تقول العرب في مثلها الشهير: أشغل من ذات النحيين.

وذات النحيين يا سادة، امرأة جاهلية حملت نحيين (إناءين) من عسل ومضت تبيعهما. وفي الطريق صدفها رجلان أبديا رغبة في شراء العسل. طلبا منها أن تفتح نحياً، ففتحته ونظرا فيه، ثم طلبا أن تفتح الآخر ففتحته. حملت النحيين المفتوحين وأرتهما، فاستغلا الوضع واغتصباها.
اضطربت المسكينة بين الدفاع عن جسدها والحفاظ على عسلها. فإن هي دافعت عن جسدها هدر العسل وضاع قوتها، وإن هي فضلت العسل على الجسد، هتك الجسد وضاع الشرف. وقد فضلت المسكينة العسل على الجسد. كان جرح الفقر عندها أفتك من جرح الشرف.
إلى هنا والحكاية حكاية مؤلمة لكنها عادية. لكن الذي حصل أن عرب الجاهلية خلقوا من هذه الحادثة مثلاً سار فيمن بعدهم إلى اليوم. وبدل أن يكون المثل تصويراً للاغتصاب الظالم وتعليقاً عليه، فقد صيغ لكي يهزأ بالمرأة المسكينة، وبقومها. فقيل ببسمة ماكرة: «أشغل من ذات النحيين»، ليس امتداحاً لقدرتها على الاحتفاظ بعسلها رغم العنف ضدها، وإنما هزءاً بها وبعسلها وجسدها وخيارها. لقد ذهب المغتصبان من دون أن ينالا تقريعاً، وصُلبت المرأة المسكينة على خشبة الخزي إلى الأبد.

نانسي سبيرو ـ «الرقصة» (طباعة الشاشة الحريرية على ورق كاواناكا ـــ 33 × 41 سنتم ــ 1993)


أكثر من ذلك، فإن قبيلتها كلّها صارت سُبَّة وعاراً. وهي قبيلة تيم اللات، أو تيم الله. وقد هجا شاعر أحداً من بين تيم هؤلاء، فقال:
تزحزح يا ابن تيم الله عنّا 
فما بكر أبوك ولا تميم
لكل قبيلة بدر ونجم 
وتيم الله ليس لها نجوم
أناس ربةُ النحيين منهم 
فعُدّوها إذا عُدَّ الصميم
لكن تحت الموافقة الذكورية الجمعية على فعل الاغتصاب، أخذ شعور بالمهانة والرغبة في الانتقام يتوالد في ما يبدو عند قطاع من النساء على مدى التاريخ العربي. إذ تحول الحادث إلى جرح لا يندمل في قلوبهن. ونحن نستطيع أن نتأكد من ذلك من خلال رد رمزي جرى على حادثة ذات النحيين. فقد ظلت النار تغلي، حتى جاءت امرأة في العصر الأموي، وقدمت ردها على حادثة الاغتصاب الجاهلية.
هذه المرأة تدعى عاتكة بنت الفرات بن معاوية. وعاتكة هذه ابنة عائلة قوية. فقد كان جدّ أمها رئيساً لشرطة العراق من قبل الحجاج. كما أنها كانت امرأة جميلة شبب بها الشعراء لجمالها. فقد شبب بها الفرزدق:
إذا ما المزينات أصبحن حسرا 
وبكَّين أشلاء على غير نائل
فكم طالبت بنت الملاءة إنها 
تذكر ريعان الشباب المزايل
والملاءة هي أم عاتكة. وكان الفرزدق قد شبب بهذه الأم من قبل أيضاً، فقال:
كم للملاءة من طيف يؤرقني 
إذا تجرثم هادي الليل واعتكرا
أما جدة عاتكة فقد شبب بها الشاعر مسعد بن البختري، وكان اسمها نائلة:
أنائل إنني سِلم 
لأهلك فاقبلي سلمي
وهكذا فعاتكة كانت من عائلة تجمع بين القوة الاجتماعية والجمال، وقد منحها هذا الوضع حساسية شخصية عالية. لذا أحست بأن جرح ذات النحيين كان جرحاً شخصياً لها وجرحاً لجنسها من النساء. وهو عندها جرح أحدثه الرجال كلهم في روحها وأرواح النساء كلهن. فقد شارك هؤلاء جميعاً في اغتصاب ذات النحيين، حين أشاعوا المثل وحولوا المغتصب إلى بطل، والمغتصبة المظلومة إلى عار وسبة. لذا فقد حلمت بالانتقام، ليس من المغتصب فحسب، بل من الرجال جميعاً، ومن روح الاغتصاب الذكورية عندهم. أرادت أن تثأر لذات النحيين وأن تقلب الحكاية.
وقد جاءتها الفرصة حين خرجت للتنزه مرة، مع صويحبات لها، في البادية. فقد لقيت بالمصادفة رجلاً يبيع العسل في نحيين. وكان هذا هو ما تريد. كان هذا هو التشبيه الكامل. فتقدمت إليه وفعلت به ـــ أو أرادت أن تفعل به ــــ كما فعل المغتصبون بذات النحيين: فتحت النحي الأول ووضعته في يد الرجل، ثم فتحت الآخر ووضعته في يده الأخرى، وهكذا صار في الموقع الذي كانت فيه ذات النحيين، صار مضطراً للاختيار بين عسله وجسده.
ظلت النار تغلي، حتى جاءت امرأة في العصر الأموي، وقدّمت ردّها على حادثة الاغتصاب الجاهلية


يقول أبو الفرج الأصفهاني في المجلد السادس من «كتاب الأغاني»: «فلما أشغلت يديه أمرت جواريها فجعلن يركلنه في إسته، وجعلت تنادي: يا لثارات ذات النحيين». ولم يكن بإمكانها أن تفعل أكثر من ذلك. ففي الثقافة العربية، لا يمكن تصور اغتصاب المرأة لرجل. وإن حدث ذلك، فلن يكون عاراً عليه بل عاراً على المرأة. ويضيف أبو الفرج: «فأرادت عاتكة بنت الملاءة أن هذا لم يفعله أحد النساء برجل كما فعله الرجل بالمرأة، وأنها ثأرت للنساء ثأرهن من الرجال، بما فعلته».
لقد شفت عاتكة غليلها وانتقمت بشكل رمزي من الرجال. ورغم أن الرجل الذي انتقمت منه مسكين مثل ذات النحيين، فهي لم تكن تقصده بشخصه، بل كانت تقصد جنس الرجال. وحتى لو أننا شككنا في أن القصة مصنوعة موضوعة وليست حقيقية، فإن مجرد وضعها واختلاقها يشير إلى أن قصة ذات النحيين كانت عميقاً في قلوب النساء العربيات جميعاً على طول الزمان.
على كل حال، فإن فعلة عاتكة لم تتحول إلى مثَل كما تحول فعل المغتصب إلى مثل. فلم يقل أحد «انتقام عاتكة» أو «انتقام ذات النحيين». المغتصبون وحدهم حولوا فعلتهم إلى مثل: أما المغتصبات، فلم يتمكنّ من تحويل إرادة الانتقام إلى مثل. بذا فالفعل وحده لا يكفي. يجب أن يتحول الفعل إلى مثل كي يدخل في الوعي. فهل يمكن لنا نحن، بعد كل هذه القرون، أن نحول فعل عاتكة إلى مَثَل، فنقول إنه «انتقام عاتكة».

* شاعر فلسطيني