انتبه سيف إلى كتاب سميك موضوع فوق المنضدة. أمسكه بكلتا يديه، وهو يقرأ العنوان بصوت مسموع «الحروب الصليبيّة كما لم يرها العرب» (1). قال القاضي:

- أنفقتُ العمر وأنا أعدّ هذا الكتاب، إنّه يؤرّخ لأبرز الأحداث التي عرفتها ماليندي خلال قرن من الزمن.
ثمّ أضاف باعتدادٍ رسّخته السنون:
- إنّ هذا الكتاب لأهمُّ من كلّ ما تحتوي عليه مكتبةُ السفيه سليمان. قلّب سيف الصفحات بتؤدة، عندما قرأ ما كُتِبَ عن أحمد بن ماجد، قدّر أنّ ذلك الكتاب بمثابة صك براءة لرجل طالما خشي ممّا سيكتبه التاريخ عنه، قال سيف:
- أرغب في الاطلاع عليه..
خذه معك، وأعده متى انتهيتَ من قراءته، ولكنْ إيّاك أن تطلع عليه أحداً، إنّ التأريخ في هذا الكتاب فريدٌ، ولذلك يجب أن يُصان ويُبعد عن العيون، إلى أن يحينَ وقتُ خروجه للناس كمخطوط موثوقٍ ونادر، يُؤرّخ لحقيقة ما جرى في ماليندي العرب، في القرنين التاسع والعاشر لهجرة الرسول..
هزّ سيف رأسه باهتمام، استأنف القاضي:
- المنتصرون، في العادة، هم الذين يكتبون التاريخ، فيحرّفونه من دون رقيب. في حالة غرناطة، كانوا القشتاليّين الإسبان، وفي حالة ماليندي، سيكونون الصليبيّين البرتغاليّين. وبما أنّ الشواهدَ تؤكّدُ أنّ التاريخ الأصحَّ هو تاريخُ المهزومين، جاء كتابُنا منحازاً لهم..
فتح سيف الكتاب كيفما اتفق، قرأ:
«.. وكان للشيخ ولد يدعى سيف، زعم البرتغاليّون موته في إحدى سفنهم العائدة من الهند. ورغم انقطاع أخباره لسنوات طويلة، إلا أننا آثرنا عدم إعلان الوفاة، ليس لأنّ الواقعة لم تُثبت لدينا فحسب، بل لأننا آثرنا أن نترك للناس أملاً بوجود مخلّص قد يظهر في أيّ وقت من الأوقات. ثمّة آمالٌ يجبُ أن لا تنطفئ أبداً، ثمّة أوهامٌ وأساطيرُ يجبُ أن تظلّ مضيئةً كالشعلة، وتسلّم من جيل إلى جيل»..
أغلق سيفٌ الكتاب، ثمّ أعاده إلى المنضدة، وهو يسأل القاضي المشورة في اقتراح المدرّس القاضي بطلب المعونة من سلطنة كيلوا لمواجهة مطيع ورجاله.
لوّح القاضي بيده علامة الشك في جدوى ذلك:
- صحيحٌ أنني أفنيتُ العمرَ في مدّ الجسور بين الشعوب والأمم، ولكنّني لا أنصحك قَطّ بطرق باب كيلوا الآن!
- لماذا؟ ألا يجمعنا بهم الدّين؟
- الأمرُ ليس أمرَ دين يا سيف، بل أمر موازين قوى. عندما اقترحنا على والدكم الشيخ أن يحالف الأحباش، وهم نصارى، لمواجهة منبسي، كنّا أقوياء بما يكفي لكي لا نصبح أتباعاً لهم! بالله عليك يا بنيّ، أيُّ حلف يمكن أن تنشئه مع سلطنة قويّة، وأنتَ لا تعدو كونك شيخاً مشرّداً؟! صحيحٌ أنّكَ مهيضُ الجناح اليوم، ولكنّ هاجسكَ يجب ألا يكون استعادة القدرةِ على الطيران، بقدر ما أن تظلّ الطائر نفسه..
أومأ سيف برأسه، وقد بدا مؤمناً بحكمة القاضي أكثر من أيّ وقت مضى، ثمّ أمسك الكتاب بكلتا يديه، وهمّ بالنهوض..

* رواية للكاتب اللبناني محمد طرزي (1983) صدرت حديثاً عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» في بيروت، تجسّد سيرة سيف بن يوسف الماليندي الذي لم يرد ذكره في كتب التاريخ إلا لماماً. وهي الرواية السَّادسة للكاتب بعد: «النبوءة» (2010)، و«جزر القرنفل – حكاية الحلم الأفريقي» (2013)، «رسالة النور – رواية عن زمان ابن المقفع» (2016) و«أفريقيا – أناسٌ ليسوا مثلنا» (2018)، «نوستالجيا» (2019) الحاصلة على «جائزة توفيق بكار للرواية» في تونس.
(1) هذا الكتاب عبارةٌ عن مخطوطة موجودة في المكتبة البريطانيّة، وقد اعتمَدَه المؤلف كمصدر