كنّا خائفين، لم نثق في شعبنا، هواجس العشرية السوداء كانت تسيطر على أفكارنا وكوابيسنا، جلسنا على شاطئ هذه البقعة البائسة من العالم حيث قرّر القدر زرعنا، ورحنا نراقب ثورات الشعوب بقربنا، نلاحظ شجاعتهم أحياناً، طيشهم أحياناً أخرى، نراقب هذا الربيع العربي الذي لم يكن يوماً ربيعاً، ثمّ هل كان عربياً؟ ومن خلف السياج كنّا ندرس إيجابياته وسلبياته، نقاط قوّته وضعفه، بثوراته وثوراته المضادة، وبتلك التدخّلات الأجنبية التي رافقته وشيّدت له سكّة حديدية إلى الجحيم، كنّا نتساءل في ما بيننا هل سندخل بحافلتنا هذه في الحائط كما يحدث هناك خلف غروب الشمس ذاك؟ أم عندما تشرق الشمس علينا ستسطع إلى الأبد، بحثنا عن شمسنا في كل مكان، وانتظرنا من النظام في الجزائر أن يتوب ويستغفر لشعبه عن ذنبه وأن يبادر بنفسه بإصلاحات حقيقية حتى نجنّب بلدنا ما عشناه في ماضينا القريب وما يحدث في دول الجوار. كنّا معقّدين، لم نعرف أين الحل؟ في من يمكننا أن نثق؟ كنّا نرى الدولة مارقةً على تصوّراتنا وأفكارنا، وكنّا نرى الشعب وحشاً كبيراً ما ينفكّ يكسر قيوده حتّى يأكلنا جميعاً بمن فينا «هو»، ولكن... كنّا مخطئين.

عوض أن يكسر الشعب الجزائري القيود جملة واحدة، قرّر أن يرقص، قرّر أن يتمايل بجسده حتّى ترتخي تلك القيود ثم تسقط شيئاً فشيئاً دون أن تترك به أي ندوب، أراد الشعب أن يقوم بحمية فكرية تسقط عنه تلك الأساور الكبيرة التي لا تصلح إلا للأجساد الخاملة والمشبّعة بالبؤس، مشى بعيداً عن جلّاده وجعل من ابتسامته وضحكاته درعاً منيعةً تحميه سوط الجلّادين، وجعل من تلك الأمنيات التي يذرفها الأشرار والمختبئون وراء الدين، مَن تحرّكهم القوى الاستعمارية مجرّد أضغاث أحلام، وخابت كل التوقّعات وخرجت الجزائر من شرنقتها كفراشة الربيع، الربيع الحقيقي، وليس الربيع «العربي».

غرافيتي في الجزائر مستوحى من قصيدة للشاعر التونسي الراحل الصغير أولاد أحمد «إذا كنت شعباً عظيماً، فصوّت لنفسك في اللحظة الحاسمة»

خرجت النساء مع الرجال في كل مدن الجزائر في صور حضارية راقية، بأصوات مختلطة ما بين السوبرانو والباص، منشدين حبّهم لوطنهم، دون تحرّش، دون تكسير، دون عنف، يمكنك أن تشرب قهوتك في هدوء في شوارع العاصمة، بينما الثورة تمرّ بجانبك، كلّ الوجوه مبتسمة سعيدة، كأنّها اكتشفت شيئاً جديداً كانت تجهله عن نفسها. لقد تحطّمت تصوّرات الشعب عن نفسه، ولأوّل مرّة، يرى هذا الشعب وجهه في المرآة، هذا الوجه الذي قيل له مراراً وتكراراً إنّه وجه بشع وقبيح ليكتشف جمال ملامحه بيديه وهو يلامسها عن كثب ليغرم بنفسه بعدها. وها هو الشعب الجزائري اليوم معجب بشعبه، سار صامتاً أمام المستشفيات، قدّم الأزهار لأفراد الشرطة، وزّع الماء والتمر واللبن والكسكس على المتظاهرين، أفسح المجال لسيّارات الإسعاف، بقيت المحالّ مفتوحة، بينما ملايين الجزائريين يجوبون الشوارع ولم تكسر لوحة إعلانية ولا نافذة ولم يتعرّض أي محلٍّ للسرقة أو التخريب. التزم الشعب بأوقات التظاهرات يوم الجمعة باعتباره يوم «عطلة» من الساعة المقرّرة إلى الساعة المحدّدة دون نقص أو زيادة، ونظّفوا الشوارع بعدها، وعادوا إلى بيوتهم باحترام وتقدير، وماذا فعلوا في باقي أيّام الأسبوع، غرسوا الأشجار في كل مدن الجزائر، تطوّعوا لتنظيف أحيائهم وصباغة الأرصفة والجدران. رسم الفنانون أجمل اللوحات في الأزقة، تسامحوا في ما بينهم، تعانقوا، أحبّوا بعضهم بعضاً كما لم يفعلوا ذلك من قبل، ليرسموا ملامح أسعد ثورة في العالم... لتنقل كل وسائل الإعلام الدوليّة هذه المفارقة العجيبة في تاريخ الحضارة البشرية، لأوّل مرّة يثور شعب ما وهو مبتسم.
لم يختر الشعب ممثّلين له، رفض أن تقوم زمرة باحتكار رأيه، هو يعلم ويدرك أن أربعين مليون جزائري لا يمكن اختصارهم في بضعة أفراد، بل واصل حراكه، وأثبت أنّه بسلميّته غدا مفاوضاً عظيماً، فها هي السلطة السياسية في الجزائر تقدّم تنازلات تلو التنازلات لإرضائه وها هو يصرخ بأعلى صوته «هل من مزيد؟»، فعندما استرجع الشعب ثقته بنفسه راح يستردّ سلطته، بلافتات ومطالب راقية، لم تستسلم للبعد العاطفي ولا الديني، بل حمل معظم المتظاهرين شعارات وطنية ومبدئية، مطالبين بجزائر «حرّة ديموقراطية»، وبدولة مدنية. ومع استمرار هذا الحراك، لم تعد الساحات مجرّد مبعوثية تفاوض، بل صارت أيضاً مجلساً للتأسيس. خرجت النساء وحدهن في الثامن من مارس مطالبات بالمساواة القانونية التامة، ورفعت الأعلام الثقافية الأمازيغية في كل المدن الجزائرية، حتى تلك الناطقة بالعربية للتعبير عن وحدة الشعب وتآزره. رفعت لافتات تطالب باحترام حقوق الأقليات وحريّة التعبير، حتى المثليون والملحدون رفعوا لافتاتهم عالياً. خرج القضاة مطالبين بحماية الدستور، خرج المحامون مطالبين بإلقاء القبض على المجرمين، خرجت الشرطة لتحمي الشعب، خرج الأطبّاء لتوفير الإسعافات للمتظاهرين، غنّى الشعب في الشوارع، رقص، خرجت نساء الباليه، خرج راقصو البريك دانس، خرج الفنّانون والرسّامون والكتّاب والعلماء والفلاسفة والمفكّرون، خرج الجميع لتأسيس قيم الجمهورية الثانية التي يريدونها جمهورية أكثر تقدمية من الأولى. جمهورية تزداد فيها الحقوق والحريّات وتستمرّ فيها الدولة كعنصر جمالي استثنائي، ولتبقى الجزائر كما كانت دائماً، مكّة الثوّار.
عندما حاولت بعض القوى الأجنبية التعليق على ما يحدث، رفعت الجزائر كلها شعاراً واحداً «ملابسنا الوسخة نغسلها في بيتنا»


لقد طوّر الشعب الجزائري بما عايشه منذ استقلاله إلى اليوم نظاماً ثورياً جديداً وأسّس لعملية انتقالية جديدة ليست معروفة في قواميس الثورات، فكيف يمكن للشعب أن يحرر بلداً دون أن يهجم على الثكنات، ودون أن يمرّغ أنف بلاده في التراب. لقد فهم الشعب أنّ بلاده هي بيته الذي يجب أن يحمي سقفه، وأن الديموقراطية الحقيقيّة لا يمكن أن تتحقق على أنقاض سيادة بلده واستقلاله. لا يمكن أن تأتي على متن الطائرات الحربية للقوى التي استعمرتنا في ما مضى، وعندما حاولت بعض القوى الأجنبية التعليق على ما يحدث في الجزائر، رفعت الجزائر كلها شعاراً واحداً «ملابسنا الوسخة نغسلها في ما بيننا في بيتنا»، وأنّ ما يحدث في وطننا مشكلة عائلية، ولم يسلم مكتب الـ«إيليزيه» من اتصالات الجزائريين ليعبّروا عن امتعاضهم من تصريح الرئيس الفرنسي ماكرون. لقد دافع الشعب عن سيادة وطنه ولم يفرّط بها ودافع عن وحدة مؤسّسات الدولة وصرخ بكلّ جوارحه وأصواته المتعدّدة والمختلفة: «جيش، شعب، خاوة، خاوة».
هكذا بقيت القوى الأجنبية مكتوفة الأيدي، لم تعرف كيف المجال لتعبث بثورة هذا الشعب كما عبثت بثورات الشعوب الأخرى في المنطقة، إذ لم يترك الشعب الجزائري ثغرة واحدة للعدو للانقضاض عليه، بل ركّز اهتمامه على جمهوريته وحقّق حتى الآن جزءاً مهماً من مطالبه وهو يتوق إلى تحقيق المزيد.
وبالرغم من هذا، فقد حاولت بعض القوى الحزبية والدينية المتطرفة الانقضاض على الثورة، لكن سيول الجماهير كانت أكبر وأعظم من إيديولوجياتها. حاولوا بأعدادهم القليلة الدخول في قلب التظاهرات ورفع لافتات كبيرة، منها حتى صور الرئيس التركي إردوغان لإخراج التظاهرات سينمائياً وإبدائها على أنّها تسري في مصلحتهم، لكن قوّة الشعب كانت الأقوى. وعندما حاولوا تشويه مطالب الشعب بما سمّوه «الدولة الإسلامية»، بدا صوتهم أخفت من أن يسمع في ثورة الابتسامة التي دعا فيها الجزائريون إلى تقبّل الآخر، والاختلاف ودون تهميش، فالهتافات كانت أرقى من بواعث هؤلاء المرتزقة والمتحاملين الذين يحلمون ببركان دم جديد في الجزائر، لكن الجزائري لا يلدغ من الجحر مرّتين، فذاكرته لا تزال منتعشة بتلك الصور القذرة التي جلبها لنا تجّار الدين، عملاء القوى الاستعمارية. كما أنّ المناخ السلمي للتظاهرات شجّع الجزائريين على الخروج بكل طوائفهم وأفكارهم، فتعدّدت الشعارات وبرزت جمالية الجزائر، وحينها ظهر الإسلاميون على حقيقتهم كأقليّة تعيش على مخاوف الشعب ومكبوتاته التاريخية، وليتجرّع الإسلاميون أنفسهم، بكل الدعم الأجنبي الذي يحملونه، مرارة هذا الوعي الجزائري الجديد الذي ضرب عرض الحائط بكلّ مشاريعهم الهدّامة، ليبني مشروع الدولة الجزائرية الحديثة والحداثية التي أرادها والتي تستحقها الجزائر.
اليوم، دور المثقّف أن يرفع من سقف تطلّعاته لتتماشى مع تطلّعات شعبه، على المثقف اليوم أن يقول رأيه بحريّة أكثر وبجرأة أكثر، وأن لا يكتفي بالصالونات التي كانت ولا تزال حاجزاً بينه وبين شعبه. فقد أبدى الشعب اليوم ثقافة وتحضّراً بالغين، وبالتأكيد سيكون للمثقف في المستقبل القريب دور ريادي لحماية الوطن من النزف الثقافي ومن الغزو الإيديولوجي، على المثقّف أن يقلّد شعبه ويؤسّس لثورة فكرية جديدة مواكبة لهذه الثورة السعيدة التي أزهرت في الجزائر.
في الجزائر، كنّا نبحث عن شمس ما، بحثنا عنها في الشرق والغرب، في الشمال والجنوب، بحثنا عنها بين الجبال والغيوم. وعندما فقدنا الأمل وجدناها تبزغ منّا كشرنقة الفراشة، كميتامورفوزيا ربيعية، كألوان وحياة، فصارت الجزائر هي الشمس التي لطالما كانت تبحث عنها.

* كاتب روائي وناشط حقوقي ـ من مؤلفاته: «مدينة الظلال البيضاء» و«ما يخفيه الله عنا»