يُقدم الكاتب المغربي محمد آيت حنّا على كتابةٍ مغامرة في روايته «الحديقة الحمراء» (منشورات الجمل). إذ أنّ لنصه التجريبي القدرة على إرباك قارئه، أمام سردٍ أفقي يصعب التماس بدايته أو نهايته، وإنّما الرواية حديقةٌ مفتوحةٌ على غابةٍ من الأساليب والتأويل.

يُلقي الكاتب على قارئهِ مَهامّ شاقّة إذا ما رغب في القراءة لكاتبهِ المفضل، وقد يجد القارئ صعوبة في الحديث عمّا أحبّ في رواية آيت حنّا، إذ حملت كتابته شيئاً من نزعات الشعر إلى عالم السرد، فكثيراً ما احتفى الشعراء بالنقصان. بهذا المعنى، نجد في الرواية غياباً للقصة المتماسكة، وذكر أحداثٍ مترامية، قد يجمعها عقلٌ ما ويضعها في قالبٍ، كان الكاتب قد شتتهُ بلا محدودية مثيرة، لتتشكّل قصة الرجلين اللذين تدور حولهما الأحداث: واحدٌ يعيشُ حياةً تائهة وآخر تائهٌ في العالم الآخر يصبو إلى عودة عبثية إلى الواقع. وما الرجلان اللذان يفصّل الكاتب حكاية كلّ منهما عن الآخر سوى انعكاس لرغبات بعضهما. فالفجوة التي تفصلهما، تدعونا بالقدر نفسهِ إلى مواساتهما.


إنّهما رجلان وحيدان، مشتّتان ومهزومان، هما محض ظلين لرجلٍ فصمهُ الكاتب وطرح باستخدامه جملة من الأسئلة الوجودية. إذ تتركز قضية الرواية على سؤال مركبٍ واحدٍ، هو سؤال الحياة والموت. وكلّ من مركبتَي الحياة والموت تدفع بالغربي بنعمرو وبحارس المرمى، إلى شقاء الفرد في مواجهة المصائر القاتمة. فالأول يحدق في موت الثاني الحقيقي، فيما الثاني يراقب حياة الأول الأشبه بموت مجازي. يصنع الكاتب عبرهما نصاً شاقاً، مهارتهُ في لغته ومقولاتهِ الفلسفية، إلى جانب الشكل السردي الذي ابتدعه، إذ بضياع البداية والنهاية والعقدة، الرواية لا تنمو، وإنّما تنداح وتتمدّد في فضاءاتِ الآلام والتغريب.
يزعم الراوي، على لسان الطبيب، إخراج الواقع من أزماتهِ، بكونهِ واقعاً ضيقاً ومأزوماً، أمام الخيال، حيث نجد أشكالًا، لطالما اكتنفها الفن، لعوالم مختلفة ومتنوّعة. لكنه يعود ويجعل من الخيال واقعاً بائساً، باستخدامه شخصية الغربي الفصامية، إذ يحاول الطبيب النفسي تحريره من هذيانهِ حيال العالم، بزعمه أنّ أحدهم قد سرق أحلامه، التي ما إن ينقلها الراوي، حتى ندرك ورطة الغربي بسرقة الأحلام، إذ كان يعيش في أحلامهِ! يقرأ وهو في عيادة الطبيب النفسي نبأ انتحار حارس المرمى، الرجل الذي ينشغل الكاتب بتأليف مشاهداته في العالم الآخر خلال الفصل الثاني من الراوية. ثمة ميل انسحابي لدى الجميع بأن يكون كلٌّ سواه، الجميع يرغب بالهروب من حياته ويرنو إلى استبدالها بحياة ثانية. يعطي الكاتب، ضمن سرده المتّسق المعقّد، تصوراً نقدياً يتناغم مع ما ذهبت إليه الشخصيات. إذ أنّ كلّ كتابة تتردد أصداؤها لدى المتلقي، كما أنّ كلّ قيمة تقبعُ خارج كيان المعني بها. لا يُقدّم الكاتب هنا درساً عن العلاقة مع الآخر، وإنّما يعرضُ نموذجاً مبالغاً عن إنكار الذات. يأخذ الحب بدورهِ شكلاً فصامياً لدى الغربي. إنّه يحبّ نهال، ويصاب بهوس بالأيدي جرّاء هوسهِ بيدها، لكنه يمارس الحبّ مع جارتهِ أمينة. لقد أحبّ نهال عن بعد، وعاش هذا الحب مع جارته أمينة، إنّه، بمعنىً ما، يعيشُ حبّاً بالإحالة. تنسجم شخوص الكاتب مع تفكيرها المشبوه عن العالم، قصة حب الغربي تشبه علاقته مع البشر، إذ لطالما أحبّ القرب منهم شرط ألا يختلط بهم. بالمثل كانت أمينة، التي ألّفت قصةً عن مغرمة سرية مفترضة حتى تواعد الغربي. وقد وافقها، وراحا يتواعدان بناءً على قاعدة «أي شيء أحسن من لا شيء».
تتركّز قضية الرواية على سؤال مركّبٍ واحدٍ، هو سؤال الحياة والموت

وبزواج نهال، يكشف لنا الكاتب واحدة من النهايات عن مصائر أناسٍ خالين، يرتبكون ويتصرفون كما لو أنّهم محض ظلال لأناس حقيقيين عبروا حياتهم.
تبدأ حكاية حارس المرمى، إن كانت ثمة إمكانية لبداية في سرد آيت حنّا، من موت ابنتهِ، ولربما تبدأ أسباب كآبتهِ، قبل ذلك، إلا أنّ موتها يدفع بالرجل، الذي لطالما عُرِف على أنّه رجل حساباتٍ، إلى الانتحار بركوب سيارتهِ وعبوره سكة القطار. لكن الحيز الذي يتيحهُ له الراوي، ليس الجانب المُعاش، بل إنّه يوثق عبوره البوابة إلى العالم الآخر، يسكنه فسحة الضائعين بين الفردوس والجحيم. راح الكاتب، ما إن أطلّت بوابة العالم الآخر على بطلهِ، يثقل على السرد على نحو تداخلت المعاني والصور، حداً يصعب متابعة ذلك الخيط الواهن الذي اشتدّ وهناً بين العالمين... يكون مشهد الطفل المُلقى على الشاطئ، وقد يرى أيٌّ منا فيه رمزاً سورياً، إذ لا يشيرُ الكاتب صراحةً إلى مأساةٍ سوريةٍ تنازعتها قوى كثيرة، عودةً إلى الواقع حيثُ ترمينا الرواية إلى واقع تشابكَ مع الخيال لفرط قسوته.
لو كان لنا الاستعارة من محمد آيت حنّا، واحدة من مقولات روايته عندما يتحدث عن الحب «لا تهم القصة بقدر ما تهمّ المسارات الداخلية التي يحفرها الحب في نفس المحبّ». بالمثل، إنّه يكتبُ في الحديقة الحمراء قصةً مفكّكةً يصعب الإمساك بها، لكنها تترك لدى القارئ تصوراً موحشاً عن العالم وقد يبحث كلّ منا عن ضلالٍ مقيم كي يبرأ منهُ.