لا شكّ في أن تسريبات المقاول والفنّان المصري محمد علي، التي بدأ ينشرها على الانترنت تفضح حكم الجنرالات المتحكّمين بثروات مصر الذين يستخدمونها للإثراء ولتعزيز سلطتهم الدكتاتورية، بعدما اغتصبوا انتفاضة الشعب المصري على حكم «العسكري» حسني مبارك الذي قارب مرحلة التعفّن، إن لم يكن قد تجاوزها بسنين ضوئية، قد هزّت النظام وقد تقود إلى انتفاضة جماهيرية جديدة تُطيح بحكم العسكر بشكل نهائي.

محمد علي مسرّب فضح الطبقة الحاكمة في مصر، لم يحقق أي أرباح شخصية من وراء تسريباتها، بل إنه خسر ملايين الجنيهات بسبب قراره مواجهة تلك الطبقة الفاسدة، كما تشير تسريباته إلى ذلك. هذا يقودنا إلى مؤلَّف المسرب الأميركي إدوارد سنودن الذي أحدث بتسريباته هزّة عنيفة في دوائر التجسّس الأميركية. وها هو يعود إلينا بتسريبات جديدة لكن عن نفسه هذه المرة.


إذ نشر مذكّراته أخيراً تحت عنوان «سَنَد دائم الصلاحية» (متروبوليتان بوكس ــ 2019)، متحدثاً فيها عن حياته قبل لجوئه إلى روسيا، مقر إقامته الحالي. وشرح الأسباب التي دفعته إلى التسريبات الأمنية عن أعمال وكالات الاستخبارات الأميركية مع وكالات استخبارات أوروبية، وتجسّسها على العالم وفق مبدأ «معرفة كل شيء عن كل شيء عن كل فرد في هذا العالم»! لكنه يستدرك في مقدمة مذكّراته بالقول: «كشف أسرار الدولة أمر صعب، لكن الكشف عن نفسك في مذكّرات قد يكون أكثر صعوبةً. كان قرار التقدم بدليل على جرائم الحكومة أسهل لي من اتخاذ قرار بسرد حياتي. ففكرة السيرة الذاتية لشخص عمل في عالم الاستخبارات، تُشعر المرء بعدم الارتياح. ومن الصعب أن أُمضي جزءاً كبيراً من حياتي في محاولة لتجنّب تحديد هويتي، ثم أستدير كاملاً وأدع القرّاء يشاركونني معلومات شخصية عبر كتاب».
يدفع سنودن في مذكّراته القارئ إلى التفكير بجدية في ما ينبغي أن يطلبه كل فرد بالفعل. ما معنى جمع بيانات حياتنا وتخزينها في ملف، جاهزة للوصول إليها، ليس الآن فقط، وليس من قبل الإدارة الحالية، لكن إلى الأبد؟ كما وجب التفكير في مدى حكمة الاستعانة بمصادر خارجية لمثل هذا العمل الحسّاس وتركه للمقاولين من القطاع الخاص. ومتى يمكن أن تدخل المخاوف بشأن «الأمن القومي» في عطاءات تسمح بالحصول على سلطة غير محددة؟
قال سنودن: «إنه حاول تصويب الأمور من الداخل، لكنه أخفق وشعر بالإهانة من نفاق السلطات وأتباعها وأدواتها. فالرئيس أوباما الذي رشّح نفسه إلى منصب الناقد للاحتجاجات غير العادية على الأعذار التي قدمتها إدارة بوش للسلطة التنفيذية، لم يكتف فقط بمتابعة برامج المراقبة التي قام بها سلفه، بل إنه رسّخها».
يعرض الكاتب الجوانب التقنية المرتبطة بمشروع التجسّس هذا، لكنه يشرحها بوضوح مفيد للقرّاء كافة. وسنعرف أيضاً أنه حتى في عصرنا المجزّأ، فإن أدوات المراقبة الجماعية كشفت عن أمر واحد يربط كل شخص متصل بالإنترنت تقريباً: أي البورنو، وهذا يسري على كل شخص تقريباً من كل جنس أو عرق أو عمر، من الإرهابي المستهتر إلى أجمل مواطن كبير السن.
تحذير من دمج الذكاء الاصطناعي بقدرات المراقبة


كما أوضح سنودن أنه كان مضطراً إلى الاختيار بين مواصلة إخفاء أسرار الدولة والتمسك بالمبادئ الدستورية، وقال: «لم أُقسم اليمين لوكالة المخابرات المركزية أو الحكومة الأميركية، وإنما أقسمت اليمين على احترام الدستور الأميركي. والصراع الرئيس هنا كيف يمكن الالتزام باتفاقية السرية في وقت تخرق فيه الحكومة الدستور!». كما شدّد على أنه لا يثق بعدالة القضاء الأميركي عند النظر في قضيته إن حصل الأمر، مشيراً إلى أن القانون الأميركي ينطوي على عقاب حازم على الجرائم المنسوبة إليه. وأضاف: «هذا يعني أنه من المستحيل مناقشة أسباب خطوتي أثناء المحاكمة، بغضّ النظر عما إذا كان ما فعلته مفيداً للمجتمع أم لا. ومن المستحيل أن تكون المحاكمة عادلة إذا كان من غير الممكن شرح الدوافع». كما نوّه إلى حقيقة أن روسيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تضمن الحرية لأشخاص مثله. وتابع: «أعتقد أنه أمر ممتع وحزين بعض الشيء. يبدو أن روسيا الدولة الوحيدة في عموم أوروبا التي نتهج سياسة مستقلّة بما فيه الكفاية، تمكّن كاشف الأسرار الأميركية من الحياة فيها والحديث بحرية»، مشدداً على أن منح السلطات الروسية مأوى له يجب ألا يُترجم على أنه خطوة عدائية تجاه واشنطن. وهنا لا بد من التذكير بما قاله في مقابلة صحافية: «لم يكن خياري العيش في روسيا. لقد كنت علنياً تماماً بشأن انتقادي سجل حقوق الإنسان للحكومة الروسية، وكنت أنتقد سياسات المراقبة بشكل خاص وانتقدت الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) على نحو روتيني».
سنودن لم يأسف على ما فعله، لكنه يأسف لموت الإنترنت الذي نشأ معه ويحذّر من المخاطر المستقبلية حين يتم دمج الذكاء الاصطناعي بقدرات المراقبة. ويبدو أنه غاضب أيضاً من أشخاص لا يحاولون فهم القدرات التي يمكن استخدامها الآن ضدهم، ويصف ذلك بأنه طغيان عدم فهم التكنولوجيا التي تراقب أي شخص يستخدم هاتفاً ذكياً أو كمبيوتراً من دون أن يتساءل كيف أن الحرية التي تمنحها له، قد تجعله أيضاً عُرضة للخطر. ويضيف: «لقد شاركت في التغيير الأكثر أهمية في تاريخ التجسّس الأميركي وهو التغيير من المراقبة المستهدفة للأفراد إلى المراقبة الجماعية لشعوب بأكملها. لقد ساعدت في جعل الأمر ممكناً تكنولوجياً لحكومة واحدة وجمع كل الاتصالات الرقمية في العالم، وتخزينها إلى الأبد والبحث فيها حسب الرغبة.

Permanent Record. Edward Snowden. Metropolitan Books - 2019