مواكبتي للحراك ارتبطت بشكل سياقي وجدلي بمواكبة ثورات 2011 وما تمخض عنها من تحولات إقليمية وعالمية. منذ العهدة الرابعة التي توقعْتُ فيها عودة بوتفليقة، توقعتُ بالموازاة تفاقم الأزمة السياسية على مستوى الهرم، وأن نسق الطغيان سيتعرض للاهتزاز بعد أن تتطاحن مراكز القوى التي تداولت على فبركته. توقعتُ أن الاستحقاقات الرئاسية لن تتم في موعدها. في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2018، كتبت المنشور التالي: في 2019 ستسقط كل الأوهام وتبقى الحقيقة المرة، منها سينبثق الزمن الجزائري على أسس الحرية والشفافية.

منذ أن خرجت الحشود إلى الشارع، واسترجع الشباب فضاءه العمومي، انخرطتُ في حركة الاحتجاج. كان المشهد مبهراً ترجم ثورة سلمية مبدعة، خالية من كل مظاهر العنف. وجدت نفسي ملزماً من موقعي كباحث بأن أتابع تحليلات السياسيين والأكاديميين وحواراتهم، وأسهمت بدوري في بلورة بعض الرؤى النقدية، ولا سيما في الجانب المتعلق بالنخبة الفكرية والطبقة السياسية، من منطلق أن الشباب أخذ بزمام المبادرة بعدما فشلت تلك النخب في أداء مهامها. لقد وضع الحراك كلّ «الأشياء السياسية» موضع مساءلة، وأجبر كلّ مكوّنات الحكم على أن تسير خلفه بحثاً عن الزمن الجزائري الجديد.
تحت عنوان «الحراك الشعبي، جماعة بوتفليقة والمعارضة، حتى تخرج الدولة من سيرورة الفشل: الشروط الممكنة والشروط المضادة»، صُغت ورقة للنقاش تفاعلاً مع مبادرات عديدة، كما حضرتُ عدداً من اللقاءات الحقوقية والمدنية على مستوى مدينتي (وهران)، بحثاً عن أنجع السبل التي من شأنها أن تخدم الحراك وتقويه وتصونه من أي انحراف. كل ما كان يعنيني هو استمرارية الحراك وسلميته من حيث هو الوسيلة الوحيدة القادرة على تطهير الطبقة السياسية من العصابات المتحكمة في مفاصل الدولة. وفي الموازاة، وجهت نقدي إلى النخبة حتى ألفت انتباهها إلى مراجعة رصيدها الفكري وبناء خطاب جديد يتناغم مع الحراك من جهة ويحرّك جمود الطبقة السياسية من جهة ثانية، تمهيداً للمرحلة التي ستؤسّس للدولة المنشودة.
كنت من الذين يرفضون أي تمثيل للحراك، من منطلق أنه يمثل نفسه ومطالبه واضحة، وأن الحوار بينه وبين أصحاب القرار قائم، من حيث أن فضاء التظاهر هو المنصة التمثيلية التي تشتغل، بطريقة تشاركية، وترفع بشكل صارم ردود الحراك على القرارات الصادرة من فوق.
بناءً على قراءتي للوضع الأممي، وفي سياق مقاومة المخططات الإمبريالية للمدّ الديمقراطي، ركزت اهتمامي على أن تشخيص الوضع السياسي الجزائري الراهن يبقى ناقصاً في غياب تشخيص الوضع الذي اشتهر تحت اسم «الشرق الأوسط الجديد» في سياقاته الإقليمية والعالمية. وبدا لي أن جزائر فبراير 2019 تعيش ثورة سلمية غير مسبوقة، حبلى بأفكار سياسية جنينية (غامضة) حول الدولة التي يحلم بها شباب الحراك، ومن جهة أخرى، يعيش النسق السياسي بكل مكوناته حَالةَ مَنْ تورط في مستنقع ولم يعرف كيف يخرج منه، ومن جهة ثالثة إذا ما كانت النخب العلمية جاهزة وقادرة على تصميم نظري لمعالم الدولة التي يحلم بها الشباب.

لم تنجح الجزائر في الدخول إلى التاريخ، لأنها تأسّست منذ البدء على «ذاكرات» متناقضة


ثمة مراكز قوى تشكلت منذ التشظي الذي عاشته الحركة القومية الجزائرية، ولا سيما مع اندلاع حرب التحرير. ويسجل التاريخ أن الخلافات بين الفرقاء لم تكن تحسم سوى بالعنف، بدل الحوار، وأن أسباب تلك الخلافات لم يحدث أبداً أن خضعت للفحص والتحليل العلمي، وبالتالي فإن الوضع المتأزم الذي عاشته الحركة القومية الجزائرية لم يعمل على إنتاج النقلة النوعية بقدر ما كان يعيد إنتاج نفسه بعد كل معالجة سطحية للأزمة. فهو لم يحقق النقلة النوعية بل التكرار.
لم تنجح الجزائر في الدخول إلى التاريخ، لأنها تأسّست منذ البدء على «ذاكرات» متناقضة ومصالح متحالفة تارة ومتطاحنة تارة أخرى، بينما التاريخ البشري في طبعته الجديدة (الغربية) ليس محلياً بل كونياً من حيث إنه خرج من الذاكرات المتطاحنة إلى الذاكرات المتعايشة، ومن المصالح الضيقة إلى المصلحة العامة والمنفعة المشتركة؛ أي خرج من البراديغما القديمة المؤسسة على دين معين أو ثقافة مخصوصة، ومصالح ضيقة، إلى البراديغما الحديثة التي تحمي الحريات والحقوق، بما في ذلك حرية المعتقد.
وأسستُ مقاربتي على أن المأزق الذي تتخبط فيه الجزائر إنما بسبب نمط حكمها والمضامين الدستورية التي تأسّست عليها، وأن مظاهر الفساد والظلم والتخلف إنما هي بسبب الجهل الذي أطّر التناقضات بين مراكز القوى التي ظل كل همّها اختطاف «الدولة» خدمة لمصالحها وأهوائها. ما هو الحل؟ على النخبة الجزائرية أن تخرج من كهفها، وأن تتساءل ما الذي يحدث في السعودية وبلدان الخليج وفي إيران وتركيا؟ وما هي الأسباب التي جعلت من اليمن بلداً بلا سيادة؟ وكيف انهارت ليبيا؟ ولماذا فشلت ثورات 2011؟
الحل في صياغة أسئلة جديدة من أجل العثور على أجوبة جدلية خلاقة. من هنا يبدأ التغيير، ومن هنا يمكن للنخب أن تتمثل المفاهيم والنظريات المؤسسة للدولة الحديثة، ومن هنا يمكن للنخبة أن تنتج معرفة محايثة للتاريخ ومن ثمة تتحول إلى قوة اقتراحية تسهم في إخراج الجزائر من سيرورة الفشل.

* شاعر وباحث جزائري ـــ من مؤلفاته: «وعيناي دليل عاطل عن الخطوة» (شعر) و«أزمة الخليج في ضوء التاريخ» (بحث)