كيف يمكن للقارئ أن يجد ضالته بين 524 رواية تزخر بها المكتبات ودور النشر الفرنسية في «بداية الموسم الأدبي»، التظاهرة الأدبية التي تشهدها فرنسا سنوياً بين منتصف أغسطس (آب) ونهاية أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام؟ عيد بكلّ ما للكلمة من معنى للكتاب والروائيين والثقافة الفرنكوفونية في فرنسا والعالم، في عاصمة الأنوار التي ما زالت مختبراً للأفكار الكبيرة في الفن والأدب والإبداع والثقافة. الثيمات الروائية هذا العام ابتعدت عن السياسة التي طغت على روايات الموسم الماضي وريبة العالم من وصول «المجنون الأشقر» إلى البيت الأبيض، لنشهد عودة ميمونة لتطعيم الرواية بروح الشعر، ولتطفو مواضيع محببة كالأمل والطفولة وندوبها وإبداعاتها مجدداً إلى السطح، إضافة إلى انفتاح الرواية الفرنسية على مؤثرات قادمة من المستعمرات القديمة مثل الجزائر وموريشيوس. ملحق «كلمات» يقدم للقارئ دليلاً يرشده إلى أبرز روايات هذا الموسم والتي يمكن أن يشق بعضها طريقاً للغة الضاد قريباً.


الفنان الأميركي جايكوب لورنس (تيمبرا البيض على لوح مقوّى ــ 51.1×70 سنتم ــ 1947)


«رقصة المجنونات»
Le bal des folles


(فيكتوريا ماس)
فيكتوريا ماس، كاتبة السيناريو السينمائي وابنة المغنية جانّ ماس، توقّع روايةً أولى جميلة توّجت بجائزتي «الريشة الأولى» (Première plume) و«ستانيسلاس» وتحضر ضمن القائمة الأوّلية لـ«جائزة رونودو». تُفتَتَح الحكاية عام ١٨٨٥، في قسم الإناث المصابات بالهستيريا في «مشفى بيتييه سالبيتيير» الباريسي الشهير. تعاني الشخصية الأساسية لويز، القابعة في المستشفى منذ ثلاث سنوات، من نوبات من الهستيريا بعد تعرّضها للاغتصاب: تضحي لويز المريضة المفضّلة للبروفسور شاركو، طبيب الأعصاب الشهير ورئيس قسم «الهستيريين». كل أسبوع، يمارس الطبيب التنويم المغناطيسي على مريضته في دروس يلقيها أمام طلّابه. في الأثناء حدثٌ كبير سيخضّ المشفى: حفلة منتصف الصوم الكبير، المسمّاة «رقصة المجنونات»، حيث تحضر باريس كلّها لتشاهد تلك «المجنونات» المرهوبات والمرغوبات في آن، والمتنكّرات للمناسبة. بينما تتحضر لويز للحفل الكبير، تدخل أوجيني المشفى بعد اتهامها بالهرطقة، هي التي من أجل الخلاص من سطوة عائلتها النافذة أخبرتهم بأنها قادرة على أن تكلّم الموتى. تبدأ الرواية بهاتين القصتين اللتين لا تلبثان أن تختلطا: لويز وأوجيني ومدام جانفييف مدبّرة القسم وخليلة الأطباء هي الشخصيات الأساسية في الرواية التي تؤرخ لقمع النساء في تلك الفترة، «أولئك اللواتي يجرؤن على رفع الصوت». بين المنفى والسجن، كان يوضع في سالبيتيير ما لا تُحسن باريس تدبيره: «المرضى والنساء». المشفى طافح بالرمز إذاً: السجن القديم لـ «فتيات الرغبة»، يتحول إلى جحيم للفتيات السليمات مثل «أوجيني»، لأنه «مشبع بالأشباح والصرخات والضربات القاتلة»، لكنه أيضاً مأوى للهامشيات اللواتي لا يمتلكن مكاناً في الخارج. ريشة فيكتوريا ماس تغني النص بالألوان والتركيبات والمشاعر، والإطار التاريخي موجود في الرواية كديكور لطيف يسعف المخيلة ولا يزعج السرد.
Le bal des folles, Victoria Mas -Albin Michel-256 pages-18.90€


«عَدْن»
Eden


(مونيكا سابولو)
تحلم نيتا بالفرار من المحميّة التي شهِدت ولادتها، مثل أبيها الذي ولّى هارباً منذ سنين قليلة، ولم يرجِع قط منذ توغّل ذات صباح في الغابة. في هذا «الفردوس المفقود»، حدث درامي سيفتتح السرد: بعد أن تختفي لأيّام عِدّة، سيتُم العثور على لوسي، صديقة نيتا، وقد تعرّضت للاغتصاب «هذه الكلمة التي لا يتلفّظ أحد بها هنا». تحاول نيتا أن تفهم ما الذي حدث لصديقتها، وأثناء بحثها تصطدم بعالم قاتم وظالم، مختلف عن اللوحة المثالية التي تعطينا إياها «المحمية» كانطباع أولي، أي كما يظنّها السيّاح «حُلية محفوظة بعناية، تشبه ما كانت عليه الأرض في اليوم الأوّل». خلف المظهر الخادع لجنّة عَدن، يُخفي المكان يوميات من العنف والشقاء. قبل لوسي، اختفت العديد من النساء «فتيات، مراهقات، ربات منازل، عاهرات، تبخّرن»، لكن لا أحد يجرؤ على الكلام. «كانت إعلانات هنا وهناك، على الطريق. كنا نراها من بعيد، علامةً عمودية وحيدة بين الأفق والسماء؛ الوجوه بالأبيض والأسود للمفقودين». أمام هذه الجرائم، تقرر نيتا المواجهة، ولو أنها لا تستخلص من لوسي المفجوعة إلا نُتَفاً يسيرة عن هوية المغتَصب. باختلاطها بذكور المدرسة وعصبة فتيات يعمَلن في بار المحمية، ستربط نيتا بالتدريج خيوط الأحداث. السرد الشعري لمونيكا سابولو الحائزة «جائزة فلور» عام ٢٠١٣ عن روايتها «كل هذا لا يخصني» (دار لاتيس) سيدخلنا في عالم نيتا الداخلي الذي يستمد قوته من الغابة ذاتها، ورغباتها ووساوسها. بضبطها لإيقاع النص بين السرد والتأمل، تقدم صاحبة رواية «سومر» (دار لاتيس، ٢٠١٧) الفائزة بجائزة «غونكور» المدرسية، نصّاً جميلاً في دراميّته وغرائبيّته.
Eden, Monica Sabolo, Gallimard-288 Pages, 19.5€.

«لا يسكن كل الناس العالم بالطريقة ذاتها»
Tous les hommes n’habitent pas le monde de la même façon


(جان بول دوبوا)
يلبث بول هانسن في سجن في مونتريال لسببٍ لا نعرفه، يمر الوقت في بؤس في الأمتار الستة المربّعة التي يتقاسمها الراوي الفرنسي-الدنماركي المتحدر من أب قسّ وأم متخصصة في تاريخ السينما، مع رجل يدعى باتريك هورتون متهم بجريمة قتل ويتوعّد أن يشطر نصفين كلّ من يزعجه. محمياً من باتريك، يطلق بول العنان لأحلامه في فرار صامت مع غائبِيه، الذين نفهم من استحضارهم بأن الرجل قد فقد كلَّ شيء: «السجن في سهاد، نام الحرّاس والمساجين، ليس من أحد غيري يسهر وإلى جانبي وينونا ونوك والقسّ. لقد انتظرتهم بما يكفي. الآن هم هنا...لدي الكثير من الأشياء أقولها لهم، صحبتُهم، هي وستكون كلَّ ما تبقّى لي». في هذه اللحظات، يرافقه صاحب سجنِه بهذه الجمل الحاسمة والقاسية: «الحياة مثل المهرة، بُنَيّ، إن رمتكَ عن ظهرها تغلق فمك وتعاود امتطاءها مباشرة».
بكتابة حادة ومباشرة تروي كوثر عظيمي الأفق المسدود للشباب الجزائري الذي يسعى إلى اختراع معنى لوجوده

بين طفولته في تولوز، مسقط رأس أمه، وسفره إلى كندا ليلتحق بوالده الذي أدار ظهره للحياة العائلية، والأعوام التي قضاها في مونتريال كحارس لإحدى البنايات، لن يكون بول الشخصية الوحيدة التي تمتلك وجهين. باتريك أيضاً، القاتل الرهيب، يمتلك قلباً رقيقاً لكنه طافح بالفوبيا: رؤية الفئران البائسة كانت كافية لتغرورق عيناه بالدموع. يبرع جان بول دوبوا كعادته بأن يلسع الميلانخوليا ببعض جرعات الطرافة، وبقدرته على أن يحشر نصاً حميماً بصيغة المتكلّم في قلب تنويع تمتد فيه ملاحظات عامّة عن حال الكون. كما يوحي العنوان الطويل، فإن كل شخصية ستكون سفيرة فوق العادة لطريقة في العيش. يذكرنا دوبوا الحائز «جائزة فرانس تيليفيزيون» عن عمله «كينيدي وأنا» (منشورات سوي ــ ١٩٩٦) في هذا العمل بالأعمال الكبرى لأستاذه جون آبدايك، وملهميه من أساتذة الرواية الأميركية أمثال جيم هاريسون، كورماك مكارثي وجون فانتي.
Tous les hommes n’habitent pas le monde de la même façon, Jean-Paul Dubois -Éditions de L’Olivier-256 Pages-19€.

«السماء أعلى السطح»
Le ciel par dessus le toit


(ناتاشا آباناه)
في العائلة محور الرواية، هناك إيلييت الأم (اسمها الآخر فينيكس)، بالوما الابنة، والابن لُو. جراح الطفولة لها آثارٌ لا تُشفى وتترك مثل الزلازل ندوباً على الأجيال التي تلي. هذا ما يرويه نص آباناه المتوّجة عام ٢٠١٧ بجائزة «فرانس تيليفيزيون» عن عملها «مدارات العنف» (غاليمار) الذي استقى عنوانه من قصيدة لبول فيرلين كان قد نشرها في كتابه Sagesses عام ١٨٨٠ وكتبها بعد سَجنه إثر شجاره مع صديقه رامبو، قصيدة أودع فيها فيرلين كل الأفكار التي تعصف به بين جدران أربعة. مثل فرلين، يقبع لو في السجن هو أيضاً بسبب قيادة سيارة أمه من دون رخصة قانونية. لكن عن أي سجن نتكلّم؟ أليس الفتى مسجوناً بين جدران ذكرياته، كونه ضحية لقصّة حدثت في الماضي؟ «دائما وأبداً، هناك الجدران التي تحاصر، التي تفرّق، التي تدجِّن». بينما تمسح فينيكس الأطباق، تعود بها الذاكرة إلى الماضي، الزمن الذي كانت تسمّى فيه إيلييت وكانت تتمتع بجمال وحشي حيث جعل منها أهلها من غير سوء فرجة للناظرين، متبرجة ومرتدية ملابس النساء، إلى أن يقع لها مكروه في ذلك اليوم المشؤوم في الذاكرة. تأخذ الأفكار بفينيكس إلى الجذور، المليئة بالعُقد التي تنغّص عليها صفو الوجود وتمنع الحياة أن تدور بيسر وسلاسة بين ولديها وبينها. إذن هل سيمكننا رؤية السماء أعلى السطح؟ نعم، تجيبنا هذه الرواية. الطفل الذي هو ليس كالآخرين، الذي لا يمكنه أن يمتنع عن اختراع النغمات، سيجد طريقاً لشق جدران السجن، لأنه «أحياناً يجب أن نعرف لنقوى على مواصلة العيش». فعل المقاومة من قِبل لُو، سيشق له ولأخته ووالدته باباً على «مكان مفتوح على البحر والسماء والأرض». تبني آباناه روايتها وفق التنويع على أصوات ثلاثة، تنويع يجري مثل حبل أفكار هذه الشخصيات على طريقة الروائية الإنكليزية فيرجينيا وولف. الكتابة العضوية لهذه الروائية الموريشيوسية التي تكتب بالفرنسية تحاول الإجابة على سؤال مركزي: هل يمكن للإنسان، مثل طائر الفينيق، أن ينبعث من رماد ماضيه؟
Le ciel par dessus le toit, Natacha Appanah -Gallimard, 125 pages-14€.

«عطش»
Soif


(أميلي نوتومب)
قد لا تكون آملي نوتومب «حَجَلَة» بداية الموسم الأدبي لهذا العام. منذ روايتها الأولى «نظافة القاتل» عام ١٩٩٢، واظبت نوتومب على نشر رواية كل عام. الكاتبة التي تم الاحتفاء بها عند نشرها رواية «ذهول ورعدة» (1999)، والتي ما لبثت أن تحوّلت لدى النقّاد إلى لعنة موسمية، لم يخذلها جمهورها قَط. في المقابل، ولو أن أميلي نوتومب تطورّت ونوّعت في موتيفاتها ومواضيعها، إلا أن روايتها الأخيرة «عطش» تشكّل عودة إلى المزاج القاسي لبداياتها الروائية: تدخل نوتومب إلى رأس المسيح المحكوم بالموت، الذي يخضع مذهولاً لاتهامات الذين استفادوا من معجزاته وكما يقول المثل العربي أو يردّد لوي فردينان سيلين، «يثأر الناس من إحساننا إليهم». تملك نوتومب امتياز قلب دعاباتها إلى الجِدّ وتحويلها سرداً روائياً. بعد الضحكة الأولى، نكتشف أننا أمام الإنجيل برواية أميلي نوتومب التي تصعقنا بتفسير غرائبي لمعجزات المسيح: قوة المسيح تكمن في جِلد بشرته، ليسعفه الرب بالمعجزة عند جفاف الجِلد والعطش، لأنه «لا يعاني العطش إلا من كان حيّاً». تعالج نوتومب معجزات المسيح بطريقة استيطيقية من دون الوقوع في السخرية المعادية للتيولوجيا أو في التبجيل الرومانسي للمعجزات، بل تعاكس أحياناً سردية الأناجيل بكلام ليسوع نفسه، إذ كيف يمكنه مثلاً أن يحب واحداً فقط من اللصَيْن المصلوبَين على جانبيه؟ بمثل هذه الجمل الإشكالية التي هي ملحُ النثر عند نوتومب: «كائنات بطيبة مماثلة، هذا مُحبط»، سنعثر في روايتها على بورتريه إنساني للمسيح بعيداً عن الدوغمائيات ضمن نص عميق ومنعش. «الليلة التي أكتب منها لم توجد قَط. الأناجيل صارمة. ليل حريتي الأخير تدور أحداثه في بستان الزيتون. في اليوم التالي سيحاكمونني، والحُكم مُبرم. لكني أرى في الحكم السريع شكلاً من الإنسانية: أن نجعل أحدهم ينتظر يعني أن نضاعف من ألمه. لكن هناك ذلك البُعد الذي لم يتمّ سبره والذي لم آخذ انطباعاً بأني اخترعته: وقتٌ بنسق مغاير حشرتُه بين الموت وبيني».
Soif, Amélie Notomb -Albin Michel-152 Pages-17.90€.

«أورليان»
Orléans


(يان موا)
ما هي الذكرى؟ هل هي لحظة من الماضي يتم استحضارها، أو قِسمة غير موضوعية من الحاضر، رأس دبّوس من الوقت من فوقه يعيد الكائن المتوازن اختراع نفسه؟ فلنأخذ الكتاب الجميل ليان موا المعنون «أورليان» نسبة للمدينة التي نشأ فيها في وسط فرنسا، والذي نحار في تصنيفه كرواية، ففي أوله تطالعنا لغة هي أقرب إلى الشعر: «كان العالَم يصدأ. خلف النافذة كان الخريف، الهواء يصفرّ. شيٌ لا يمكن تفاديه كان يحصل في الخارج: موت الأشياء». في قلب هذا الثقب المتداعي المسمى «الحياة»، وُجد والدا يان موا: ثنائي من المرضى الاجتماعيين جاهز للانقضاض عليه ما أن يدخل الدار. كانت أمه تدعوه بالمعتوه الصغير، وأبوه الذي يوسعه ضرباً «توقّف، ستقتُلُه! تقول الأم. وإن؟ يجيب الأب. أليس هذا ما تريدينه تماماً؟». تتتابع مشاهد العنف الذي يجعل منه يان موا حجر الرحى للواقع، العنف الذي يستولده الوالدان من أجل إهانته والقذف به في العدم. لكن ما يجعل من «أورليان» عملاً أصيلاً هو الأسلوب. يتقمّص يان موا أساليب أندريه جيد وشارل بيغي ومن بعده فرانسيس بونج، ما يجعل من «أورليان» رواية بجرعات شعرية، تنعشها وتفكك من بنيتها في الوقت ذاته. رغم أن الزمن الروائي في «أورليان» يقع بين ١٩٨٠ و١٩٩٠، إلا أنها يمكن أن تقع في خمسينيات القرن الماضي بكلّ وضوح. هذا الخلل في تقدير الزمن هو ما يعطي الرواية زخمها: الآن يخضع الطفل يان موا للتعذيب والإهانة، والآن ينبعث من جرح ذاكرته.
Orléans, Yann Moix -Grasset-272 Pages-19€.

«صِغار ديسمبر»
Les petits de décembre


(كوثر عظيمي)
يمكن لكتاب عظيمي أن يوصف بأنه نصّ أسطوري، أو شبه ملحميّ. حكاية أربعين طفلاً، سيأخذون على عاتقهم كلّ الخيبات، الجراح، والآمال المُحبطة لشعب بأكمله، ليقفوا في مواجهة الظلم ويرفضوا أن يستجيبوا للآلة المحكمة للـ«سيستم». في دهلي _ ابراهيم، إحدى ضواحي الجزائر، حيث نجد معالم أول قرية فرنسية أقامها المستعمرون عام ١٨٣٢، وفي الحيّ الذي صار يعرَف بضاحية ١١ ديسمبر ١٩٦٠ إحياءً لذكرى أولى تظاهرات الاستقلال، سيتمّ بيع جلّ الأراضي للعسكريين وعائلاتهم. خلف كلّ صك للبيع ستتكشف قصة درامية. هناك قصة إيناس البالغة 11 عاماً التي تلعب وتعشق كرة القدم وتعيش في كنف جدتها عديلة، المجاهدة التي قاتلت الفرنسيين بالسلاح الأبيض، وقصة جميل، الطفل الذي فقد أباه في هجوم إرهابي عام ٢٠٠٧، والذي يستفيد جدّه من كل علاقاته لينتزعه من حضن أمّه، وقصص جيل كامل يجد نفسه محسوراً بين أمجاد أجداده في الجبهة الوطنية لتحرير الجزائر وواقع اليوم المحكوم بالاستهلاك ووسائل التواصل الاجتماعي. ذات صباح من عام ٢٠١٦، تقف سيارة سوداء تعود للأمن الجزائري، وتطلب من الأطفال إخلاء الأرض التي سيحوّلها الجنرالان عثمان وسعيد إلى مشروع يُشاد عليه قصر لكلّ منهما. تبدأ المواجهة، لكمات، شتائم وأسلحة توجّه إلى صدور الأطفال.

تقدّم أميلي نوتومب بورتريهاً عميقاً وإنسانياً للمسيح في روايتها الجديدة التي تعود فيها إلى المزاج القاسي لبداياتها

أحد الشبان ينتزع بندقية من يد الجندي بينما تنهال عديلة بالضرب على الموظّفين، لتتالى من بعدها التحقيقات والتوقيفات وتتحرك الصحافة ضد إهانة «رموز الاستقلال». يقرّر الأولاد احتلال الملعب ليكتبوا ملحمة مجنونة ومبدعة وشبه خرافية. كلّ ذاكرة البلد ستنزلق أمامنا، من التضحيات، والفساد، ومصادرة الثورة، واستذكار سنوات الرصاص. في المقابل، ستفرد عديلة ذاكرتها المتخمة بالمقاومة والتعذيب، والمفقودين والنسوية والخيبة، الذاكرة التي سينبثق منها مجتمع يعيش على فوهة بركان. مجتمع فيه أولئك الذين كفّوا عن الأمل والصلاة أثناء حقبات العنف، وأولئك الذين هرّبوا أبناءهم إلى الخارج وأولئك الذين قاتلوا بيأس من أجل جزائر حرّة ومتنوّرة. تعرض لنا كوثر عظيمي في هذه الرواية أحوال الجزائر القلقة، المضطربة حيث تغلي المطالبة بالحق والعدل أمام طغمة تمسك بالبلاد دونما كفاءة وجدارة. بكتابة حادّة ومباشرة، تروي عظيمي الأفق المسدود للشباب الجزائري: مغامرة شيقة وشاقة تُكتب في بلد كما يقول كمال داوود، يعيد اختراع نفسه في ورشة ترميمية للأجساد والعقول، في حضن جيل محتاج لأن يخترع معنى ما لوجوده.
Les petits de Décembre, Kaouther Adimi - éd Seuil, 256 pages-18€.

«زهور زرقاء»
Bleuets


(ماجي نلسون)
أزرق، مثل لون الزهور، مثل الاكتئاب. مثل لازورد مالارميه، أو مثل اللطخة الزرقاء الفاقعة فوق جناح السجين... بين مقاطع من النثر الشعري المرهف سنجد صوت النثر المحكم الذي يباغتنا: «يجب أن أعترف بأني أحببت رجلاً سيئاً. كل هذه القواعد تفرغ الحُب من أزرقه ولا تبقي إلا سمكة قبيحة وشاحبة يتلوىّ ذيلها فوق خشبة التقطيع في المطبخ». رغم التعاسة تتابع الروائية الأميركية البحث عن الجمال، ملتجئة إلى أولئك الكتاب الذين تصفهم بـ«المورّدين»: غوته وكتابه حول الألوان، إلى أفلاطون، الذي يعتبر اللون «مخدّراً مثل الشعر»، مروراً بأعمال وارهول وموسيقى ليونارد كوهين، أو أيضاً مستحضرةً هوراس بينيديكت دو سوسير الذي اخترع عام ١٧٨٩ آلة لقياس زرقة السماء. نتّبع ماغي نيلسون في زرقة روحها، بينما تجمع هي في صندوق كل الأشياء الزرقاء وهي تكتب روايتها، نتابعها في محاولة الانبعاث ثانية في الحياة: «إن قرأت هذا يوماً ما، اِعلَم أنه حان الوقت كي استبدل كل هذه الكلمات بحضورك إلى جانبي، كي أستبدل كل أزرق الكون بحضورك». تأمّل عميق ومحموم حول الحداد والميلانخوليا.
Bleuet, de Maggie Nelson, traduit de l’Anglais (États-Unis) par Céline Leroy, 100 pages, Éditions se sous-sol, 14.5€.