حين كان ماء البداة المسافرين في الصحراء ينفد، كانوا يلجأون إلى وسائل لا تصدق لحفظ حياتهم. مثلاً كانوا يعمدون إلى طعن بعير في لبّته، ويجمعون دمه في إناء تحتها. ثم يجدحون هذا الدم، أي يحركونه بالعصا بقوة كي يفصلوا الماء عن الدم الثقيل ويشربونه. ويسمون هذا الشراب الدموي باسم «المجدوح». ثم هناك أيضاً شيء يدعى «الفظ»، وهو الفرث. وهو ماء الكرش: «الفَظّ أيضاً: ماء الكَرِش» (الجوهري، الصحاح في اللغة). إذ يذبحون البعير، ويجمعون ما كرشه ويستخلصون ماءه ويشربونه. إنه عصير الكرش.

لكن حين يشح الماء في قربهم ولا ينفد تماماً، ويحلق الخوف من العطش فوق الرؤوس مثل كاسر من الكواسر، فقد كانوا يقتسمون هذا الماء بينهم بالقطرة في عملية تدعى بالمصافنة. والمصافنة تجري عبر وضع حصاة، تدعى المقلة، في إناء ويصبون مما تبقى من مائهم بحيث يغطي الحصاة، ويشرب كل واحد منهم بمقدار غمر هذه الحصاة: «تصافنوا الماء: تقاسموه على المقلة، وهو من الصفن والصفنة، وهي شيء كالركوة يتوضأ فيه. قال الفرزدق: فلـمـا تـصـافـنّـا الإداوة أجـهـشـت/ إليّ غضون العنبريّ الجراضم. وصافن الماء بين القوم فأعطاني صفنة ومقلة» (الزمخشري، أساس البلاغة).
وهكذا فهناك حصاة تدعى «المَقْلة»، وهناك إناء يقتسمون فيه الماء يسمى الصفن أو الصفنة، وهو ما يشير إليه بيت الفرزدق على أنه «الإداوة». ومن الصفن هذا أخذ الاسم «المصافنة».
أما المقلة، أي الحصاة التي يقتسم بها الماء، فتسمى أيضاً: حصاة القَسْم، أي حصاة الاقتسام: «المَقْلة، بالفتح: حَصاة القَسْم؛ توضع في الإِناء ليُعْرَف قدرُ ما يُسْقَى كلُّ واحد منهم، وذلك عند قلَّة الماء في المَفاوِزِ. وفي المحكم: تُوضَع في الإِناء إِذا عَدِموا الماء في السفر ثم يُصَبُّ فيه من الماء قَدْرُ ما يَغْمُرُ الحَصاة فيُعطاها كل رجل منهم» (لسان العرب).
لكن الغريب أن الغالبية تخبرنا أن الصفنة والمقلة تعنيان «الشربة»، كما في مقتبس الزمخشري: «فأعطاني صفنة ومقلة»، أي: شربة. ومن المفهوم أن تسمى المقلة، التي هي حصاة القسمة، شربة. إذ هو من باب تسمية الحال بالمحل. لكن ما هو غير مفهوم بالنسبة لي أن تسمى الصفنة، التي هي الإناء، شربة. فهذه التسمية تجعل الصفنة مثل المقلة. وهو ما يوحي بأن الصفنة اسم آخر للمقلة، أي اسم للحصاة التي تغمر بالماء لقياس مقدار الشرب، وليست اسماً لوعاء الماء. مع أنه لا أحد يقول لنا أن الصفنة حصاة مثل المقلة. يؤيد هذا أن الصفن: «خريطة يكون للراعي فيها طعامه وزِنادُه وما يحتاج إليه» (لسان العرب). أي أنه ليس وعاء للماء أصلاً، مع أنه قد يستخدم للماء أحياناً: «الصُّفْنُ كالسُّفْرة بين العَيْبةِ والقِرْبة يكون فيها المتاع، وقيل: الصُّفْنُ من أَدَم كالسُّفْرة لأَهل البادية يجعلون فيها زادهم، وربما اسْتَقَوْا به الماءَ كالدَّلْوِ» (لسان العرب). طبعاً هناك من يقول إن الصفن دلو: «الصَّفْنَةُ دلو صغيرة لها حَلقة واحدة، فإِذا عظمت فاسمها الصُّفْنُ» (لسان العرب). لكننا نتحدث هنا عن ماء شحيح في قربة لا عن دلاء في الحقيقة.
وإذا صح حدسي بأن الصفنة مثل المقلة، فستكون لدينا ثلاثة أسماء لأداة قياس الشربة: حصاة القسم، المقلة، والصفنة. وقبل أن أذهب للصفنة- الحصاة، ربما كان عليّ أن أشير إلى أن حصاة التصافن سميت بالمقلة لأنها تغرق بالماء. فالمَقْل هو الغمس والإغراق: «المَقْل الغَمْس. ويقال للرَّجُلَين إِذا تَغاطَّا في الماء: هما يَتَماقَلان، والمَقْل في غير هذا النظرُ. وتَماقَلوا في الماء: تَغاطُّوا... ومَقَل في الماء يَمْقُل مَقْلاً: غاص» (لسان العرب). بذا فالمقلة هي الحصاة التي كانت تغرق في الماء ويجري تصافن الماء على أساسها.
ولنعد إلى الصفنة التي حدست بأنها ربما كانت اسماً آخر لحصاة القسم مثلها مثل المقلة. فهناك في ما يبدو أثر أركيولوجي من فلسطين يؤيد هذا الحدس. فقد عثر على حصاة صغيرة منقوشة على الوجهين من وادي المناعية (تمنا بحسب التحريف الإسرائيلي للاسم) الذي يقع في جنوب النقب في فلسطين (30 كيلومتراً شمالي خليج العقبة). ويبدو أن هذه الحصاة كانت لاقتسام الماء في وقت الشدة.

حصاة وادي المناعية

نشر صورة الحصاة بينو روثنبرغ (1). لكنني أخذت الصورة من موقع بريان كوليز (2) الذي أخذها عن روزثبرغ، وكان الوحيد الذي حاول معالجة نقشها لكن من دون أن يقدم سوى قراءة لبعض حروفها. ولسنا نعرف أين عثر فيه على الحصاة في الوادي بالضبط. كما أننا لا ندري إن كان من عثر عليها وجدها على السطح أو بالحفر غير الشرعي في باطن الأرض. لذا فلا يمكن توقيتها للأسف. لكن يمكن لي أن أفترض أنها كتبت في فترة ما بين القرن الثاني عشر قبل الميلاد والخامس قبل الميلاد. الحصاة مسطحة وشبه دائرية، وقطرها: 6.5× 7.5.
على الوجه الأمامي للحصاة، هناك أربعة أحرف واحد منها طمس جزؤه السفلي في ما يبدو. أما الوجه الخلفي، فعليه عدد أكبر من الحروف. ويمكن القول بأن الحروف تمتد على ثلاثة أسطر غير منتظمة بالمرة. وأدناه تتبعي لحروف النقش على الوجهين بالأحمر على صورة النقش.

ولأسباب عملية تتعلق بمساحة هذا الصفحة، سوف أكتفي بالحديث عن النقش على الوجه الأمامي فقط. ومن النظرة الأولى، يستطيع المرء تقدير أن النقش ينتمي إلى الأبجديات القديمة لشمال الجزيرة العربية. وإذا كان رسمي للحروف سليماً، فإن الكلمة على هذا الوجه تقرأ هكذا: «صفنه». وهو الاسم الذي نتحدث عنه كما نرى.
الحرف الأول في الكتابة التي تقرأ من اليمين هو حرف الصاد. وهو شبيه جداً بحروف الأبجدية الصفائية والحسمائية والثمودية ب. أما الصفائية فهناك الآن شبه إجماع على أنها عربية قديمة. وهناك من يرى أن الحسمائية لهجة عربية أخرى.

إلى اليمين رسمي للحرف، وإلى اليسار الحرف في الأبجديات الحسمائية، والثمودية ب، والصفائية من ماكدونالد 2000

أما الحرف الثاني فيشبه بعض أشكال حرف الفاء في بعض أبجديات شمال الجزيرة العربية بعد أن نقلبها 180 درجة.


أما الحرف الثالث فحرف النون، لكن قسمه السفلي مطموس. وهذا الحرف موجود أيضاً في نقش الوجه الخلفي، لكنه دوّر بدرجة ما.

حرف النون على الوجه الثاني


حرف النون على الوجه الأول ثم على الوجه الثاني مع تدوير 45 درجة. قارن بجدول ماكدونالد لأبجديات الواحات العربية


قارن الحرف الأحمر لليمين بجدول ماكدونالد لليسار



أما الحرف الرابع فهو حرف الهاء بوضوح.
بذا فلدينا الكلمة التالية (صفنه). وكما نرى، فإن الأبجدية التي كتب بها النقش تأخذ من أكثر من أبجدية عربية شمالية. وهو ما يوحي بأن هذا النقش كتب قبل انقسام هذه الأبجديات إلى أبجديات مختلفة. وهو ما يشير إلى قدم النقش. ولعله كتب في فترة ما بين القرنين 12-10 قبل الميلاد. هذا ما كتب على الوجه الأول. أما على الوجه الخلفي، فكتب اسم مالك الحصاة- الصفنة: (لـ قصين شسيب).
عليه، فقد وضع نقش من فلسطين بين أيدينا، ولأول مرة، نموذجاً من نماذج حصى المصافنة في الصحارى العربية.
وهذا النموذج يرغمنا على تعديل ما جاء في القواميس حول الصفنة. فالصفنة هي حجر القسمة مثلها مثل المقلة. ومن هذا الحجر أخذ الاسم (المصافنة). ولو أنه أخذ من «المقلة»، لكنا حصلنا على اسم «المماقلة».
لكن إذا كانت الصفنة نوعاً من المقلة وليست على علاقة بالصفن- الخريطة- الدلو فمن أين جاءت تسميتها هذه؟ لست أدري في الحقيقة. لكن غطاء الخصة يسمى الصفن والصفنة: «الصَّفْنُ والصَّفَنُ والصَّفْنَة والصَّفَنَةُ: وِعاء الخُصْية» (لسان العرب). فهل كانت الخصية في الأصل هي التي تسمى الصفن لا غطاؤها؟ إذا صح هذا، فربما كانت حصاة القسم قد سميت بالصفن لأنها تشبه الخصية شكلاً، ربما...
* شاعر فلسطيني
1- Beno Rothenberg, The Egyptian Mining Temple at Timna, London 1988, plate 116, p.268.
2- https://cryptcracker.blogspot.com