يأخذ هذا الحوار، في الاعتبار، أنه موجّه إلى جمهور واسع من القرّاء: فيهم المتخصّص في الفلسفة، وفيهم المثقف بالمعنى الواسع للعبارة، وفيهم الهاوي المحبّ للقراءة، بشكل عام. ولذلك جاءت أسئلتنا تُحاكي، إلى حدّ كبير، هذه العيّنة من القراء، آخذين في الاعتبار، طبعاً، أننا في حضرة فيلسوف، لا مجرّد كاتب أو مثقف عادي. فيلسوف له نظرته الخاصة إلى الإنسان كـ«كائن تاريخي»، وله آراؤه المتميّزة في الفلسفة والسياسة والاجتماع، ما جعله متفرّداً، بين زملائه، على امتداد الساحة الفلسفية، العربية والمتوسطية.

ناصيف نصّار (1940) الذي نحتفل، العام المقبل، بعيد ميلاده الثمانين، شقّ طريقه إلى الفلسفة انطلاقاً من ابن خلدون، حيث كشف في أطروحته الجامعية (1967) عن الأسس والقواعد الفلسفية التي أرسى عليها ابن خلدون علم العمران، وهذا ما لم يطرقه أحد قبله. فابن خلدون – وإن كان عالم اجتماع- فإن علمه يرتكز إلى قواعد فلسفية واضحة كشف عنها نصّار في أطروحته التي شكّلت، لاحقاً، العمود الفقري للعمارة الفلسفية النصّارية التي تحمل في ثناياها سيرته الفلسفية الذاتية، لا سيّما تطوره الفلسفي، بدءاً من كتابه الأول «نحو مجتمع جديد» (1970) إلى كتابه «التنبيهات والحقيقة» الصادر حديثاً (مركز دراسات الوحدة العربية ــ 2019).
مجموعة نظريات ومناهج ومصطلحات، إذن، ميّزت نصّار الفيلسوف عن نصّار مؤرخ الفلسفة، فنصّار لم يقف عمله، شأن غيره من الفلاسفة العرب المعاصرين، عند حدود التأريخ للمدارس والمذاهب الفلسفية، في الغرب أو في الشرق أو في كليهما، بل شقّ طريق التفلسف الحرّ والمستقل والخلاق، في دنيا العرب، وكان له رأيه الخاص في الأفكار والتيارات والمذاهب الفلسفية العربية والغربية.
ففي نظرته إلى التراث العربي، مثلاً ـــــ والتراث من أعقد الإشكاليات التي واجهت، ولا تزال، الفلاسفة العرب ـــ لم يقدّس التراث أو يقطع معه، بل تعامل معه على مبدأ «جدلية التخطّي». و«التخطّي» يضع نصّار، قطعاً، خارج التقليد والسلفية على اختلاف أنواعها، ولا يضعه، حكماً، داخل ما يُسمّى بتيار القطيعة مع التراث. إن مفهوم التخطي لا يتطابق إطلاقاً مع مفهوم التوفيق الذي يلجأ إليه الإصلاحيون إجمالاً، فالتخطي، يقول نصّار، لا يقوم فعلاً إلا بالإبداع!
في مسألة ثانية، ربما هي أكثر تعقيداً من الأولى، عنيت مسألة الكونية والخصوصية أو العالمية والإقليمية أو الأممية والقومية، فإن نصّار يُرجع بذور هذه الفكرة إلى كتابه «طريق الاستقلال الفلسفي» (1975) ودرج في استخدامها، مذّاك، على أساس العلاقة الجدلية التي تربط بين قطبيها. فالكونية تعني أن الموضوع الذي يتناوله الفكر بالتأمل، كالحب مثلاً، يتعلق بجميع الناس، في مختلف مناطق المعمورة. أما الخصوصية فلا يقتصر دورها على جزء من البشرية فقط، بل تلعب دوراً آخر يتعلق بتكوين الفكرة الكونية نفسها. من هنا، إن الكونية لا تشتغل في معزل عن الخصوصية، يقول نصّار، لكنها لا تفقد بسبب ذلك أسبقيتها. مع ذلك، لا يُخفي فيلسوفنا أن تعمي أبصار بعضنا وعود العولمة الخادعة.
يُنهي نصّار حديثه لدى سؤالنا له: لماذا لم تهتم بترجمة مؤلفاتك إلى لغة أجنبية؟ بقوله: «أنا لم أختر، بعد الدكتوراه، أن أكتب بالعربية حتى أعود إلى الاهتمام بترجمة مؤلفاتي بعد اجتيازها امتحان الأهلية».


نحتفل، في العام المقبل، وتحتفل معنا، طبعاً، بمرور خمسين عاماً على صدور كتابك الأول «نحو مجتمع جديد» (1970). هل توافق ما يذهب إليه دعاة الدولة المدنية، من علمانيين ومتساهلين في الدين، من أنه لا يزال كتاباً راهناً يصحّ التأسيس عليه لبناء مجتمع غير طائفي؟
_ من المسلّم به، دستورياً، أن لبنان انتقل في عام 1989 إلى ما يُسمّى بالجمهورية الثانية. ولكن ما هو التغيير الذي يبرّر هذا الانتقال؟ إنه تغيير محدود داخل نظام الحكم بوصفه نظاماً طائفياً. وكل ما جرى بعد عام 1989 يدل على أن النظام الطائفي يزداد رسوخاً، ويتّجه إما إلى تفاقم أزماته واشتداد تناقضاته، وإما إلى الانفجار. فمن الطبيعي، والحالة هذه، أن تكون الأطروحات التي شكلت جوهر النقد الذي وجّهته إلى المجتمع الطائفي في لبنان، قبل خمسة عقود من اليوم، ذات قيمة راهنة ووظيفة راهنة. ولذلك، فإني أرى أن الاحتفال بممرور خمسين عاماً على صدور الكتاب لا ينبغي أن يكون مناسبة للإشادة به، بل مناسبة لدراسته والاستفادة منه ونقده والبناء عليه. ففي الكتاب رؤية تفسيرية ومنظومة معيارية وموقف فلسفي. وكل واحد من هذه الجوانب يحتاج إلى دراسة وتقدير في ذاته وفي علاقته مع الجانبَين الآخرين. وقد سعيت، من جهتي، إلى التعمق في بعض أطروحاته في أعمالي اللاحقة، ومنها، بالطبع، أطروحة العلمانية. ولكن ثمة أطروحات عدة تحتاج إلى مراجعة أو إلى استكمال. ومنها، على سبيل المثال، ما يتعلق بالترابط بين النظام الاقتصادي والفساد والنظام السياسي الطائفي، وما يتعلق بالترابط بين المصير الوطني والنظام الإقليمي، وما يتعلق أساساً بالتطور الداخلي للجماعات الطائفية. لقد كان هذا الكتاب، في مخطّطه العام، وعبر مقالاته الست، أشبه بورشة فكرية مفتوحة على ست جبهات: جبهة إعادة الاعتبار للفكر النهضوي المناهض للطائفية، وجبهة التحليل النقدي للفكر المؤيد للطائفية، وجبهة البناء العلمي والفلسفي لنظرية المجتمع، وجبهة التحليل النقدي للنظام الطائفي وآلياته، وجبهة التحليل السوسيولوجي للظاهرة الطائفية في لبنان والعالم، وجبهة التصوّر الفلسفي والحضاري للمجتمع الجديد. وهذه الجبهات لا تزال كلها مفتوحة. فهل يصحّ في شأنها قول الإنجيل: الحصاد كثير، والفعلة قليلون؟

في كتابك الجديد «التنبيهات والحقيقة» (2019)، وتحت عنوان: «الديموقراطية والصراع العقائدي»، تدعو، صراحة، إلى التخلص من فكرة أن عصر الأيديولوجية قد ولّى، وأن عصرنا قادر على معالجة أي مشكلة بواسطة ما تسمّيه: «طرائق الخبراء وأهل الإدارة». هل نفهم من دعوتك هذه أنك صرت متساهلاً، بل قابلاً، بعلاقة ما بين الأيديولوجية والفلسفة، ما يعني استحالة الفصل، عملياً، بينهما، خصوصاً أن فلاسفة كباراً سبقوك، كهيغل وماركس وفيخته وغيرهم.. كانوا أيديولوجيين أيضاً؟
ــــ لم يكن موقفي من الأيديولوجية، في أي مرحلة من مراحل تطوري الفلسفي، موقفاً سلبياً راديكالياً، بل كان سلبياً على سلبياتها. فقد سعيت، بعد صدور «نحو مجتمع جديد» والمناقشات والردود التي أثارها في أجواء كانت تغصّ بالمذاهب والصراعات الفكرية والسياسية، إلى التمييز بين الفلسفة والأيديولوجية بطريقة جديدة. وكان ذلك خطوة جريئة، وضرورية جداً في نظري، من أجل تحرير العقل الفلسفي من كل ما يستتبعه ويستخدمه وفقاً لمنطقه ومصلحته، وبخاصة من الأيديولوجية، لأنها ألصَق بالسياسة والصراع السياسي من الأدب والدين، وتشكل سيطرتها الممتدّة على المجتمع بكامله عائقاً أمام التحرك المستقل للعقل الفلسفي. على أن التمييز الذي طرحته وشرحته في مؤلفاتي الأولى لم يكن يقتضي فصلاً تاماً بين الفلسفة والأيديولوجية، ولم يكن يهدف إلى استبعاد الأيديولوجية والحطّ من قيمتها. فالأيديولوجية في نظري ظاهرة فكرية أصيلة، لها مقوماتها وخصائصها وأدوارها وتأثيراتها، ومن لا يمتلك فهماً صحيحاً لها لا يستطيع الزعم بأنه يفهم بنية المجتمع الحديث وتناقضاته فهماً موضوعياً يشمل حركة الوعي فيه. وكل أيديولوجية تنطوي على نواة فلسفية، من دون أن تكون فلسفة بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للكلمة. ولذلك عندما أرفض اليوم الفكرة القائلة بأن عصر الأيديولوجيات قد ولّى، فإني لا أقف موقفاً متساهلاً من الأيديولوجية، بعدما كنت على خلاف ذلك، كما يفترض السؤال، بل أسجّل واقعاً يريد بعض المثقفين وأصحاب الرأسمال العالمي أن يصوروه على غير حقيقته لأسباب غير علمية. وهذ الواقع يؤكد أن التطور الاجتماعي والسياسي والفكري في مجتمعات العالم، غرباً وشرقاً، لا يزال ينتج مذاهب أيديولوجية متعارضة، وتتغير صراعاته بتأثير من تلك المذاهب. ومن ينكر ذلك، ليقل لنا، على سبيل المثال، ما هي الصهيونية. وهذا يعني أن الصراع الأيديولوجي لا يزال له محل مهمّ حتى في المجتمعات الديموقراطية.

كل ما جرى بعد عام 1989 يدل على أن النظام الطائفي في لبنان يزداد رسوخاً، ويتجه إما إلى تفاقم أزماته واشتداد تناقضاته، وإما إلى الانفجار

ولا حاجة جوهرية، لكي يستقيم أمره، إلى القول بتماهي الأيديولوجية مع الفلسفة أو بتماهي الفلسفة مع الأيديولوجية. الفلسفة نمط خاص من أنماط التفكير، والأيديولوجية كذلك، كما الدين والعلم والأسطورة والأدب. وعدو الجميع هو الاستبداد الإرهابي الذي يكره كل تفكير، وإرادة الهيمنة التي لا تعرف حدوداً. أما القول بأن فلاسفة كباراً كهيغل وماركس وفيخته كانوا «أيديولوجيين أيضاً»، فإني أعلق عليه بملاحظتين. الأولى عامة مفادها أن التمييز بين الفلسفة والأيديولوجية لا يعني أنه من المستحيل أن تتواجدا في أعمال المفكر الواحد. ولكن، إذا حصل ذلك، فإن السؤال يبقى: كيف تتواجدان معاً، شكلاً ومضموناً؟ أيهما في الصدارة؟ وما هي أهمية كل منهما؟ والملاحظة الثانية خاصة بالأسماء المذكورة ومفادها أن فيخته وهيغل وماركس يمثلون حالات متباينة جداً للتداخل بين الفلسفة والأيديولوجية، في الشكل وفي المضمون. ومن أجل تسهيل المقارنة، يمكن الالتفات إلى هتلر واستخدام الفوارق بين خطابه الأيديولوجي البحت وخطاب كل واحد منهم من أجل إظهار الفوارق في ما بينهم. ومهما يكن من أمر، فإن اكتمال المشهد يتطلب إدخال ثلاثة فلاسفة آخرين هم شلينغ وشوبنهاور وفيورباخ. والباقي يتبع.

في التمهيد لأطروحتك عن ابن خلدون (1965) وفي مسألة التعامل مع التراث، تحديداً، أرسيت موقفك المنهجي على ما أسميته يومها بـ«جدلية التخطّي» التي تعني، لك، المحافظة والانقطاع معاً. ما لفت انتباهي، وأنا أتحضّر لهذا الحوار، أن هذا المصطلح لم يرد مطلقاً في مؤلفاتك اللاحقة. هل يعني أنك عدلت عن «جدلية التخطي» في قراءة التراث، أم أنك عدلت عن استخدام هذا المصطلح لصالح مصطلح آخر؟ وما هو هذا المصطلح البديل؟
ـــ هذا سؤال دقيق وله أهمية خاصة بالنسبة لموقفي من التراث العربي، الفلسفي وغير الفلسفي. وفي الحقيقة، ما زلت، حتى اليوم، أعتبر مفهوم «جدلية التخطي» من أهم المفاهيم التي اعتمدتها في مشروعي الفلسفي. فهذا المفهوم يضعني، قطعاً، خارج التقليد والسلفية على اختلاف أنواعها. ولكنه لا يضعني، حكماً، وبلا تحفظ، داخل ما يُسمّى بتيار القطيعة مع التراث. إن فكرة القطيعة مذكورة في التمهيد الذي يُشير إليه السؤال. وقد نظرت إليها حينذاك بكل جدّية في ضوء المقارنة بين الوضع الحضاري في الغرب والوضع الحضاري في البلدان العربية. ولكن النقد منعني من الانبهار التام بها، فاحتفظت بها، ولكن في إطار مفهوم أرحب وأصحّ وأشدّ تعقيداً وأصعب، هو بالتحديد مفهوم «جدلية التخطي». ومن أسباب صعوبته أنه لا يتطابق إطلاقاً مع مفهوم التوفيق الذي يلجأ إليه الإصلاحيون إجمالاً. فالتخطي الذي أقول به لا يقوم فعلاً إلا بالإبداع. والإبداع فعل عظيم يذهب إلى ما هو أبعد من كل ما يتفرع من إرادة الإصلاح. ومن يقرأ مؤلفاتي بدقة، يجد جدلية التخطي عاملة في منطلقاتها وثناياها، وإن لم يتكرر ذكرها حرفياً. ولكن، من أجل مزيد من الأمانة والدقة، يجب عليّ أن أقول إنها هي ما توسعتُ في شرحه في كتاباتي المنهجية تحت مفهوم الاستقلال الفلسفي، وبالتحديد «جدلية الاستقلال الفلسفي» ومفهوم الحداثة في الفلسفة، مع انفتاح على مجمل التراث الفلسفي، وليس التراث الفلسفي العربي فقط، وتعامل نقدي مع العلوم والأيديولوجيات التي لا بدّ للفلسفة من التعامل معها لمعالجة موضوعاتها بروح الحداثة الخصيبة. ولعله من المفيد لمن يهمه مصير الفلسفة في الثقافة العربية أن أضيف أن تعاظم البحث والنقاش في العقود الأخيرة حول قضية التراث ونظرية التراث والموقف من التراث لم يزدني إلا اقتناعاً بأن حق العرب في التفلسف، تحت قبة العقل الكوني، لا معنى له ولا مستقبل له إلا على أساس «جدلية التخطّي».

في كتابك «مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ» (1978)، تعترف أن هذا الكتاب يحتاج إلى جهود إضافية، متمنياً تراكم أبحاث «لاستكماله» والإضاءة على جوانب مجهولة من تحولات فكرة الأمة عند شعوب الشرق الأدنى القديم. وفي كتابك اللاحق «تصورات الأمة المعاصرة» (1986)، تستعيد الفكرة نفسها، حيث تعلن أن الكتاب هو جزء من مشروع كبير تعمل عليه لدراسة فكرة الأمة في التاريخ البشري. هل ما زلت على وعدك لنا، كقراء، بإتمامه، أم أنك تطمح إلى أن يقوم تلامذتك وقراؤك بهذه المهمة؟ وإذا اهتمّ باحث أو مجموعة باحثين بالفكرة، هل ترشدهم في العمل؟
ـــ كان مشروع دراسة فكرة الأمة في تاريخ الفكر العربي دراسة علمية ونقدية، جزءاً من مشروع دراسة الظاهرة القومية في التاريخ البشري، وفي الوقت نفسه جزءاً من مشروع دراسة المفاهيم الكبرى المكوّنة للفكر الاجتماعي العربي. وكان المطلوب، بطبيعة الحال، أن يتجنّد فريق واسع من الباحثين للقيام بهذه المشاريع، بدءاً بما يتعلق بظاهرة الأمة وتصوراتها. ويؤسفني أن أعترف بأن الحظّ لم يحالفني في هذا المجال. فقمت بما قمت به، بقدر ما تيسّر الأمر في إطار المخطط العام لأبحاثي، على أمل أن يستأنف المشروع فريق من الباحثين البارعين الذين لا تعمي أبصارهم وعود العولمة الخادعة. وأنا على استعداد، إذا قام فريق لهذا الغرض، أن أقدّم مساعدتي له قدر المستطاع وأن أضع خبرتي في تصرفه. ولا شك أن تجربة الاتحاد الأوروبي ستكون في صدارة البرنامج العام لأعماله، إلى ما يجري في الهند والصين والاتحاد الروسي وكندا والبلدان الأفريقية وسواها.

يأخذ عليك بعض قرائك أنك كلما تقدّمت في كتاباتك، كلما ابتعدت عن الجذور التي كشفت عنها في كتابيك الطليعيين: «نحو مجتمع جديد» و«طريق الاستقلال الفلسفي»، بينما يتّهمك آخرون بأنك لم تخرج، في كتاباتك اللاحقة على هذين الكتابين، عن الإطار الذي رسمته لانشغالاتك الفكرية وقد حصرته، حسب زعمهم، بالقرن التاسع عشر، وهم يلمحون بذلك إلى إهمالك الفلسفة الغربية المعاصرة، واستطراداً هل تعتبر أن «طريق الاستقلال الفلسفي» (1975)، على ما يذهب بعض المعجبين به، هو «الأصل الأحب» إلى فكرك وروحك، وأن النصوص الأخرى (ويقصد الكتب الأخرى) هي شرح معمّق لما يختزنه هذا الكتاب من مقاصد فلسفية وأيديولوجية؟
ـــ أترك القسم الأول من السؤال لأن الأحكام المتسرعة حول تطوري الفلسفي، كهذه الأحكام، تسقط من النقاش بمجرد الرجوع إلى النصوص التي تتناولها. وفي المقابل، أرحّب بالقسم الثاني من السؤال، لأنه يتسلل إلى مشاعري ويوقظ في نفسي أحلاماً استثنائية، بعضها تحقق وبعضها الآخر لا يزال في مخيلتي. وفي الحقيقة، لا أجد أيّ سبب يحملني على إخفاء شعور الاعتزاز بأني مؤلف «طريق الاستقلال الفلسفي». وفي استطاعتي اليوم أن أؤكد، بكل تواضع وبكل موضوعية، قناعتي القوية القائلة بأن هذا الكتاب يحمل فكرة عظيمة ويعبّر عن طموح كبير ويفتح أفقاً جديداً في تاريخ الفكر الفلسفي على إيقاع الجدلية بين الكونية والخصوصية. وما زلت أتذكر ما قاله لي الدكتور بشير الداعوق، مدير «دار الطليعة» التي أصدرَته، في سياق حديث حول توقيت وضعه في السوق، وكانت الحرب في لبنان قد اندلعت بكل بشاعتها: «لا داعي للاستعجال، فالعرب يحتاجون إلى عقود من السنين حتى يفهموا قيمة هذا الكتاب». هل كان هذا الرأي محقاً وصائباً؟

التمييز بين الفلسفة والأيديولوجية لا يعني أنه من المستحيل أن تتواجدا في أعمال المفكر الواحد

أستطيع، اليوم، أن أقول أنه كان صائباً من جهة، وكان خاطئاً من جهة أخرى. لقد احتلّ هذا الكتاب موقعاً مميزاً في الكتابات الفلسفية العربية المعاصرة، وتنوّعت جداً التعليقات الإيجابية عليه. وقد خصّته «الموسوعة الفلسفية العالمية» الصادرة عن المنشورات الجامعية الفرنسية في باريس، عام 1990 بمقال خاص باعتباره من المؤلفات الأكثر تمثيلاً للفكر الفلسفي في العالم. إلا أنه لا يزال شاهداً على ضعف تقدم الفكر الفلسفي العربي نحو التحرّر والانعتاق من التبعية. ولذلك لا يزال يسألني، باطمئنان حيناً وقلق حيناً آخر، عن مصيره، سواء في مؤلفاتي التي تولدت منه، أم في أعمال الزملاء الذين لا يخفون إعجابهم به، وبخاصة الجيل الجديد منهم. وفي كل مرة، أخترع جواباً لتأجيل الجواب أو لتعزيز الأمل.

لم تهتم بترجمة كتبك، أهمها على الأقل، إلى لغة أجنبية، الإنكليزية أو الفرنسية، مثلاً، فتأخذ مكانها في مكتبة الفكر العالمي، إلى جانب كتب كانط وهيغل ونيتشه وهايدغر وسارتر وفوكو؟ ألا تعتقد أن الترجمة هي التي تمنح الفكر أو الأدب أو الفن صفة «العالمية»؟ أم أنك تعتبر أن ما يسمّيه أحدهم بـ «فاعلية الفكر» هو ما يمنح الفكر صفة «العالمية»، حيث تخترق هذه «الفاعلية» الحواجز بين الأمم والشعوب والثقافات وتمتدّ خارج جغرافيتها إلى الأقاليم القريبة منها وإلى العالم أجمع، كما امتدّ الفكر المشرقي (الكنعاني) إلى الإغريق من دون أن يتقصّد مخاطبتهم وكما امتدّ الفكر الإغريقي إلى شرقي المتوسط، قديماً؟
ــــ لا أعتقد أن ترجمة مؤلفاتي إلى اللغات الأجنبية واجب يقع القيام به على عاتقي. أنا لم أختَر، بعد الدكتوراه، أن أكتب بالعربية حتى أعود إلى الاهتمام بترجمة مؤلفاتي بعد اجتيازها امتحان الأهلية. الكتابة بالفرنسية أو بالإنكليزية تمنح المؤلف، بالتأكيد، شهرة عالمية على قدر قيمة نتاجه. ولي من خلال كتابي عن ابن خلدون، الذي صدر بالفرنسية عام 1967، وتُرجم إلى الإسبانية والفارسية من دون أي جهد مني، تجربة واضحة وبالغة الدلالة على ذلك. ولكن كتابة الفلسفة بالعربية ليس محكوماً عليها أن تبقى إقليمية الحضور والتأثير، مهما كانت قيمتها الذاتية. المسألة هي مسألة إسهام نظري له أبعاد كونية، حقاً، ومسألة جهاد تفاعلي من أجل الحضور والتأثير على مستوى الثقافات الكبرى في العالم، وبخاصة من خلال الترجمة. فأين هي المؤسسات التي تُعنى، في البلدان العربية، بهذا الجهاد التفاعلي؟ من خلال خبرتي الطويلة في العمل الأكاديمي وما يتصل به، تبيّن لي أن شعور المسؤولية في هذا المجال شبه معدوم. كل طرف يتنصّل من المسؤولية بهذه الحجة أو بتلك، ويلقي المسؤولية على الغير. وفي معظم الأحيان، أينما كنت في البلدان العربية، فإن المؤسسات المعنية، بدرجة أو بأخرى، بتنشيط الفكر الفلسفي وتسويقه، تنتظر أن تأتي المبادرة أو المساندة من جهة أجنبية. إن عقدة التراخي والدونية في الساحة العالمية لا تزال معششة في أكثر من وسط ثقافي في لبنان كما في غيره من البلدان العربية. وهذه مشكلة كبيرة ليست الفلسفة وحدها مسؤولة عن العمل من أجل التغلب عليها.

كيف تجمع في مفهومك للعقل بيت العقلانية والشمولية العقلانية (الهيغلية): ألا يُعدّ مفهومك للعقل شمولياً (Logocratique)؟
ــــ العقلانية التي أدافع عنها نظرية في العقل لا تقترن حقاً بالشمولية، أعني أنها ليست عقلانية شمولية ولا شمولية عقلانية، إلا من حيث أنها تعتبر أن العقل قدرة من قدرات الفكر، يتمتع بها جميع أفراد النوع البشري، وموضوعاتها تخاطبهم، كما لغتها، بطريقة تتعدى ذاتياتهم الفردية. وبهذا المعنى، أتحدث عن العقل الكوني، وعن سلطة العقل، وعن الحضور العقلاني، ولا أتحدث عن العقل المطلق ولا عن العقل الأزلي وما أشبه ذلك. وقد حرصت على تسميتها بالعقلانية النقدية المنفتحة لتمييزها عن سائر العقلانيات التي يحفل بها تاريخ الفلسفة، وشرحت ما أعنيه بهذه التسمية في مواضع عدة من مؤلفاتي، حتى تظهر بوضوح إلى جانب النظريات الأخرى التي أدافع عنها، وفي مقدمتها الواقعية الجدلية ونظرية أنماط التفكير. ولذلك أدعو من يهمه الأمر أن يأخذ في الاعتبار شروحي حولها قبل أن يبحث عن أصولها في تاريخ الفلسفة وينسبها إلى هذا أو ذاك من المذاهب الإبستمولوجية أو الميتافيزيقية المشهورة.