تفتتح الكاتبة اللبنانية السورية المقيمة في استراليا روبي حمد مؤلفها الجديد «دموع بيضاء ونُدَب سمراء» (منشورات جامعة ميلبورن ـــ 2019) بمقولة «ضربني وبكى، سبقني واشتكى» الذي يشي بموضوع المؤلف. لكن هذا ليس كل شيء. تقول الكاتبة: «إن الكتابة عن العِرق (race) عمل مشحون مثل الكتابة عن الجنس (الجندر). فالقارئ قد يفهم معاني الكلمات والعبارات كما عناها الكتاب، لكن يمكن أيضاً تفسيرها على نحو مختلف تماماً. فمفاهيم مثل تعريف العنصرية نفسها، الذي تم التوصل إليه على مدى أجيال من البحث والدراسة والخبرة المضنية، يتم تجاهله بعناد لصالح تعريف القاموس».



تستطرد الكاتبة في تأملاتها قائلةً: «ملاحظاتي هذه تحدد المصطلحات والمفاهيم الرئيسة التي أستخدمها في هذا المؤلف سواء لصالح القارئ أو للحماية، قدر الإمكان، من التحريفات الناتجة عن سوء نية. تجربتي الخاصة، كوني كاتبة إعلامية منذ أحد عشر عاماً، تقول إن هذا ما سيحدث بكل تأكيد. لذلك أرجو أن ينظر القارئ إلى أن هذه أفضل محاولة مني لدرء هذا الأمر الحتمي المؤسف. لقد اخترتُ استخدام كلمة brown (وقد رأيتُ أن أترجمها إلى أسمر/ قمحي بدلاً من بُنِّي – ز م) كترخيص شِعري يشير إلى الأشخاص الذين لا يتأهلون ليصبحوا «بيضاً»، وكذلك للإشارة إلى الموقع الذي أضعُ نفسي فيه ضمن مخطط سياق الأشياء». مع ذلك، سيتم تمييز «اللون الأسمر»، الذي أُدرج فيه الأشخاص غير سود البشرة عن «اللون الأسود» (black) في مختلف مقاطع المؤلف. فمن المهم أن نفهم أن المصطلحات المستخدمة كافة تقريباً عند مناقشة العرق غير دقيقة لأن العِرق افتراض لا حقيقة بيولوجية. على هذا النحو، ليس ممكناً تعريف من هو الأبيض، ومن هو غير أبيض بالبساطة التي كانت سائدة، مع أن استخدامه يشير غالباً للدلالة على لون بشرة الأوروبيين بالعلاقة مع الأميركيين الأصليين والأفارقة (المستعبَدين).
يفهم «الأبيض» على أنه «مؤشر على الامتياز العرقي». إن الأبيض يتعلق بدرجة أقل أهمية بمدى شحوب لون البشرة مما إذا كان الطيف الصحيح من البياض. فالبياض أكثر من لون البشرة، وهو، كما يصف عالم العرق ومربي العدالة الاجتماعية (social justice educator) بول كايفل (1948) حدود متغيّرة باستمرار تفصل بين الأشخاص الذين يحقّ لهم الحصول على امتيازات معينة وأولئك الذين «يُسَوَّغُ» استغلالهم وتعرضهم للعنف من خلال عدم كونهم بيضاً.
بياض البشرة امتياز تلك الهويات العرقية والثقافية والدينية التي تشبه معظم الخصائص الأنموذجية المرتبطة بالأوروبيين ذوي البشرة الفاتحة (الغربية). وبالتالي، فإن مصطلحي «البيض» و«الأشخاص الملونين» ليسا وصفاً، وإنما وجب فهمهما سياسياً، لكن عدم وجود شروط أفضل يستلزم استخدامهما في بعض الأحيان. فتعبيرات مثل «غير بيضاء» تعني البياض الافتراضي، وسيكون أمراً مرهقاً إدراج مختلف فئات «البني» و«الأسود» و«الآسيوي» و«العربي» وما إلى ذلك بشكل فردي.
تقول الكاتبة: «ضربت كلمات أجايي على وتر حساس قادني إلى إلقاء نظرة على حياتي، مما أجبرني على أن أدرك بشيء من الرعب أن ما يراه الكثير من الناس عندما ينظرون إليّ هو عبارة عن صورة عامة لعرب، لشخص ما خارج عالمهم الداخلي». تشعر الكاتبة أحياناً بالإحباط، فتقول: «لم يكن الضعف أو الشعور بالذنب هو ما دفعني إلى الاستسلام لهؤلاء النساء البيض مرات عديدة، ولكن الإدراك السيئ أنني لم أستطع الفوز. ببساطة لم تكن هناك طريقة لإقناع الآخرين برؤية القضية من وجهة نظري». فقد كانت قد كتبت: «السمعة المصنعة للعرب كونهم عدوانيين تتابعُنا في كل مكان. في مجتمع يضع الناس الشرق أوسطيين روتينياً في مشاهد الجرائم العنيفة التي لم يرتكبوها، والتظلم المشروع لا يتساوى مع دموع الفتاة البيضاء الاستراتيجية التي تعاني محنة وتؤخذ براءتها على أنها أمر مفروغ منه. فسواء كنا غاضبين أو هادئين، وكلامنا صراخاً أو مرافعة، فإننا نعد دائماً بمثابة المعتدين».
ما الذي يجعل دموع البيضاوات قوية... والسمراوات «عدوانيات»؟

تروي الكاتبة الحادثة الآتية بالعلاقة مع ملاحظتها الأخيرة، فتقول: «تشاركت سيدة عربية اسمها زينة تجربتها في أن تثرثر عن نساء كبيرات في السن من البيض، مغرمات بشعرها البني الكثيف المجعد، والخصر. إحدى زميلاتها في مكان عملها كانت تلمس شعري، وتسحب تجعيد الشعر لمشاهدتها تتراجع على نحو مستمر. وعندما طلبت إليها التوقف عن ذلك وشكيت الأمر إلى قسم الموارد البشرية». النتيجة؟ يمكن قراءتها في المؤلف.
لكن ما الذي يجعل دموع النساء البيضاوات قوية للغاية ويجعل السود والسمراوات «عدوانيات» على ما يبدو؟ تشرح إحدى المدونات بالقول إن «ضائقة المرأة البيضاء مرتبطة برمز الأنوثة. هذه الدموع تتدفق من أعين الشخص المختار ليكون أنموذجاً أولياً للأنوثة؛ المرأة التي تم تصويرها على أنها عاجزة أمام أهواء العالم. أتساءل في بعض الأحيان عندما وصلنا إلى نقطة اللاعودة التي أدت بنا بعيداً عن الوطن، سواء المجازي أو الحرفي. لسنا في وطننا في هذا العالم الذي يتّسم بالعولمة والعولمة. نحن جميعاً نعيش حياة خاطئة».

* White Tears/Brown Scars -Melbourne university press 2019