود الربط بين بداية الإصلاح الإنجيلي والصهيونية المسيحية، فالمصلحون الإنجيليون الأساسيون في القرن السادس عشر وهم الألماني مارتن لوثر، والسويسري أولترخ زوينكلي، والفرنسي جون كالفن قد آمنوا وعلموا أن «كل نبوءات العهد القديم، ومنها نبوءة وعد الله لليهود إلى أرض كنعان، ونبوءة إعادة بناء الهيكل، وغيرهما من نبوءات العهد القديم قد تحققّت في موت وقيامة يسوع المسيح، ولم يعد هناك سوى وعد واحد ألا وهو عودة المسيح ثانية إلى الأرض، ليس للحكم الألفي وإنِّما للدينونة».
تثميراً لمجادلته ومحاججاته السابقة، يرى القس سعود «أن اللاهوت يجب أن يكون إبرة البوصلة التي توجّه سفينة الكنيسة»، فيدعو «كما فعل لاهوتيون ومفكرون أوروبيون إذ وضعوا لاهوت ما بعد المحرقة آخذين بعين الاعتبار معاناة واجهها يهود كثيرون، أن يُصار إلى الانضمام إلى العمل اللاهوتي الذي يقوم به لاهوتيون فلسطينيون مسيحيون من كنائس مختلفة، معدداً أسماء بعضهم، وغافلاً عن المطران عطالله حنا - الصوت الصارخ في البرية وحيداً هذه الأيام -، ومتغافلاً عن المطران المقاوم إيلاريون كبوجي رغم إشارة سعود في هذا المضمار و-بالتفصيل- إلى دور القس الإنجيلي ديرتريش بونهوفر بعد وصول هتلر إلى السلطة بيومين، وتعامل الأول كجاسوس مع الاستخبارات الألمانية لتسهيل تهريب اليهود.
يرفض القس الربط بين بداية الإصلاح الإنجيلي والصهيونية المسيحية


وكأنما هي دعوة – صرخة تذكّرنا بأدوار رجال الكنيسة في أميركا اللاتينية رافضي الظلم ومساعدي الفقراء. يقول: «بما أن موضوع كتابي هذا هو القضية الفلسطينية التي تتداخل فيها العوامل السياسية والاجتماعية واللاهوتية والكتابية والإنسانية وغيرها، فإني أرى الحاجة كبيرة للتفاعل مع قضية الظلم الفلسطينية في سياق الظروف السياسية والأحداث المأساوية والذرائع اللاهوتية التي تُلصق بها»، فيطرح عشرة بنود للالتفاف حول القضية، والعمل على التطبيق في إطار لاهوت سياقيّ كما أسماه، لمواجهة التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية.
وكأيّ رجل دين كُلِّف أن يشهد للحق، يتوقف عند ما وصفه بالأزمة الإنجيلية، فينقل عن مدير كلية فولر للاهوت الدكتور مارك ربرتون قوله: «فبعد التصويت الإنجيلي الأبيض المؤخّر الذي كان نتيجته انتخاب دونالد ترامب، أصبح اسم ترامب يرتبط بالإنجيليين». أما الرئيس الفخري لحركة لوزان دوغلاس بيروسال فقد قال إن «الأزمة الجوهرية التي تواجهنا هي أن إنجيل يسوع المسيح قد تعرّض للخيانة والفضيحة من قِبَل حركة إنجيلية قد خالفت نزاهتها الروحية والأخلاقية». (ص250).
ثمة ملاحظات نوردها بمحبة لا تقل اعترافاً بشجاعة النص في زمن الخزي العربي وكثرة من حركات دينية مسيحية وإسلامية «لا يدرون ما يفعلون»، فأشير إلى ثغرة تحميل القس سعود مسؤولية تهجير اليهود من الدول العربية للعرب كرد فعل، مع العلم أن الدور الاستخباراتي الإسرائيلي لم يعد خافياً، وبات موثقاً، وفي إصدارات متعددة اللغات عن تهجير اليهود بالقوة والإغراء (مثال: قضية لافون في مصر، كتاب عباس شبلاق عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية عن تهجير أو هجرة يهود العراق إلخ)، أو عن وصفه ميثاق إسرائيل بالإنساني لكنه بقي حبراً على ورق؟! ألم يُكتب هذا الميثاق بدم الشعب الفلسطيني مسفوحاً بأيدي عصابات الهاغانا؟
حاجج سعود بسيف الفكرة ــ وعلى مدى صفحات الكتاب ـــ عدالة فلسطين وشعبها، فرأى أنه من المثير للاستغراب اختزال العداء للساميّة في الشعب اليهودي، وفي اتهام العرب وهم ساميّون بالعداء للساميّة لأنهم ضدّ إسرائيل، وأنه «بعد إسقاط الحركة الصهيونية ومناصريها مفهوم معاداة الساميّة الحديث على تاريخ اليهودية السابق، اتّهموا كتّاب الإنجيل والتعاليم بمعاداتها الساميّة».
ألا من مُنتصر لهذا الصلب اليومي للشعب الفلسطيني تيمناً بما قاله القس الإنجيلي كارل بارت في احتجاجه على الظلم النازي لليهود يوم قال: «هذا الظلم إنما هو بمثابة صلب المسيح ثانية» (ص241).
* صحافية لبنانية