«في ظل عصر ثورة الاتصالات، وتدفق المعلومات الشخصية والعامة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتقديس مفهوم «الشفافية»، يجب إعادة كتابة الأنطولوجيا الوجودية لهايدغر، لأن الإنسان المُعاصر لم يعد موضوعاً يتم التقديم له، بل صار الإنسان موضوعاً يعرض نفسه بنفسه». يمكن أن تُعد الجملة السابقة مُلخصاً لفلسفة الوافد الجديد على لغتنا العربية، المُنظر والفيلسوف الألماني الكوري الجنوبي بيونغ تشول هان (1959). فقد أبصرت الترجمة العربية لكتابه The Transparency Society الصادر عام 2012، النور أخيراً تحت عنوان «مجتمع الشفافية» (مؤمنون بلا حدود ــــ ترجمة بدر الدين مصطفى). لم يُسلط الضوء على أعمال الفيلسوف بيونغ تشول هان إلا في السنوات القليلة الماضية، وقد بزغ نجمه عندما بدأت ترجمة أعماله إلى لغات عدة في عام 2009. وخصوصاً الترجمة الإنكليزية لأعماله التي جعلتها متداولة على نطاق واسع في أوروبا وخارجها.



المميز والمُستفز في أعمال هان هو بساطتها ومباشرتها في معالجة القضايا التي تطرحها. وهذا ما يسبب ارتباكاً كبيراً لدى النقاد والقراء على حد السواء. فالسؤال الدائم حول أعماله هو: كيف يمكن أن نفهم ببساطة شديدة فلسفة الفيلسوف الألماني هايدغر، وعالم الاجتماع فالتر بنيامين وباقي أبناء مدرسة فرانكفورت النقدية، إلى جانب الاجتماعي جورج سيميل، والفيلسوف الراديكالي جورجيو أغامبين، وهذا تحديداً عمل شرح آلية تحول الإنسان في ظل النظام القائم إلى منبوذ، وحالة الاستثناء ونفي القانون التي هي الحالة الأصلية للسلطة وليس العكس. دمج بيونغ تشول هان هذه الفلسفات في حياتنا اليومية، وحلّل أفعالنا وما يُمارس علينا من سلطة نيوليبرالية متغولة في ذهنيتنا.
يمكن أن نتخيل إجابة هان على لسان فيلسوف ألماني آخر هو ڤيلهلم فون همبولت: «قد ينشأ أمر/ ظاهرة لدى الإنسان، لا يمكن لأيّ فهم أن يَكتشف سبباً له وفقاً للظروف الخاصة المحيطة به، لذا وجب علينا، في الواقع، إذا سعينا لاستبعاد هذا الاحتمال عن مثل الأمور/ الظواهر التي لا يمكن تفسيرها، سبر أغوار الحقيقة التاريخية لمعرفة كيفية ظهورها وتغيرها». (ص17)
في كتاب «مجتمع الشفافية»، يحاول هان سبر أغوار «الشفافية». هذا المصطلح، أو الشعار الذي صار مهيمناً على الفضاء العام، وصارت له مؤسسات ومؤشرات لقياسه داخل الدول، بحجة أن الشفافية هي حائط ردع ضد الفساد، تضمن حرية المعلومات، وحرية رؤوس الأموال. في النهاية، هي أحد أسس الديمقراطية. لكن في الحقيقة كما يقدمها هان، فإن الشفافية أو حالة «ما بعد الخصوصية» تُخلّ بحياتنا النفسية ووضعنا الاقتصادي ونظامنا السياسي القائم.
اليوم، يمكن لأي شخص الحصول على معلومات حول أي شيء. فقد أصبح الجميع مكشوفاً أو بمعنى أدق شفافاً. أنا كمستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي مثلاً، أقدم كل معلوماتي الشخصية «طواعيةً»، تاركاً للمؤسسات المهيمنة (غوغل، فايسبوك، تويتر...) على وضعي الاجتماعي الجديد كفرد متبرّع ببياناته ــ أي «فرد شفاف» ـــ تحديد الطريقة المُثلى لاستخدامي إما ببيع بياناتي أو بجذبي لعملية استهلاك واسعة أو إقصائي من فضائها التفاعلي لو خالفت الشروط، أو تسهيل مهمة الأمن لاعتقالي لو شكلت خطراً على مصالح هذه الفئة المسيطرة على عالم ما بعد الرأسمالية. لم يعد سجن البانوبتيكون بدائياً كما تصوره الفيلسوف الإنكليزي جيرمي بنثام (1785) حيث يلعب السجان والمسجون دورهما بشكل منفصل عن الآخر، لكن البانوبتيكون صار رقمياً، حيث التواصل الحيوي والتفاعل المعلوماتي يتعاونان بنشاط داخل نظام المراقبة الرقمي على حدّ تعبير هان.
وكالعادة، يلعب مجتمع الشفافية على تكثيف استخدام كلمة الحرية لكنه يضع لها شرطاً هو تعرية ذاتك طواعية، لتجعلك الشفافية كما الزجاج، وهنا يكمن العنف، حيث التواصل الاجتماعي الشفاف يعمل على التهيئة والتسوية ويؤدي إلى نمطية الفكر. ومع الزمن، يقضي على فكرة «الآخر»، ويحدث مطابقة قهرية بين الذوات البشرية. وبهذه الطريقة، تصنع وتدعم الشفافية أركان النظام السائد.
لهذا تعد الشفافية نظاماً نيوليبرالياً باميتاز، فهي تفرض النظام على كل شيء يدخل في نطاقها سواء كان إنساناً، مشاعر، أفكاراً... ثم تعمل على تحويله إلى بيانات، ومعلومات، وإحصاءات، تدفع بها في فضاء التفاعل والتواصل، والبيع والشراء أيضاً. وهذا يعني زيادة في نمط الاستهلاك وتعزيزاً لنمو ومكاسل الأنظمة النيوليبرالية الحاكمة، وعليه تصير الشفافية هي العدو الأول للخصوصية الفردية والآخر والانعزال.
تعد الشفافية نظاماً نيوليبرالياً، فهي تفرض النظام على كل شيء يدخل في نطاقها


من خلال هذه المنهجية الشفافة، يتحول المجتمع من فكرة أنه يريد الديمقراطية ويرسّخ مفهوم الثقة المتبادلة بين البشر إلى مجتمع ينحى للسيطرة. يغدو كل شيء شائعاً، ومشوشاً، ما يؤدي إلى فكر عاجز قصير الأمد، وغير واقعي، وتغدو المشاعر كالحب فعلاً للراحة والاستهلاك، فلو صار الحبيب والمحبوب مكشوفين أمام بعضيهما، لن يجنيا أي متاعب لأن الحياة الحديثة تخشى السقوط في الألم والمعاناة من أجل التعلم. وبهذا يفقد الإنسان قدرته على بناء سبل جديدة للتعايش، بل يعتمد على سهولة الهروب من المشكلات ومراكمتها بدلاً من حلها.
ولا تسلم السياسة من الشفافية. فبدون أسرار، ستغدو فعل ثرثرة لا طائل منه ولا جديد فيه. تخيّل حزباً معارضاً يكشف كل خطته للنظام الحاكم! وشفافية معلومات جمهور الناخبين تسهّل عملية أن يكونوا عرضة لعملية استقطاب قد تجعل خياراتهم ضد مصالحهم الشخصية والمجتمعية، وبهذا تكون الشفافية طريقاً يحمل في نهايته إجهاض التخطيط على المدى الطويل، ما يخنق المستقبل ويعمل على تأطير الحاضر، ويمحو الماضي.
تحت وطأة الخوف البشري من الطرد من مجتمع السيطرة، سالف الذكر، يضطر الإنسان للتخلي عن خصوصيته، وفقدان المجال الخاص والحميم، ويبدأ في عرض نفسه بنفسه، مغيّراً من حالة وجوده كذات نحاول سبر أغوارها، إلى سلعة معلوماتية نبيعها ونشتريها. وهكذا تعمل الشفافية كأيديولوجيا سامة ترتدي قناعاً مخادعاً، وتشكل خطورة على النفس البشرية، وتفضي إلى شلّ تطور المجتمع.