عائلة السيارة

في طريق العودة إلى المنزل، هرباً من نصف محاضرة، سحبت نفسي خارجاً منها كالهارب من ساحة قتل، كانت بانتظاري سيارة أجرة، فوتُّ عدة سيارات قبل أن أركبها، لا أعلم لماذا، استقلّيتها، وكان في المقعد الأمامي بجانب السائق رجل خمسيني، يبدو أباً مثالياً بحلة وشعر أشهب يساعدانه على لعب ذلك الدور بحرفيّة. تقدمت السيارة عدة أمتار، لتركب إلى جانبي سيدة أربعينية، ولا أعلم لماذا اعتقدت أنها زوجة ذلك الرجل، لكن حباً لكل النساء بأن يَكنّ أمهاتي جعلني أعتقد أنها إحدى أُمهاتي. وبعد مسافة قصيرة، ركبت إلى جانبها طالبة جامعية، لم يكن أحد من أصدقائي السيئين معي لنعلّق عليها، لذلك وجدتها أقرب ما تكون كأخت لي، ربما من زوجة سريّة لأبي. استأذن السائق منّا لمشوار قصير، ليُقِل أحد الأطفال من الروضة في الطريق. أطفأ محرك سيارته أمام روضة الأطفال، لكن صوت الراديو ما زال موجوداً، نقّلت نظري إلى جانبي، كان الصمت سائداً، كذلك الصمت الذي يخيّم حول مائدة غداء عائلية مملة. جاء يتقافز لاهثاً، ربما في الخامسة من عمره، أجلسته الفتاة العشرينية في حضنها، فَرِحةً به، كأنما ترى طفلاً لأول مرة، كنت أنظر لهما وهما يضحكان لبعضهما البعض، فلمحتني لكنها لم تتوقف عن الابتسام.
أنا ممتن جداً لكوني أحد أفراد هذه العائلة المؤقتة. كان الركاب ينزلون في محطات مختلفة تباعاً، وشيئاً فشيئاً كانت عائلتي الجديدة تتفكك وتتلاشى، لم أعلم في أيّ محطة أنزل، كنتُ الراكب الأخير، وعندما نزلت، أدركت أنني بلا بيت.

شَاردان، «مُتَعَلِّقَاتٌ بِالْمُوسِيقَى» (زيت على قماش ــــ 1765)


السرطان
كنت أعرف امرأة استوطن السرطان رحمها. وهناك في رحمها، يختبئ كل الأطفال الذين لم تلدهم أمهاتهم، روضة أطفال رحمها، تُلصقهم صدرها، تلقُمهم ثديها، وتمد لهم ذراعيها بين الحبو والعَدْوِ، تدسُّ لهم شطائر الزعتر بحقائبهم عنوةً، تمشّط شعرهم، وتجدّل شعرهنّ في حضنها، تراقبهم من وراء الشباك يركبون الباص، بكل صخبهم الطفولي وشقاوتهم، يختبئون هناك، لا يلمسهم أحدٌ سواها، تبتسم لهم ماسحةً دمعها غير المفهوم، يقذفون بعضهم البعض بالحصى، ويتلكؤون في شرب كأس الحليب الصباحية، يقسّمون بعضهم فرقتين لكرة قدم، ويبتسمون إذ تطل عليهم من نافذتها السريّة، تبكي عندما يدقّ مسمارٌ قدم أحدهم، يركلون الأرض رافضين الذهاب للدوام المدرسي، يستلقون على بطونهم أرضاً لحل واجباتهم المدرسية وأقدامهم تلاعب الفراغ، يشد الأولاد منهم شعر أخواتهم الفتيات، يقرصون بعضهم، يختبئون منها، في براءة، خلف ستارة الشباك القصيرة، يرتكبون سيئات ملائكية، وكذبات بيضاء، يتقافزون فوق أسرّتهم لملامسة السقف، يصعدون على السلم المدرسي، يكبرون هناك ببطء الحياة الطبيعية وتسارعها، يتخرجون من المدرسة، يعودون بلهفةٍ ساعة الغداء، يتسع حضنها الرحب مهما كبروا، تخطّ شواربهم، وتغلظُ أصواتهم، تمسكهم متلبسين بالسيجارة الأولى، وبالحب الأول، تحنث بقسمها ولا تقول للأب شيئاً عن مصائب النهار ليلاً، يعرفون سر تلك الدمعة القديمة، تمسّد شعرهم نائمين، وترقي خطواتهم بالمعوذات، تقلّب في ألبوم صورهم القديمة، تشعر بتجاعيد وجهها في المرآة إذ يكبرون معها، وتمرر يدها على بطنها ثم تغلق الباب بهدوء، ليناموا هانئين، هناك، فيما تُكمل حياكة جوربين صغيرين.

الحلم
في بلدة الحوادث يسكن الشاب العنيد، هذه صفته واسمه أيضاً، وهذه صفة البلدة واسمها أيضاً. من الطبيعي جداً أن تتصادم السيارات ببعضها البعض، يمر الناس دون اكتراث من فرط تكرار مثل هذه الأحداث، بل إن على مدخل البلدة ينتصب بشكل ملفت للزائرين الجدد، هيكل متبعج لسيارة قديمة يقال إنها أول سيارة تعرضت لحادث سير منذ تأسيس البلدة. يقول رئيس البلدية للزوار بكل فخر أن لا خوف، فكل الموتى هنا ينامون، وينتقلون إلى عالم الأحلام، إلى عالم لا حوادث فيه، فأولئك إن هم إلا المصطفون منا. لعشرين عاماً قضاها الشاب العنيد في هذه البلدة منذ ولادته، كان مثار قلق لعائلته وللبلدة، في طفولته لم يكن ليشارك في رحلات المدرسة إلى أشهر الحوادث، كان يتقزز من الطريقة التي يتحدث بها المعلم حول الأمر.
كانت لديه فكرته الخاصة حول الحوادث، في إحدى المرات وهو طفل يتذكر عندما شهد أول لقاء به مع الحوادث، كان الرجل ينزف وقد تدلى رأسه على مقود السيارة، والناس قد تجمعوا فرحين حوله، صرخ بهم: — لم لا تساعدونه، إنه يموت!
لكنهم زجروه، وجذبوه من ذراعه الصغيرة مانعينه من الاقتراب من السيارة التي تصاعد منها. لم ينس تلك الحادثة أبداً على الرغم مما تلاها من حوادث جمة، لكن العيون المرسلة للأعلى كانت تظلّ عالقة في وعيه دائماً، تهاجمه دائماً بلا استئذان، تحدق فيه، ويسأل نفسه: — أترى بماذا تحلم تلك العيون؟
قرر مغادرة المدينة التي نشأ فيها والتي لم يعرف طوال حياته غيرها، لا يعرف لماذا الآن بالتحديد، لكنه غادر، شق طريقه خارجاً منها حتى صادفته أول بلدة، كانت تلك بلدة النيام، سمع الناس يقولون عنها إنك ما إن تدلف منها حتى تقع في شِباك النعاس، فتنام فور وصولك بوابتها، وستحلم بأن موظف الجوازات يدق لك جواز سفرك بختم الوصول، وتحلم بأنك تركب سيارة تقلك من المعبر وتتجول فيك حتى تصل وجهتك التي تريد. ومن المعروف بأن أي شخص مستيقظ في بلدة النيام يعتبر تهديداً للأمن القومي للبلدة. بعد مسير عدة ساعات وصل الشاب بلدة النيام، وشعر فعلاً بالنعاس يسطو عليه، ورأى في حلمه أنه استقل باصاً، ولكنه لم يفتأ يتمتع بالمناظر الجميلة للبلدة حتى انقلب الباص، وكان الكل نائماً. وحلم سائق الباص بأنه يفقد السيطرة على المقود، والركاب حلموا بأن الزجاج يتشظى من حولهم وأجسادهم تتهاوى رأساً على عقب مع الجاذبية التي تسحب الباص إلى أسفل الجرف، وحلم مواطن مارٌّ بسيارته على الطريق بأنه يتوقف ويترجل من سيارته ليتفقد الحدث المهول هذا، وحلم سائق إسعاف بأنه يهرع بسيارته إلى المكان، أما الشاب العنيد فقد كان الوحيد الذي استيقظ بفزع، فيما كان الجميع من حوله غاطّين في سبات عميق، ورؤوسهم مرسلة للخلف في سبات وسلام عميقين.

غرامافون للسيد سين
كان السيد سين مهووساً بجمع الاسطوانات الموسيقية، لقد كان يمتلك حساً موسيقياً مرهفاً، ورغم ذلك فلم يتعلم الموسيقى أبداً. كل حبه للموسيقى تمثّل في الاستماع لها. كان يستمع كأنه يصلّي، الموسيقى الكلاسيكية بالذات. في منزله الصغير جداً، دائماً ما كان يُسمع من داخله صوت الإذاعة الكلاسيكية ليل نهار. يستيقظ ليسمعها، ويسمعها لينام. كان يكره عندما يصرخ الأطفال في الشارع عندما يسمع لحناً موسيقياً مفضلاً، يخرج لهم ويلعن أباءهم، داباً الذعر في قلوبهم، ثم يصفق الباب. كان أيضاً مهووساً بتسجيل أسماء القطع الموسيقية التي تعجبه، لديه أطنان من المذكرات التي دوّن فيها عناوين القطع، ومؤلفيها، وأفضل أداءاتها المسجلة. مثلاً لم يكن يطيق سماع المون لايت سوناتا سوى بأداء فلهلم كلمف. وكلما سنحت الفرصة، كان يصرف كل ما يملكه على شراء الاسطوانات، رغم أنه لم يكن يملك غرامافوناً، لكن كان يجمع الاسطوانات، يصفّها، ويمسح عنها الغبار كل يوم، وإذا ما سمع صوت إحدى المقطوعات عبر الراديو، يهرع للبحث عن اسطوانتها لديه، لو كانت موجودة، يخرجها من غلافها ويمسكها بين يديه، ويمرر أصابعه على حدودها السوداء الناعمة الحادة. أما إن لم تكن موجودة، فإنه يسجل اسمها في المذكرة. لم يكن أي من جيرانه يعرف عنه شيئاً، ولا أين يعمل، بل لم يره أحد يتعدى عتبة بيته بضع خطوات. حاك الناس قصصاً أسطورية حوله، أشهرها أن هناك نفقاً تحت بيته، منذ سنين الحرب، يتسلل منه إلى خارج المدينة. ويقول البعض إنّه أحب فتاة في شبابه كانت تحب الموسيقى، سافرت وودعته، ولم يرها منذ تلك اللحظة. هذا ما يقوله الناس، والناس بطبيعتهم لا يحتملون العيش مع مجاهيل دون نسج القصص عنها. في إحدى المرات، كان يلعب الأطفال بالقرب من باب منزله، حذروا بعضهم من الاقتراب، لكن الصخب زاد، ولم يخرج لهم العجوز المخيف. نعم، لقد مات في النهاية، كما يموت الجميع، لم يعرف أحد أي مقطوعة كان يسمع في لحظاته الأخيرة وكيف مات. على مكتبه وجدوا ورقة متهالكة القِدَم، فيها رسمٌ لغرامافون، وتحته توقيع: مع حبي.

* قصاص فلسطيني من غزة، انتحر في 2017 ــــ قصصه الكاملة في طور التجميع، صدر منها جزء يسير فقط تحت عنوان: الآثار ترسم خلفها أقداماً.