ما تعيشه الجزائر هذه الأيام، صفحة يكتبها الشعب. مُشاهدٌ يتأمل فصولاً من رواية «خريف البطريرك» (1975) لغابرييل غارسيا ماركيز. لقد دقت «ساعة الحرية» في يوم 22 فيفري 2019، لترسم ملامح مسيرات سلمية عفوية، حيّرت رموز نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي تربّع على عرش الحكم لعشرين عاماً، وهو اليوم يعيش آخر أيامه، كأوراق الأشجار في فصل الخريف.

وسط دهشة العالم، دخل النظام الجزائري العنيد في دوامة يتخبط كمن أصابه مسٌّ من الجِن في غفلة، تزداد عزلة بوتفليقة يوماً تلو آخر. تتسع دائرة الظلام ولا أحد يعلم حتى الساعة الشكل الحقيقي للحالة النفسية والجسدية التي أصبح عليها بوتفليقة، رغم تسريب بعض الصور عقب إعلان خبر عودته إلى الجزائر من مستشفى جنيف، ونشر العديد من الرسائل باسمه، منها قراراتٌ متضاربة. بعد أسبوع على إعلان عزمه على الترشح لعهدة خامسة في رسالة أثارت غضب الشارع، عاد للقول في رسالة جديدة (11 مارس 2019): «لم أكن أنوي أصلاً الترشح لها، لأن صحتي لا تسمح لي بذلك، سأغير تشكيلة الحكومة كلية وسأسلم المهمات لرئيس جديد إن أمدني الله بعمر طويل». ترسم الرسالة مشهداً عربياً جديداً من حكاية قديمة يحفظها الشعب المصري، عندما قال الرئيس السابق حسني مبارك في خطاب التنحي عام 2011: «لم أكن أنوي الترشح لفترة رئاسية جديدة، فقد قضيت ما يكفي من العمر في خدمة مصر وشعبها، لكنني الآن حريص كل الحرص على أن أختتم عملي من أجل الوطن بما يضمن تسليم أمانته ورايته». هكذا يكتب التاريخ كيف أنّ منطقاً واحداً يجمع العديد من الحكام العرب بعد عمر طويل من الجلوس على كرس الحكم. منذ البداية، كان يمكن ملاحظة تخوّف النظام من سيناريو «العهدة الخامسة». لقد أدركت جماعة بوتفليقة أنّ الطريق سيكون محاطاً بالأشواك، ولن يكون أبداً معبّداً بالورود. لهذا، اقترح البعض من دائرة النظام في البداية فكرة تمديد العهدة الرابعة لعام أو عامين من أجل إعادة ترتيب البيت والخروج بمرشحٍ جديد للنظام. هذه الخطوة اصطدمت بالجانب القانوني: كيف التأجيل؟ فالدستور لا يوجد فيه ما يسمح بذلك إلا من خلال تطبيق المادة 102، ما يعني «إعلان شغور منصب الرئيس لأسباب صحية»، وهذه الخطوة كانت بالنسبة إليهم أمراً «شبه مستحيل». من يجرؤ على إقناع رجل كبوتفليقة يعرف عنه الكبرياء وجنون العظمة بتطبيق المادة 102؟ بوتفليقة شغل العديد المناصب منذ أن كان شاباً. هو أصغر وزير للشباب وأصغر وزير خارجية في العالم العربي، واليوم يجد نفسه مقعداً على كرسي متحرك بعدما تعرّض لجلطة دماغية جعلته عاجزاً عن التواصل والحديث إلى شعبه منذ عام 2012، بعدما بثّ روح الأمل في الشعب في خطابه الشهير بجملة «طاب جناني». كلمة فُسِّرَت حينها بأن الرجل قرر ترك الحكم ولن يترشح لعهدة رابعة. لكن من قال إن «جناني طاب»؟ منذ تسع سنوات حَكَم الجزائر على تلك الحالة لخمس سنوات أخرى، واليوم لا يزال طامعاً في التمديد ربما لعام أو عامين. لا أحد يعلم العدد بالضبط، فمن الواضح أنّ الرجل لم يشبع من السلطة، رغم «آهات» الملايين في شوارع الجزائر الرافضة لكل أشكال الاستمرار. بات حكم بوتفليقة مصنفاً في خانة «العار و العيب»، بعدما قرّر ملايين الجزائريين قطع الطريق أمام أحلام مَن حَكم الجزائر لأطول فترة منذ الاستقلال. ويقال إنّه يحلم بأن توافيه المنية وهو رئيس للبلاد، ليضمن لنفسه جنازة عظيمة كتلك التي عرفتها شوارع الجزائر عام 1978 في تشييع جثمان صديقه ورفيق دربه الرئيس الأسبق هواري بومدين، ويتجه قبل ذلك لتدشين «المسجد الأعظم» الذي يريد من خلاله تخليد ذكراه إلى الأبد.

الشباب بالنسبة إلى الوزير الأول السابق أحمد أويحيى «كسول لا يفكر إلا في الهجرة»


على مدار عقدين، لا شيء حرّك الشعب الجزائري بذلك الحجم والعفوية والسلمية. لا لقمة العيش ولا مشاكل السكن ولا البطالة، ولا حتى أمواج «الربيع العربي». شيء واحد جعل أحفاد المليون ونصف مليون يتحركون بهذا الشكل: إنه «الإحساس بالذلّ والغيرة على صورة الوطن». لقد شوّهت فترة حكم الرئيس بوتفليقة كرامة الجزائريين على جميع الأصعدة، وعمّت «الحقرة» وانتشرت في كل المنابر تصريحات الاستخفاف بشباب الجزائر وأحلامهم على لسان كبار المسؤولين في الدولة. هم بالنسبة إلى الوزير الأول السابق أحمد أويحيى «شباب كسول لا يفكر إلا في الهجرة»، وهم بالنسبة إلى أعضاء حكومته شباب «عريان» ــ كما تقول الكلمة العامية الجزائرية ــ لم يعد يعير اهتماماً للوطنية ولا يعرف تاريخ الجزائر، وقد ساهمت العديد من القنوات الخاصة في التسويق لتلك الصورة النمطية حول الشباب الجزائري. وجرى التعتيم على الصوت الحقيقي للشباب الذي انفجر مرة واحدة ليفاجئ العالم بمسيرات سلمية وحضارية جداً، ويعلن رفضه أن تتسيّد المشهد صورة رئيسٍ عاجزٍ عن الحركة والكلام. هكذا أمضى بوتفليقة عيد ميلاده الثاني والثمانين في «غربته» عن الوطن، وتحول شهر مارس إلى كابوس في مساره، بعدما كان بالأمس موعداً للاحتفال (ولد بوتفليقة في 3 آذار/ مارس 1937 في مدينة وجدة في المغرب)، وفتح شهر مارس الأبواب لحراكٍ شعبي كبير يتجدّد كل أسبوع في الجزائر ضد بوتفليقة وضد نظامه الحاكم الذي يسعى لتجديد جلده في أثواب مختلفة. هكذا ظل بوتفليقة متشبثاً بالحكم حتى آخر رمق، ونظامه يحاول اليوم تجديد جلده عبر شخصيات اعتماداً على رجال الأعمال والمال الفاسد، بينما بات من الأكيد أنّ عدداً كبيراً من رموزه انتهوا سياسياً إلى الأبد، على رأسهم الوزير الأول أحمد أويحيى الذي جرت تنحيته وتعيين وزير الداخلية نور الدين بدوي خلفاً له، وسحب البساط من الأمين العام لـ«الأفلان» معاذ بوشارب. وفي الصورة بات من السهل ملاحظة كيف أنّ الشعب سيشتاق إلى الأبد إلى «كوميديا» الرئيس السابق لـ «حزب جبهة التحرير الوطني/ الأفلان» جمال ولد عباس والوزير الأول الأسبق ومدير حملة بوتفليقة سابقاً عبد المالك سلال، والأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين سيدي سعيد. لا أحد يتصور الآن مكاناً لأفراد عائلة بوتفليقة، وخاصة الرجل الغامض سعيد بوتفليقة، في المرحلة المقبلة. في المقابل، الشعب الجزائري لا يزال في دوامة البحث عن البديل، فالثورة لم تحمل إجابات لسؤال مهم جداً: «وماذا بعد؟»، لكنها تركز على ذلك الجرح العميق والمعركة التي تبدو أنها لا تزال طويلة لاستئصال الوباء الذي سكن جسد الجزائر لعقود من الزمن.

* ناقد وصحافي جزائري