كانت ليلة الـ 22 من فبراير 2019، ليلة صعبة في الجزائر، أغلقنا فيها جميعاً أبواب بيوتنا بشكل مبكر – كالعادة – وفتحنا شاشاتنا مبكراً ــ على غير العادة ــ لنتواصل بشكل معطوب كما نفعل منذ سنوات.. لكن هذه الليلة مارسنا التحايل على عزلتنا الاعتيادية بخوف وتوجس أكبر من غد نريده بشدة ولا نعرف كيف سيكون أو إلى أين سينتهي بنا، هل سنلتحم أخيراً ونعلن حلماً مشتركاً!

تصلني رسالة الصديقة فاطمة بارودي من مصر، هل تعتقدين أن الناس ستنزل غداً؟ لا أعرف كيف أجيبها، لأنه يصعب عليك أن تشرح هواجسك لشخص غادر بجسده لكن قلبه ظل هنا يراقب الحركة والسكون؟ قلت لا أعرف؟ أتمنى أن ينزلوا هذه فرصتنا الوحيدة.. قالت أخبريني أولاً بأول؟ ثم تباعاً تأتي رسائل الأهل والأصدقاء (الجزائريين) تُكرر السؤال ذاته من كل مكان في العالم، وحتى من على بعد عمارتين من سكني، إلى أن تصل رسالة من العمارة ذاتها «تروحي غدوى؟ بلاكي تروحي بلا بيا حبيت نجي معاك» (هل ستنزلين غداً، إياك أن تذهبي بدوني، أريد الذهاب معك)، إنها الجارة الصيدلية.. أطل على فيسبوك، الدعوات إلى النزول كثيرة والنقاش هادئ، أطل على تويتر فأرى تحذيرات كثيرة من النزول وتذكيراً بما حدث في المحيط العربي، أشعر بقرف من النقاش، أعانق مخاوفي حول إمكانية التردد في الخروج إلى الشارع وأحاول النوم، لا أستطيع، أكتب السؤال الذي وصلني طوال الأمسية إلى صديق أثق به «تعتقد أن الناس ستنزل غداً؟» عكسي، يرد بكل ثقة، «سنخرج غداً، أخلدي للنوم، غداً سيحرر الشعب الميادين»... من أين يأتي بهذا اليقين؟
نعم، حرّر الشعب الميادين يوم الـ 22 من فبراير، وحرّر أشياء كثيرة تعرضت للاحتقار والاحتكار طيلة الـ20 سنة الماضية. ولنكون عادلين، نحن الذين عشنا جزءاً من طفولتنا وكل مراهقتنا في تسعينيات القرن الماضي، الأمر بالنسبة إلينا لا يعود إلى العشرين سنة الخاصة بزمن بوتفليقة الذي خلعه الشعب، بل قبله بكثير. لذلك، فإن الحمولة كانت ثقيلة.. إنه كل عمرنا «المهدور» بآثار آلة النظام التي أنزلت علينا بوتفليقة وأحاطته بحمايتها كضربة قاضية تشل حركتنا «العقلية والدفاعية» بعد ذاكرة مثقلة بالدعاية والدم والحكايات المرعبة.. وفي الوقت الذي كان النظام يواصل فيه لعبته القذرة لتكسير الأحزاب والإعلام والنقابات وكل ما يمتّ بصلة إلى ملامح قادرة على تشكيل مجتمع مدني حقيقي، عبر دسّ «فطريات» الجهل والتملق في جسد المؤسسات والمجتمع، كان جيل جديد ينمو بعيداً عن هذا العفن كله، جيل المعلومات والدفاع عن الحريات بحق. جيل ينتمي إلى قيم عالمية، وهذا أمر لا يمكن أن يخيفنا بعد الآن كما يدّعي أصحاب نظرية المؤامرة، لأنه نزل إلى الشارع مجهزاً جيداً بصورة الشهيد العربي بن مهيدي، وبالعلم، وبالشهيد موريس أودان كجدار متين لكتابة رسائله بكل اللغات، تحدّياً للإعلام المدجّن والسلطة الصماء، وبالقضايا العادلة حاملاً علم فلسطين في كل مكان ومردّداً الشعار الشهير للملاعب الجزائرية «فلسطين، فلسطين، فلسطين الشهداء».

ما فكرت من قبل أنه قد يكون لديها اهتمام بالسياسة، قالت لي «هل ستنزلين يوم الجمعة؟»

جيل يحدد قضاياه الداخلية والخارجية بدقة ويعرف عدوه بوجهيه «العهدة الخامسة ورئيسها العاجز»، والنظام بوجهه القبيح وممارساته اللاقانونية التي تحارب كل أنواع الرقابة، فقال «تتنحاو قاع» (تذهبون جميعاً) كخلاصة للمطالب، لكن أسابيع الحراك السبعة الماضية كشفت ــ أكثر من أي وقت مضى ــ تمسك النظام المحاصر بمليونيات سلمية بـ«غائية» المصالح والتنصّل من الحلول الجذرية.
منذ اليوم الأول لغاية الجمعة السابعة، كنت أستحضر وصف فرانز فانون لما يسميه «عظمة الانطلاق العفوي» للجماهير (في تشريح الثورة الجزائرية) كلما وجدت نفسي عالقة وسط آلاف الناس الذين لا أعرفهم ولا يعرفونني، لكننا نمتلك الحلم ذاته على الاختلاف ــ المؤكد ــ بين ظروفنا وتوجهاتنا الفكرية بهذا الحلم، ورغم ذلك يحمي بعضنا بعضاً بكل ما أوتينا من قوة، لذلك عندما تنفض الجماهير أعود إلى التفكير في تفسير فانون – المخيف – لـ«الهوة التقليدية» بين سرعة انطلاق الجماهير وردّ فعل قياداتها بكل مستوياتها..
يوم أعلن الرئيس إلغاء الانتخابات، كان أول انتصار حقيقي للحراك الشعبي، لكنه ليس الهزيمة الوحيدة للسلطة عقب تظاهرات مليونية للجمعة الثالثة. يومها عدت منهكة من العمل، وجدت السكان متجمعين في مدخل البناية يتحدثون عن ضرورة النزول يوم الجمعة مجدداً، سلمت وأنا أهمّ بصعود الدرج، أوقفتني خالتي فاطمة، وهي سيدة ستتقاعد قريباً تعمل في مطعم مدرسي للأطفال. ما فكرت من قبل أنه قد يكون لديها اهتمام بالسياسة، قالت لي «هل ستنزلين يوم الجمعة؟». قلت ضاحكة: لا أعلم؟ قالت (مصدومة من ردّي): «يجب أن ننزل بقوة يوم الجمعة». وأضافت وسط صمت الجميع: «أليس عيباً أن يجيبنا الرئيس بتلك الطريقة؟ هل ما قاله كلام يقال لشعب ثائر على الفساد؟». نظرت إليها مكسورة من اعتقادي أن الأمر سياسي بينما هو قضية مصير، وقلت: «لا، ليس كلاماً يقال»، وصعدت الدرج إلى غاية الطابق السادس أسأل نفسي: «من أين يأتي هذا الشعب بكل هذه القوة والصبر على سلطة احتقارية ومتعنتة ضد الآخر بهذا الشكل»؟! وكان هذا المساء الذي خرج فيه للوجود شعار «تتنحاو قاع».

* إعلامية ومدوّنة وناشطة في الحراك الاحتجاجي