يضع الروائي الهندي جاسبريت سنغ (1969) في روايته «الشيف» (دار الرافدين ــــ ترجمة سعد جواد محمد عوض) خريطة بلاده فوق مائدة الطعام كحياة موازية، فتفوح على الفور روائح التوابل، وفقاً لجغرافية البلاد الممزّقة بين الهند وباكستان والصراع بينهما على التهام كشمير «ظلّ الجنّة» كوجبة شهية للطرفين، في حروب طويلة، ومآسٍ تنتهي بفجائع مؤلمة. من موقعه كطاهٍ يروي كبرال سنغ وقائع من حياته اليومية في منزل الجنرال كومار، فيستعيد في مونولوجٍ طويل حقبتين من حياته، خلال رحلته الأخيرة في القطار المتوجه إلى كشمير، بعد غياب 14 سنة عن الخدمة، تلبية لرغبة الجنرال بأن يكون هذا الطاهي مشرفاً على الطعام في حفلة زفاف ابنته. ما شجعه على الموافقة أن يساعده الجنرال دخول المستشفى لمعالجته من السرطان. في القطار، تتواتر صور من شبابه أثناء خدمته في الجيش، وذكرياته كطاهٍ متدرّب في مطبخ الجنرال على يد الشيف كيشان الذي انتهى منتحراً، إثر عقوبة عسكرية، وكيف حلّ مكانه بترشيح من الجنرال. ترتبط الروائح والنكهات والشهوات الحسيّة بالتنويعات المذهبية في الهند: هندوس وسيخ ومسلمون.



ما هو محرّم هنا، ومحلّل هناك. كاري وزنجبيل وقرفة، أبقار وخنازير وخراف، حروب طائفية، وقصص حب مجهضة بسبب اختلاف الجنسيات والمذاهب. يرمز الجنرال للنساء بالباكستان، وللرجال بالهند كنوع من الرفعة هنا، والانحطاط هناك. حواجز تفصل بين الحدود، ريبة وترّقب وتجسّس، شغف بالهند، ومعجم كراهية للباكستان. هكذا تجتمع الأضداد في رقعة جغرافية واحدة قبل أن تمزّقها الأهواء السياسية. تتناسل الحكايات المثيرة من وراء ستارة المطبخ، حكايةً وراء حكاية، لتضيء فترةً حالكة عاشتها الهند، ذلك أن الطاهي كان شاهداً أكثر منه منحازاً لهذا الطرف أو ذاك. سيقع في حب باكستانية مسلمة أسرها الجنرال بتهمة التجسس، وحين تحبل من أحد الحراس، وبعد إنهاء محكوميتها، تمنع سلطات الحدود الباكستانية إدخالها ابنتها معها بوصفها هندية. وتكاد تنشب حرب طائفية، إثر اختفاء قارورة يقال بأنها تحتوي على شعرات من لحية النبي محمد من أحد المساجد الكشميرية. كما سيعاقب الطاهي كيشان بنقله إلى جزيرة ثلجية قارسة، لمجرد ذكره متفاصحاً عبارة عن عدم طهي الخنازير في الوجبة المخصّصة للخبراء المسلمين الذين أتوا لفحص محتويات القارورة بعد إعادتها للمسجد لإطفاء نار الفتنة، وسوف يطرد العجوز الذي يشرف على حديقة الجنرال بعد أن يفجّر ابنه نفسه بعربة عسكرية خشية على حياة الجنرال، الجنرال الذي ينتحر ليلة عرس ابنته لإصرارها على الزواج من باكستاني. خلطة هائلة من المشهيات والمشكلات والأحلام المحبطة.
على الضفة الأخرى، يرصد جاسبريت سنغ التحولات والعلاقات السياسية والحقبة الاستعمارية التي انعكست آثارها على وصفات الطعام المحليّة «منذ أن تدرّب الشيف في السفارات الأجنبية في دلهي، أصبح إعداد الطعام أحد نقاط قوته. لكنه علّمني أكثر ما يدّمر مقادير تلك الأكلات بقوله: لقد استعمرنا الأجانب طويلاً، وها قد جاء دورنا، سنأخذ طعامهم ونجعل منه طعامنا». تحتشد أقوال الطاهي بمفردات حسيّة تضع الجسد الأنثوي في مرمى الشهوة، كما لو أنه وجبة طعام، فهو جائع على الدوام لنظرة أو ملامسة من أي امرأة يصادفها، وإذا بالجسد يتجاوز بنود الهويات القاتلة لمصلحة الشغف والارتواء، كما سيلجأ كبرال سنغ إلى الاستماع إلى الموسيقى أثناء الطهي، على غرار سلفه كيشان الذي كان مولعاً بالإنصات إلى «السيمفونية التاسعة» لبيتهوفن، وهو ما منح السرد بعداً إيقاعياً وغنائياً، سيجد تمثلاته في أطباق متنوعة: «حقول الخردل تتمايل في الهواء كالجدائل»، و«لن ينسيني طعم المانغو أي نوع من الفاكهة الكشميرية». سرد يستنفر الحواس والغريزة، يمزج الكاري بالشهوة «كان الجنرال ضعيفاً أمام الأكلات الكشميرية، يأكل تلك الصحون ويلحس أصابعه، ويستخدم السكين والشوكة فقط مع الأكلات الإيطالية والفرنسية والإسبانية»، و«إن رائحة المرأة أفضل ألف مرّة من غداء فخم» و«ضغط على يدي كأنها فصوص ثوم».
رصد لانعكاسات الحقبة الاستعمارية على وصفات الطعام


النصيحة التي أهداها الشيف كيشان للطاهي الجديد، سوف ترّن في أذنيه طويلاً: «اسمح بإجراء حوار بين أساليبنا والمكونات من بقية العالم، اصنع شيئاً جديداً، لا تتعثر داخل الجنسيات». النصيحة ذاتها سوف يستخدمها جاسبريت سنغ روائياً باستخدامه سرديات تتجاور مع مدوّنات أخرى بإعادة طهوها على نحوٍ آخر مختلف، من دون عثرات أو نتوءات، ربما سيحضر خطفاً مواطنه سلمان رشدي في روايته «أطفال منتصف الليل»، ومواطنته أرونداتي روي في «إله الأشياء الصغيرة»، لكن من موقعٍ مغاير في فحص وقائع الصراع بين الهند والباكستان. فهذه رواية مشاعر وعواطف وألفة في المقام الأول، رواية تشبه شريطاً سينمائياً مطبوعاً على نافذة قطار بجرعة عالية من الذكريات المؤلمة، والترحال نحو أمكنة مشتعلة، لطالما كانت ضحية التعصب العرقي والديني، فيما ينخر الفساد المؤسسة العسكرية التي يقودها جنرالات يعيشون حياة مرفهة على حساب الآخرين في المعسكرين المتحاربين، فكلما مات جندي هنا أو هناك، سيربح هؤلاء ثمن تابوت بصفقات مشبوهة لا تنتهي.
جفاف وفلفل حار وثلج، وفي الخلفية، تلصص على حياة سريّة، تشبه وجبة دسمة من الفضائح والاحتجاجات والأمراض «يبدو الورم لديك كأنه بيضة، ثم يطبخ أحشاء الجسد». هذه استعارة أخيرة في وصف كشمير المريضة تحت مبضع الجراحين.