مؤلّفات عدّة عن سيرتها، واحدة منها كتبتها الروائية الأميركية سيغريد نونييز، وفيلم عنها بعنوان «حول سوزان سونتاغ» لنانسي كيتس يقتبس عنوان مؤلّفها الأشهر «حول الفوتوغرافيا» (1977). كان يمكن ليوميّاتها التي صدرت تباعاً بدءاً من عام 2008، أن تقفل هذه السيرة. مذكّرات بدأت تكتبها منذ كانت في الرابعة عشر من عمرها، مقلّدة أندريه جيد وكافكا، لنقل تفاصيل حياتها وهواجسها والمسارات غير الآمنة التي مرّت بها قبل أن تنال لقب «السيدة السوداء» للحياة الفكرية والثقافية الأميركية، وقلقها قبيل التحاقها بجامعة بيركلي وهي في السادسة عشر من عمرها. ملاحظاتها حول الكتب منها رواية «الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي التي بعثت فيها شعوراً بالنجاسة، وفق تعبيرها. زواجها وإنجابها وحياتاها بين أميركا وباريس. رحلاتها إلى فييتنام وساراييفو وكوبا الثورة، وإلى برلين لدى سقوط جدارها وإلى بقع أخرى مشتعلة في العالم.



يبدو أن تلك السيرة لم تنضب بعد، ربّما بفضل تلك الشخصية المعقّدة التي جعلتها نجمة في نيويورك الستينيات. أسئلة كثيرة دارت حول ما قد يمنح تلك الشهرة إلى ناقدة. شهرة تلقّفها آندي وارهول عبر تصويرها ضمن سلسلته «اختبارات الشاشة» (1964 ــ 1966) مع نجوم المشهد الثقافي النيويوركي الآخرين. والآن تعود حياة الكاتبة والناقدة والناشطة والمنظرة والروائية والأكاديمية (1933 ــ 2004) مجدداً إلى الواجهة مع كتاب «سونتاغ: حياتها وأعمالها» (Sontag: Her Life and work) الذي يصدر منتصف الشهر الحالي عن «دار إيكو» (نيويورك). يعدّ توالد سونتاغ الدائم والمستمر أحد الأفكار الجوهرية التي ينطلق منها الكاتب والصحافي الأميركي بنجامين موزر، في رصده لحياة المرأة التي وُصفت بأنها الأذكى على الإطلاق في أميركا. لكن بعيداً عن هذا الوصف الرنّان، يتوقّف موزر ضمن ما يزيد عن 700 صفحة على تحوّلاتها الشخصية والفكرية، التي كانت مشروعاً بحدّ ذاته بالنسبة إليها. بدا التحوّل فكرة مؤرقة لسونتاغ، وقد ارتبط بالجسد بطريقة ما. بجسدها وبجسد المحبوب الذي كان بابها إلى الحريّة. مع ذلك، تزوّجت سونتاغ من فيليب ريف، عالم الاجتماع الأميركي بعد أيام فقط من ارتيادها لإحدى محاضراته. كانت في السابعة عشر من عمرها، أنجبت منه طفلاً واحداً، وحفاظاً على حضانته، تنازلت عن حقوقها في كتاب «فرويد: عقل الأخلاقي» (1959). نسب الكتاب إلى ريف وحده، ولم يدرج اسم سونتاغ سوى أنها الكاتبة المشاركة في العمل، ليعود ويختفي اسمها تماماً بعد طلاقهما. لم يكن هذا الغياب التام، إلا حلقة أخرى من حلقات كثيرة بين علاقة الزوجين واستغلاله المتواصل لها حين كان يطلب منها كتابة مقالات ومراجعات كتب لينشرها باسمه. يركّز الكتاب على هذه الفترة، التي تخلّصت منها سونتاغ بعلاقة عاطفية مع كاتبة المسرح الكوبية ماريا آيرين فورنيس. اكتشافها للمتعة واللذة الجنسية للمرّة الأولى مع فورنيس، رغم علاقاتها السابقة، كانت بمثابة ولادة كتابية أخرى لسونتاغ التي نشرت عام 1966 مجموعة مقالات بعنوان «ضد التأويل». كانت تعرف أنها تنازلت عن سعادتها مقابل الحرية... لتعترف لاحقاً «لقد بذلت جهداً مضنياً للوصول إلى مرحلة أجلس فيها مع الرجال المثقفين على الطاولة نفسها». هكذا يبدو الكتاب أكثر من سيرة لامرأة واحدة، إذ يتوقّف عند مسارات حياتها بين «ذاتها المخبّأة»، و«سطوة الماضي»، وعند أفكارها حول التأويل من خلال مقابلات مع أصدقائها وصديقاتها ومراجع أدبية وفكرية كثيرة تأثّرت بها سونتاغ، أبرزها الروائي الألماني توماس مان.